المحافظات

مستشفى المنزفة .. قصة البدايات الطبية في ولاية إبراء

طبيب فرنسي في بيت طيني وهليكوبتر تهبط عند بابه

 

لا تقف حكاية الماضي عند جدران حارة المنزفة بقرية القناطر وأزقتها الضيقة، بل تمتد إلى صرح طبي كان نبضًا للحياة في تلك المنطقة. هنا، لم يكن 'مستشفى المنزفة' مجرد مبنى عابر، بل كان ملاذًا آمنًا ومرجعية صحية لا غنى عنها لأهالي الحارة والولاية والقرى المجاورة لعقود مضت.


تحاور 'عمان' الدكتور محمد بن أحمد البرواني، أحد أبناء القرية، ليروي كيف تداخلت عراقة التاريخ مع رسالة الطب الإنساني في بقعة جمعت بين أصالة القصور القديمة كحصن 'السدور'، وروح العطاء التي جسدها هذا المستشفى، الذي ظل شاهدًا على حياة أهل المنطقة وتفاصيلها عبر الزمن.
مستشفى المنزفة
وذكر البرواني أنه في أواخر الخمسينيات تم افتتاح مستشفى حكومي باستئجار بيت العابية، والذي ظل يقدم خدماته حتى بداية السبعينيات، وكان يقتصر على تقديم الخدمات الأولية للمرضى، وظل مستشفى المنزفة يخدم زواره من مختلف الأماكن في شمال الشرقية، وساهم بشكل جيد في تحسين مستوى الصحة العامة آنذاك.
وكان مستشفى المنزفة حسب مرجع كتاب 'المنزفة' للباحث أحمد السناوي يخدم محافظة شمال الشرقية كلها، ويعود المبنى الذي بني من الطين إلى صاحبه عامر بن محمد البرواني، وورثه بعده ابنه سعيد، وأوقف بعد ذلك لذريتهم، وتم افتتاحه في عهد السلطان سعيد بن تيمور بعد موافقة من الحكومة، وكان يتناوب عليه أطباء هنود وباكستانيون ينتدبون من محافظة مسقط من دائرة تسمى بـ'دائرة التحسينات'، وسكنوا في الطابق العلوي، إلا أن المستشفى كان بمثابة عيادة صغيرة بدائية التكوين، وكان العلاج فيها مقتصرًا على الأمراض الموسمية، وفي بداية السبعينيات أتى إلى العيادة طبيب فرنسي نشيط، وسكن في البيت المقابل بعد ترميمه.
ويقال إن المستشفى كان ذا صيت وأهمية في خدمة المرضى، كما يقال إن الطائرات المروحية (الهليكوبتر) كانت تقل المرضى من مسقط وتنزل أمام المستشفى وقت الحاجة. ويعود هذا البيت لعام 1194هـ، ومن الأشخاص الذين عملوا عليه سعيد بن حميد المعمري، وسعيد بن حمد الرواحي، وبعد هذا المستشفى جاء مستشفى القلة في سوق السفالة بولاية إبراء.
وعن ارتباط قرية المنزفة بالحارات المجاورة قال البرواني: 'ترتبط المنزفة بامتداد مع حارة الدغشة التي تحوي جامع إبراء وحصن إبراء وبيت التوقيف إلى السوق القديم وقرية القناطر وكشام، والتي تتميز بالبيوت والدراويز المحصنة التي تطل على حدائق غناء على مسافة ثلاثة كيلو مترات من مهباط الغزوات وحتى المنزفة، ويتخلل هذه البساتين المياه التي تربطها بفلج بومنخرين الذي يسقي البساتين الغناء بجداوله الرقراقة التي تتسم بالعذوبة والنقاء.'
وأضاف: 'هذا المشهد يوحي بمدينة متكاملة بسوقها وجامعها وحصنها وقصورها وبيوتها وحدائقها، بإطلالة على جبل القطبي بقلعتيه الشامختين القطبي والنواصر، وقصورها الغناء من الشمال وحتى الجنوب ومن الغرب وحتى الشرق التي تطل على الوادي الغربي من الغرب والشرق حتى نطالة راعي النجم، وبأفلاجها الداؤودية والغيلية الجماعية والشخصية كفلج الصافي الذي لا يتشارك فيه آخرون والذي يسقي نطالة راعي النجم البرواني'.
الخطط التطويرية للقرية
وأشار البرواني إلى أنه بالرغم من مآلات السنين وهجرات الساكنين مع تقلبات الأيام وتداولها، إلا أن هناك جهودًا تبذل اليوم لاستثمار هذه الأماكن وإحيائها من جديد، من خلال نزل يقوم به صالح العرفي، ويضم مطعمًا ومرافق أخرى، بما يمهّد لالتقاء الماضي بالحاضر عبر التجديد والتطوير. كما يوجد مقابل ذلك نزل آخر في المنزفة يعمل عليه ياسر الحارثي، ليشكلا معًا عنصر جذب سياحي وجماهيري يسهم في توجيه الناس إلى هذه المدينة ذات التاريخ العريق، وإلى ما تزخر به من مكتبات ومراكز علمية وفقهية، وإلى ما أنجبته من علماء وفقهاء وشجعان عاشوا بين سكيكها وأزقتها، إضافة إلى منتجات متنوعة كانت تخرج من حدائقها من عنب وزيتون وجوافة وبلح ومانجو وقمح وسكر وسمسم وغيرها، والتي كانت معاصرة شاهدة على تلك الحقبة المزدهرة من تاريخ هذه المدينة.
سفالة إبراء في عيون الشعراء
وذكر البرواني بأن الشعراء تغنوا في سفالة إبراء من مهباط الغزوات وحتى المنزفة شعرًا كفيلاً ودليلًا واضحًا بمعرفة عاداتها، وقال منهم:
إن شارفت إبراء ولاحت ظلالها...
فصل على المختار أفضل من تلا
وإن رفرفت للضاعنين للسفالة...
حط الرحل وابدأ التجملا
على بركات الله سر في رياضها...
فقد لاح نجم السعد بالبشر مقبلا
وقرب صواني الرطب إن جئت خارفًا...
فكل واشكر المولى كثيرًا وبسملا
وقيل فيها:
أوصيك يا دليل ووصاتي حفلها...
وحذرك عن تعيل عن راعي النجم
شرقي مجر السيل لي معمر سبلها...
يوم تشوف الخيل عجل بالخطم
وقيل أيضًا:
حي في جامع إبراء ... كل من للعلم يقرأ
بتحيات تباهي المسـ ... ك أنفاسًا وعطرًا
وهكذا، يتضح أن حكاية المنزفة ليست مجرد صفحات من الماضي، بل هي ذاكرة حيّة تختزن ملامح المكان والإنسان، وتروي سيرة صرحٍ طبي كان علامة فارقة في حياة الناس، وركيزة أساسية في تعزيز الصحة والخدمة المجتمعية في تلك الحقبة. وبين عبق التاريخ الممتد في أزقتها وحاراتها، وروح العطاء التي جسدها مستشفى المنزفة، تبقى هذه المنطقة شاهدًا على تداخل الأصالة مع البذل الإنساني، وعلى مسيرة مجتمع استطاع أن يصنع لنفسه حضورًا ممتدًا في الذاكرة والتاريخ.
فما أجلها من أفعال وما أفضلها من عادات وأعراف، ناهيك عن أوقافها المتعددة والمختلفة التي تحتاج سردًا آخر تقرب به رغبة في مرضاة الله وعفوه.