رأي عُمان

هدنة مرتبكة فوق حافة الحرب

 

كان وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران أقرب إلى استراحة قسرية داخل حرب مفتوحة، منه إلى بداية تسوية سياسية قابلة للحياة. فالحروب الكبرى تصل إلى منتهاها حين تجد أطرافها مخرجا يحفظ مصالحها الأساسية ويمنح الإقليم ضمانات واقعية ويعيد فتح الطرق التي أغلقتها القوة، وهذا ما لم يحدث بعد.

دخلت الولايات المتحدة الحرب وهي تحمل حساباتها وحسابات إسرائيل. أرادت كسر قدرة إيران على المناورة ودفعها إلى قبول معادلة أمنية جديدة تحت الضغط. ودخلت إيران المواجهة وهي تدافع عن أمنها وموقعها وعن حقها في رفع العقوبات وعن حاجتها إلى ضمانات تمنع تكرار الضربات. أما دول الخليج، التي سعت قبل الحرب وخلالها إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة فقد وجدت نفسها أمام سؤال حماية الأرض والمصالح والثقة التي بنتها خلال عقود، وهي أثمن رأسمال سياسي واقتصادي تملكه.

لهذا بدا وقف إطلاق النار ناقصا منذ لحظته الأولى؛ فقد وقف جزءا من الاشتباك العسكري وترك جوهر الأزمة من دون معالجة. بقي مضيق هرمز مغلقا أو شبه مغلق أمام تدفق الطاقة والتجارة. وبقيت أسواق النفط والغاز والتأمين البحري تقرأ الهدنة بوصفها خبرا مؤقتا، لا تحولا استراتيجيا في المنطقة. وبقيت دول الخليج أمام كلفة اقتصادية وأمنية لا تتحملها وحدها، مع أن الحرب لم تكن خيارها، ولم تكن جزءا من قرار إشعالها.

والأخطر أن الهدنة الطويلة نسبيا قد تنتج وهما سياسيا؛ فكل تمديد جديد لها يمنح الانطباع بأن الأزمة تحت السيطرة بينما الوقائع على الأرض تقول شيئا آخر. عاشت المنطقة خلال الأسابيع الماضية حالة حرب منخفضة الإيقاع، بقيت السفن محتجزة إما داخل حوض الخليج أو قبل مدخل المضيق. وما كادت المطارات تستعيد أنفاسها وتبني خطط العودة إلى العمل الطبيعي حتى ظهرت نذر عودة الحرب مرة أخرى.

خلال الأيام الماضية كانت المؤشرات تمضي في اتجاه واحد: هدنة تفقد قدرتها على الصمود. عاد الحديث في بعض دول الخليج عن تفعيل صفارات الإنذار، وتحويل رحلات جوية إلى مطارات قريبة، ورفع مستويات الجاهزية.. وكل هذه علامات على أن المنطقة تتحرك مجددا فوق حافة الخطر، وأن أي خطأ في الحساب قد يعيد الحرب إلى نقطة أشد اتساعا وكلفة.

كانت سلطنة عُمان تؤكد في بياناتها أن وقف إطلاق النار لا يمثل الغاية النهائية التي تريدها المنطقة؛ فالأمن، كما تعبر عنه الرؤية العُمانية، يحتاج إلى مسار سياسي، والمسار السياسي يحتاج إلى اعتراف متبادل بالمخاوف، والمخاوف لا تُدار بالقوة، لذلك تبدو الحاجة ملحة للعمل الجاد من أجل إنقاذ الهدنة ونقلها إلى مستوى تفاوضي يقوم على رغبة حقيقية من جميع الأطراف في وقف الحرب وبناء رؤية جماعية لأمن المنطقة.

ثم إن أي تسوية تتجاهل الخليج وأمنه ستبقى ضعيفة، وأي اتفاق يفتح قنوات بين واشنطن وطهران ويترك هرمز خارج الحساب سيحمل بذور أزمات جديدة. فالمضيق، في هذه الحرب، صار اختبارا لجدية السياسة وقدرتها على حماية الحياة قبل حماية المصالح وحدها.

تحتاج المنطقة الآن إلى شجاعة من نوع آخر؛ شجاعة تخفض صوت القوة وترفع قيمة العقل. والانتصار الحقيقي يكمن في عودة السفن إلى مساراتها وعودة الدول إلى حسابات التنمية وخروج الخليج من منطق الانتظار القلق. وأي استفزاز جديد، أو استعراض للقوة، أو عودة إلى خطاب الإلغاء الحضاري، سيؤخر المنطقة سنوات طويلة عن مسار التقدم، وسيدفع العالم كله ثمن حرب يراقبها من نافذة الطاقة.