المحافظات

حصاد "البر" بين الماضي والحاضر.. كيف تغيرت ملامحه؟

 

كانت زراعة القمح أو ما يسمى بـ'البر' تتصدر قائمة المحاصيل التي يعيش الناس عليها، ولو رجعنا بالزمن في حقبة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، لوجدنا اختلافا كبيرا في نمط الزراعة والحصاد والحياة الاجتماعية مقارنة ببداية عهد النهضة المباركة، التي أحدثت نقلة نوعية في طريقة الزراعة والحصاد، وسهّلت الجهات المختصة كافة الطرق للمزارع العُماني والمستثمر في حصاد القمح.
وفي السطور الآتية، سنتطرق إلى دور الأسرة في الماضي والحاضر في فترة حصاد القمح، بالإضافة إلى مقارنة في طرق جني المحصول قديما وفي الوقت الحاضر.


موسم التصييف في الماضي
قال العم سالم بن حمد العدوي من سكان منطقة جماح بولاية بهلا: 'يطلق على موسم حصاد القمح بالتصييف، وذلك لأن حصاد القمح يتم بوقت دخول بوابة الصيف من نهاية شهر مارس إلى طوال شهر أبريل؛ حيث تبدأ الشمس بلسعات خفيفة عند التعرض لها، فيكون الوقت الأنسب للحصاد'.
وأضاف: 'في الزمان القديم، قبل وجود الشاحنات ومعدات الحصاد التي تنهي العمل في ثوانٍ، كان الحصاد له طعم آخر وتعب ممتع، فبعد جمع القمح، يتم وضعه في مسطح واسع ويسمى بـ'الجرين'، ويجتمع الرجال عليه بقوة سواعدهم؛ حيث يمسكون بالعصي المأخوذة من كرب النخيل، ويبدأون بضرب السنابل ضربات متناغمة ومنتظمة حتى تنفصل الحبوب عن السنبلة، والعمل لم يكن فرديا، بل كان فيه تعاون و'عزوة'، ويتخلل العمل غناء أهازيج شعبية متوارثة تخفف عنهم حرارة الشمس وتعب الضرب، ثم تأتي مرحلة 'التذرية'، فيتم رفع القمح للأعلى وتتكفل الرياح في فصل التبن عن القمح، ونستخدم المنسف في عملية الفرز'.


رحلة المعاناة قديما
وتروي لنا الجدة مزين بنت سليمان الحديدي رحلتها الشاقة في زراعة البر العُماني بمنطقة حيل فرق بولاية نزوى، وقالت: 'كانت زراعة البر قديما صعبة جدا نظرا لقلة توافر وسائل النقل؛ حيث كنا نقطع مسافة طويلة من قرية فرق إلى منطقة حيل فرق، حول ما يقارب 3 كلم، حاملين معنا المياه والمؤونة فوق رؤوسنا، تاركين خلفنا أطفالنا في المنزل مع مربيات يكفلنهم، وقد نضطر إلى حمل أطفالنا الرضع لقطع هذه المسافة'.
وقالت: 'يقتصر حرث الأرض وإصلاحها ونثر البذور وسقي المحصول على الرجال فقط، ويأتي دور النساء في فترة الحصاد وهي الفترة الأصعب؛ لأنها تتطلب جهدا ووقتا من الحصاد حتى فترة التصفية وفصل حبة القمح عن التبن، ولم يكن الأمر سهلا بتاتا، كان العمل للكل من رجل وامرأة، صغيرهم وكبيرهم، ويتم استخدام الأدوات القديمة في حرث الأرض كالمنجل واستخدام الثيران في الحرث، وبعد نثر البذور يتم السقي بشكل منتظم، وكانت المياه ولا تزال تأتي من فلج فرق، وقديما كان يسمى فلج 'أبو حمار'، ويتم تقسيم الأثر في الفلج قديما بالساعة الشمسية في وقت النهار، أما ليلا فيتم استخدام النجوم لقياس الأثر'.
وأضافت: يسمى الذي يفصل الحب عن التبن بالدواس ويتقاضى أجرا، ويوجد الراقب أو الرقيب وهو المشرف في مكان الدوس وقت الحصاد، وفترة التذرية التي تتضمن فصل التبن عن البر هي أصعب الفترات؛ لأننا نعتمد على هبوب الرياح ونثر البر في الأعلى حتى يكون صافيا، وذكرت صعوبة هذه المهمة لأن المزارعين قد يضطرون إلى المبيت في مكان الحصاد ليلا لاستغلال هبوب الرياح في منتصف الليل غير آبهين بخطورة النوم في العراء ووجود العقارب أو الهوامش 'الأفاعي'.
واختتمت حديثها قائلة: 'في نهاية الحصاد يتم تقسيم أجور المشاركين في الحصاد من قبل مالكي الأرض؛ حيث كانوا يتقاضون صاعا من البر أي ما يوازي 2 كجم فقط، وهو أجر زهيد في ذلك الزمان، وتقوم النساء بطحن البر يدويا ثم استخدامه في صناعة الخبز العُماني'.
جهود حصاد البر حديثا
قال المهندس خالد العبري: 'إن جهود وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه قائمة باستمرار فيما يخص زراعة وحصاد القمح العُماني؛ حيث تبنت عام 2018م مشروع التوسع في أصناف القمح، وكان ممولا من صندوق التنمية الزراعية والسمكية، وبعد تبني الوزارة للمشروع لاقى نجاحا مشهودا، وتهدف الوزارة في هذا المشروع إلى التنويع في زراعة أصناف القمح ونشر بذورها في كافة مزارع سلطنة عُمان، وفي الوقت نفسه إنتاجها بأعلى جودة'.
وأوضح العبري أن التركيز على منطقة النجد بولاية ثمريت في زراعة المحاصيل، لا سيما القمح، يستند إلى اعتبارات اقتصادية وجغرافية؛ إذ جرى اختيار المنطقة لما تتمتع به من اتساع جغرافي وامتداد في سهولها، مقارنة بمناطق الشمال التي تحدها الجبال والأودية من معظم الجهات. كما يسهم اعتدال مناخها، إلى جانب بعدها عن التجمعات السكنية، في توفير بيئة زراعية ملائمة ومساحات واسعة تدعم التوسع في الإنتاج الزراعي.
وأشار العبري إلى إدخال آليات حديثة في عمليات حصاد القمح، وقال: إن وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه توفر نوعين من آلات الحصاد: الأولى الدواسات التي تعتمد على وجود حراثات ويتم تشغيلها من خلال الإدخال اليدوي للمحصول، وتُستخدم غالبا في المناطق الشمالية نظرا لضيق المساحات الزراعية، أما النوع الثاني فهي الحصادات الأوتوماتيكية الكبيرة التي تخدم المساحات الشاسعة، فتستخدم في المناطق الجنوبية لا سيما في منطقة النجد لما تتميز به من كفاءة عالية في التعامل مع المساحات الواسعة، وإنتاج أعلى قدر ممكن من القمح.
وأكد العبري أن خطة إنتاج القمح المحلي تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحقيق 'رؤية عُمان 2040'، وتوفير الدعم المالي للمزارعين، بالإضافة إلى توزيع البذور عالية الجودة كما ذكرنا سابقا، وتوفير الدعم الاستشاري والفني، وتخصيص أراضٍ للمزارعين وتطوير منتجات القمح العُماني.
وأشار إلى أنه تم زراعة أكثر من 8000 فدان من القمح، ومن المتوقع خلال هذا العام إنتاج 10 آلاف طن إلى 11 ألف طن من القمح، ويتم توريد المحصول إلى شركة المطاحن العُمانية.
والخلاصة أن موسم التصييف ليس مجرد عمل وجني محصول، بل كان مدرسة في الصبر والتعاون. واليوم، ولو تغيرت الطرق وصارت الآلات هي التي تحصد، يبقى 'التصييف' ذكرى مخلدة تحكي لنا كيف عاش أجدادنا ببركة هذه الأرض.