المحافظات

سِدرُ الأودية وسمرُ الصحاري.. قصص مبادرين لإحياء ظلالها

 

بجذورٍ عميقة تمتد كغرسٍ أصيل، تسكن في ذاكرتنا العُمانية، تتفرع أغصان شجرة السَّمُر، وتبدأ حلقات العلم تحت ظلالها، وبين أغصانها تشكلت أزهارٌ بيضاء برحيقٍ عذب، وتكون على لحائها أشهى خلايا العسل، جذعها الصلب استندت إليه ظهور أجدادنا المتعبة، وكان كمحطة راحةٍ للرحالة والرعاة، وخشبها القوي كان يسند البيوت الطينية كأعمدة متينة، وتبقى شجرة السَّمُر كرمزٍ للصبر والقدرة على التكيف مع قسوة الجفاف وحرارة الصيف، تسكن في ذاكرتنا الشعبية.
وأما عن شجرة البركة، شجرة السدر التي تنتشر في القرى وتتوسط بيوت أجدادنا لم تكن مجرد شجرةٍ عادية، إنها شجرة الغذاء والدواء والظل، استعملت أوراقها المطحونة كمطهرٍ طبيعي لقتل البكتيريا والجراثيم، وفي ثمارها (النبق) بركة لكل من يأكل منها، ومن بين أغصانها تدلت أرجوحة الطفولة، وحول ظلالها كان ملعب للصغار ومخبأ من حرارة الصيف، وتحت كل شجرة سمر وسدرٍ وارفة الظلال عاشت أجيال وتكونت الذكريات، وبلهفة حين يفيض الوادي في موسم المنخفضات والغيث تأتي أيادي الخير الخضراء تمتد لتودع بذور هذه الأشجار ينثرونها مع المطر ويغرسونها بطن الأرض، بأملٍ أن كل بذرةٍ غُرست، سَتنبتُ أغصاناً تحمل الخير والبركة.


مبادرة النحّال الذي زرعَ للأجرِ لا للمصلحة
'الزراعة هي الأساس ومنها يبدأ كل شيء' بهذا اليقين يستهل زهير المسروري حديثه عن رحلته التي بدأت من الأرض وتمتد إلى خلايا النحل، يقول: 'عندما بدأت أتعمق أكثر في مجال تربية النحل، عرفت أهمية الزراعة وعرفت أن الزراعة هي أساس إنتاج العسل، وكنت في تلك الفترة أفكر في زراعة أكبر عدد لزيادة إنتاج النحل، كان هدفي فقط تجاريا من الزراعة'. ويكمل:' عند أول تجربة لي في الزراعة زرعت أشجار السدر وطلح الفتنه'. ومن هذه البداية قرر زهير المسروري أن يضع بصمته الأولى في أراضي وتربة ولاية جعلان بني بوحسن، ليكمل المسروي حديثه عن نقطة التحول :'زرعت تقريباً ٦٠٠شجرة'.
لكن هذه الأشجار لم تمنحه العسل فقط، بل منحته بصيرة جديدة لم يتوقعها قائلاً :'عندما بدأت بنفسي أزرع وأشتغل في المزرعة اكتشفت شيئا لا أعرفه من قبل، وهو الجانب النفسي، لما تزرع وتحط البذرة وتنظر لتطور نمو هذه الأشجار يعطيك إحساسا عجيبا، كأنك تربي شخصا'. ومن هذا الارتباط الإنساني العميق حوّل المسروري المزرعة من مشروع استثماري إلى واحة للعطاء والمبادرة في نشر أشجار السدر، ويكمل المسروري شعوره عند زراعة أشجار السمر:' عندما بدأت الأشجار تكبر، قمت بتوزيعها بالمجان دون مقابل، ودائماً كل فترة لما أزور أي شخص أعطيه أكثر من 4 شتلات من السمر بالمجان، لأحتسب الأجر في كل طيرٍ يأكل من ثمرها، أو غريبٍ يستظل وينتفع بها، وأشجعهم بعد على زراعتها'.
أما عن رحلة النحّال بين السيوح والجبال، والصحاري والوديان تكشف له عن أسرار الأشجار البرية والتي لا يلتفت إليها الناس عادة ولا يدرك قيمتها، أما النحّال فيعرف مواسمها ومتى تزهر وتثمر، وهذا الشغف جعل من المسروري خبيراً في تفاصيل بيئته ويكمل المسروري كلامه : 'من أهم المواسم لدينا موسم السمر ويكون في شهر أبريل ومايو، أما موسم السدر فيبدأ شهر أكتوبر، وأحياناً المواسم تتقدم وتتأخر على حسب حرارة الجو وكمية الأمطار'.
ومن خلال هذا القرب، يدرك المسروري القيمة العالية للأشجار المحلية ويقول: ' الحمد لله في سلطنة عُمان لدينا أشجار سمر كثيرة، ولكن التحدي الحقيقي في إنتاج عسل السدر، بسبب كثرة الاحتطاب والرعي الجائر وحتى التصحر'. ولإنقاذ شجرة السدر التي يتزاحم عليها الجميع يختتم المسروري قوله :' أتمنى أن نرى محمياتٍ برية ومبادرات مجتمعية تعيد للسدر مكانته، فعدده بدأ يتناقص كثيرا، فغرس السدر لا يحتاج الكثير من الرعاية والري فقط أول ثلاث سنوات، وحتى أول أيامها تحتاج للري مرة واحدة في الأسبوع'.
ويختتم المسروري حديثة برسالة :' نتمنى لو أن كل شخص يبادر لزراعة أشجار السدر والسمر حتى تظل بلادنا كما كانت دائماً، ملاذاً للنحل، وموطناً للظل الذي لا ينقطع'.
السدرة ابنة البيئة الصبورة
انطلقت رحلة بدر السعيدي مع السدرة، لارتباطها بطفولته، إذ يستذكر جيداً شجرة السدر العملاقة التي بلغ قطرها 10 أمتار، فيقول: ' نحن منذ أن طلعنا للدنيا وشجرة السدر موجودة بظلها الكبير، يومياً نلعب تحتها، ونبني فيها بيوتا، ونربط حبلا فيها كأنه مرجحانه، وتجتمع العائلة يومياً تحتها فكأنها مجلس'. ويعود السعيدي بالذاكرة ويحكي :' من زمن أجدادنا السدرة كانت لها قيمة طبية وغذائية، زمان كانوا يعتبرونها غذاء وعلاجا ومجلسا ومدرسة، كانت ثمارها النبق تجفف وتأكل طول السنة بنفس نظام التمور، ومن 'بودرة' أوراق سدره يحول لصابون عضوي وطبي، ويتم استخدام خشبها لصناعة العصي والمباخر'.
ويكمل السعيدي حديثه بشغف عن بدايته في زراعة شجرة السدر:' بدأت رحلتي في الزراعة من الصغر، كنا نزرع الخضروات ونعرضها في السوق، وبدأت رحلتي مع شجرة السدر في عام 2020، حينما كنت أبحث عن مصدر دخل آخر من خلال الزراعة؛ فكرتُ في المانجو، لكنه كان متعباً بسبب الملوحة ويحتاج الكثير من العناية. في المقابل زرعت شجرة سدر، ولفت انتباهي أنه من أول سنة كان إنتاجها عاليا جداً بدون اهتمام ولا رعاية وبأقل مجهود، السدرة هي ابنة البيئة، تتحمل الحرارة والملوحة العالية، أما أغلب الأشجار تتعب في الصيف، إلا السدر ينمو، وتتحمل العطش، شجرة كريمة جداً '. كان هذا الاكتشاف هو الشرارة الأولى، ومن هنا انطلقت مبادرته لإعادة الاعتبار لهذه الشجرة التي قاومت النسيان، لتتحول من شجرة تقليدية إلى مشروع ذي قيمة اقتصادية وبيئية.
ويكمل السعيدي حديثه :' الحمد لله ما اكتفينا بزراعة أشجار السدر فقط ونشر بذورها وقت الأمطار بهدف زراعتها، بل استخدمنا تقنيات التطعيم لتحويل أشجار سدر قديمة في الشوارع إلى سدرة مطعمة بـ6 أصناف مختلفة، ومن أول سنة تعطي إنتاجا وفيرا ولا ننسى جماليتها وظلها الوافر'. ويحكي السعيدي: 'أغلب المجتمع كان يحاول زرع أشجار أخرى خارج بيئتنا متناسين الأشجار التي تناسبنا، وهدفنا توعي الناس بأهمية السدر كشجرة ذات قيمة، وكان لنا الكثير من المبادرات بالتعاون مع البلدية في زراعة شتلات السدر وإعادة إحياء الكثير من أشجار السدر المزروعة على الشوارع، كما أن الكثير من المؤسسات التعليمية بدأت تزرع بهدف الإنتاج'.
وعن مبادراته يكمل السعيدي :' قدمنا مبادرات للمجتمع وتبرعنا بشتلات نوادر لمركز الحياة لتعليم القرآن الكريم بسمد الشأن، وتمت زراعة حقل متكامل من أشجار السدر، بهدف أن يكون المردود المالي من بيع ثمار السدر دعماً مستداماً لخدمة المركز القرآني وطلابه، وبالتعاون مع عدد من المدارس قدمت لهم دورات للتعريف بعظمة شجرة السدر وخيراتها، وكيف يمكن استغلال كل جزء من السدر وتحويله إلى منتج مفيد، وزرعنا ووزعنا عددا من شتلات السدر للتشجيع على الزراعة المستدامة'.
أدرك السعيدي أن التغيير يبدأ من الوعي، واستخدم منصات التواصل الاجتماعي (انستجرام وتيك توك) كمبادرة تثقيفية مفتوحة لتشجيع زراعة السدر، ومن خلال توثيقه لعمليات التطعيم وإحياء أشجار سدر، استطاع تغير نظرة المجتمع من حوله من إهمال وقلع أشجار السدر واستبدالها بأشجار زينة دخيلة، إلى إقبال كبير وطلب متزايد على زراعة أصناف جديدة من السدر.
ويختتم السعيدي رؤيته مؤكداً أن السدر هو الحل لمواجهة التصحر والتغير المناخي: 'السدرة تتحمل الحرارة والعطش وتقاوم التصحر، وهي ليست غريبة على بيئتنا الخليجية، بل هي جزء من هُويتنا البصرية التي نجدها في أغلب حاراتنا العُمانية وكان أجدادنا يتغنون بجمال هذه الشجرة منذ مئات السنين'.
وادي المصلة.. مبادرةٌ لإحياء شجرة السدر
ومن وادي المصلة بولاية نزوى، انطلقت مبادرةٌ استثنائية استكمالاً لغرس أكثر من نصف مليون بذرة من بذور أشجار السدر كاستثمارٍ مستدام، بهدف الحد من التصحر وتلطيف المناخ ولاستعادة اخضرار الأودية التي طالما ارتبطت بذاكرة الإنسان العُماني. هذه المبادرة والمساهمة في غرس هذه البذور لم تكن مجرد مهمة رسمية وإنما كانت مبادرة تشاركية تلتف حول هدفٍ بيئي لينعكس إيجاباً على تحسين جودة الهواء وتوفير موائل طبيعية للكائنات الحية، ودعماً للتنوع الحيوي.
في هذا الوادي العريق، اجتمع أفرادٌ من إدارة البيئة بمحافظة الداخلية والمديرية العامة للثروة الزراعية وموارد المياه، بالتعاون مع فريق الصمود وفريق نزوى الخيري وعدد من المتطوعين من مختلف فئات المجتمع لغرس بذور السدر وفق خطط مدروسة تضمن تحقيق أفضل النتائج البيئية على المدى البعيد، واستطاع الناشط علي البوسعيدي كمتطوع ومبادر ينقل تفاصيل هذا اليوم برؤية واقعية، مؤكداً في توثيقه الميداني أن الهدف من نشر هذه المبادرات هو تشجيع أفراد المجتمع وترسيخ ثقافة العمل التطوعي والمسؤولية البيئية وتحويل هذه الثقافة إلى سلوك.
فمع كل بذرةٍ كانت تُودع في أرض الوادي، كان يرتفعُ صوتُ البوسعيدي بالدعاء قائلا: 'بسم الله، أحياش الذي أنشأش'، في دعاءٍ صادقٍ بأن يبارك الله في هذه البذور المزروعة، وأن تنبت هذه البذور لتشق طريقها فوق الأرض، إنها المبادرة التي أثبتت أن تضافر الجهود الرسمية مع مجتمع واعٍ وأشخاص مبادرين هو الكفيل بتحويل أودية الداخلية إلى واحات غناء مستدامة بأشجار السدر.
وعندما انتهت المبادرة، بقيت كلمات البوسعيدي حاضرة ولخصت هذا العطاء المشرف بكلمات :'مبارك عليكم الإنجاز يا شباب. زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون، عسى -إن شاء الله- نشوف هذا المكان كله سدر وغاف'.