ما دلالات إنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة؟
الاثنين / 16 / ذو القعدة / 1447 هـ - 22:21 - الاثنين 4 مايو 2026 22:21
يبرز إعلان سلطنة عمان إنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة في محافظة مسقط بوصفه خطوة تتجاوز البعد الاقتصادي إلى أفق استراتيجي أوسع.
فقرار إنشاء المنطقة الصادر بموجب المرسوم السلطاني رقم (50 /2026) يأتي في سياق تنافسي إقليمي ودولي متصاعد لتأسيس مراكز متخصصة في التقنيات المتقدمة لا سيما في مجال الذّكاء الاصطناعيّ، حيث تسعى الدول إلى تأمين موقعها في الاقتصاد القائم على المعرفة (The Knowledge based economy).
ولم يعد الذّكاء الاصطناعيّ مجرد قطاع تقني، بل أصبح ركيزة أساسية لإعادة تشكيل المهن والوظائف والاقتصاد عالميًا، وهو ما يؤكده تقرير برايس ووترهاوس كوبرز (2017) بأن الذّكاء الاصطناعيّ قد يضيف 15.7 تريليون دولار في الاقتصادي العالمي بحلول 2030.
وتتمثل دلالات إنشاء المنطقة في تعزيز التنافسية وتسريع التحول الرقمي وإعادة تموضع سلطنة عُمان في الاقتصاد العالمي.
في السياق الإقليمي، وبالرغم من تعدد المُبادرات التقنية في دول الخليج العربي، إلا أن هذه النماذج تظل منصات أو مناطق متعددة التخصصات، في حين تمثل تجربة سلطنة عُمان توجهًا أكثر تحديدًا نحو إنشاء منطقة مخصصة للذّكاء الاصطناعيّ وهو ما يمنحها طابعًا مؤسسيًا وتنظيميًا أكثر تركيزًا.
وعلى المستوى الدولي، يشير تقرير البنك الدولي (2020) إلى أهمية المناطق الاقتصادية الخاصة المتكاملة في تعزيز النمو، كما يتضح من تجارب وادي السيليكون (Silicon-Valley) في الولايات المتحدة ومدينة شينزن(Shenzhen) في الصين، حيث أسهمت هذه البيئات الابتكارية في إحداث تحولات اقتصادية كبرى في كلٍّ من الولايات المتحدة والصين والعالم.
في هذا الإطار، تمثل خطوة سلطنة عُمان محاولة مدروسة للدخول في هذا المشهد التنافسي عبر نموذج “المنطقة الخاصة” التي توفر مرونة تنظيمية وحوافز استثمارية موجهة.
غير أن أهمية المشروع لا تكمن فقط في توقيته، بل في المُمكنات التي يستند إليها؛ إذ تتقاطع هذه المبُادرة مع «رؤية عُمان 2040» التي تضع الاقتصاد القائم على المعرفة ضمن أولوية التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية وتوجهها الاستراتيجي لتحقيق اقتصاد قائم على المعرفة.
كما يدعمها البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي الذي يهدف إلى رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي إلى 10% بحلول عام 2040، إلى جانب البرنامج الوطني للذّكاء الاصطناعيّ والتقنيات المتقدمة الذي يركز على بناء القدرات الوطنية وتعزيز استخدامات الذّكاء الاصطناعيّ في مختلف القطاعات.
وإلى جانب هذه الأطر المؤسسية، تتمتع سلطنة عُمان بموقع جغرافي استراتيجي يطل على ممرات بحرية عالمية مفتوحة، ما يمنحها ميزة لوجستية مهمة في ربط الأسواق الآسيوية والأفريقية والأوروبية، فضلًا عن الأطر التنظيمية والتشريعية التي تُعد عاملًا رئيسًا في جذب الاستثمارات.
وفي ضوء هذه المزايا اللوجستية والتنظيمية، تتجه منطقة الذّكاء الاصطناعيّ الخاصة في سلطنة عُمان نحو بناء منظومة متكاملة للذّكاء الاصطناعيّ تجمع بين الحوافز الاستثمارية والبنية الأساسية المتقدمة بما يعزز بيئة الابتكار وريادة الأعمال.
فإلى جانب الإعفاءات الضريبية والجمركية، توفر المنطقة بنية أساسية متقدمة تشمل مختبرات ومراكز بيانات، إضافة إلى حاضنات ومسرّعات أعمال تدعم الشركات التقنية والذّكاء الاصطناعيّ الناشئة (AI-Startups). كما تتيح بيئة تنظيمية مرنة تواكب تطورات التقنيات الحديثة، وهو ما يُعرف عالميًا بنماذج الصناديق التنظيمية (Regulatory-Sandboxes)، التي توفر بيئات تنظيمية تجريبية خاضعة للرقابة لاختبار الابتكارات التقنية خارج الأطر التقليدية، بما يحقق توازنًا بين تعزيز الابتكار والامتثال للمتطلبات القانونية، كما تُشير إليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2023). هذا التكامل بين الحوافز والبنية الأساسية والتشريعات يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الاقتصاد القائم على المعرفة، الذي لا ينمو عبر عنصر واحد بل عبر منظومة مترابطة.
في السياق الاقتصادي، من المؤمل أن تسهم المنطقة في تحقيق نقلة نوعية في مسار التنويع الاقتصادي في سلطنة عُمان. فتعزيز مساهمة الاقتصاد الرقمي وجذب الاستثمارات الأجنبية في القطاعات التقنية يؤديان إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي ويفتحان آفاقًا واسعة لإيجاد وظائف نوعية للعُمانيين.
وتهدف «رؤية عُمان 2040» إلى رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 10% بحلول عام 2040.
وفي هذا النسق، تستهدف الخطة الخمسية الحادية عشرة أن تبلغ نسبة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي 4.2%.
ومن هذا المنطلق، تمثل المنطقة أداة استراتيجية تُسهم في تحول الاقتصاد العُماني من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد متنوع قائم على المعرفة.
ومن المتوقع، في ضوء هذه المعطيات، أن يعزز المشروع تحفيز النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية ودعم الابتكار وريادة الأعمال، إلى جانب تسريع وتيرة التحول الرقمي في سلطنة عُمان.
ومع ذلك، فإن نجاح تجربة سلطنة عُمان يعتمد على قدرتها في التعامل مع بعض التحديات، أبرزها المنافسة الإقليمية والحاجة إلى تسريع تأهيل الكفاءات والقدرات الوطنية وجذب الشركات العالمية وتوطين الصناعات التقنية في سوق يشهد تنافسًا متزايدًا على المستوى الإقليمي والدولي.
وبحسب ماكنزي (2024)، فإن التوسع في مشاريع الذّكاء الاصطناعيّ يتطلب نموًا متسارعًا في الطلب على سعة مراكز البيانات؛ إذ يُتوقع أن ينمو الطلب على سعة مراكز البيانات المهيأة للذّكاء الاصطناعيّ بمعدل 33% سنويًا بين عامي 2023 و2030، بحيث يشكّل نحو 70% من إجمالي الطلب على سعة مراكز البيانات عالميًا بحلول عام 2030، في حين سيستحوذ الذّكاء الاصطناعيّ التوليدي على نحو 40% من الإجمالي.
مما يشير إلى أنّ الطلب المتزايد على الطاقة يُمثل تحديًا رئيسًا أمام تطوير مناطق الذّكاء الاصطناعيّ؛ لذلك يتطلب وجود تخطيط فعّال وتوسّع متوازن في البنية الأساسية للطاقة لسد هذه الفجوة.
في المقابل، تبرز فرص واعدة، من بينها إمكانية التخصص في مجالات محددة ترتبط بخصوصية سلطنة عُمان، مثل اللوجستيات الذكية أو تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ في القطاعات البحرية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي.
لا يمكن النظر إلى منطقة الذّكاء الاصطناعّي الخاصة في سلطنة عُمان مجرد مشروع اقتصادي فحسب، بل باعتبارها أداة استراتيجية لإعادة تموضع سلطنة عُمان في قلب اقتصاد المستقبل والشرق الأوسط والعالم؛ فهي تعكس تحولًا في التفكير التنموي من استيراد التقنية إلى توطينها وتصديرها، ومن جذب الاستثمارات إلى بناء بيئات ابتكار متكاملة.
وبينما يتسارع السباق العالمي نحو الذّكاء الاصطناعيّ، تبدو هذه الخطوة طموحة وواعية لضمان حضور سلطنة عُمان في مستقبل يتشكل على أساس المعرفة والتقنية والابتكار.