هل دفعت رسوم التراخيص الجديدة المشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى الإغلاق؟
الاثنين / 16 / ذو القعدة / 1447 هـ - 15:08 - الاثنين 4 مايو 2026 15:08
مع دخول لائحة تنظيم تراخيص العمل الجديدة حيز التنفيذ، وصدور القرار الوزاري رقم (602/ 2025) وتعديلاته بالقرار رقم (44/ 2026)، وجدت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة نفسها أمام واقع تشغيلي أكثر كلفة وتعقيدًا؛ فبينما تستهدف هذه التعديلات تعزيز توظيف المواطنين وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة منخفضة التكلفة، ظهرت على أرض الواقع تحديات متزايدة دفعت عددًا من رواد الأعمال إلى إغلاق مشاريعهم، في ظل ارتفاع الرسوم وتراجع القدرة على التكيف مع المتغيرات الجديدة.
وقال رائد الأعمال ياسر بن سيف الكلباني، صاحب مشروع 'مشغل البرزة' لخياطة الملابس والذي لجأ إلى إغلاقه بعد القرار الجديد إن أحد أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، خصوصًا في المناطق البعيدة عن مراكز الكثافة السكانية، يتمثل في الفجوة بين 'التشريع المركزي' و'الواقع الميداني'.
التباين في القوة الشرائية
وأوضح الكلباني أن المشاريع في القرى والمناطق ذات الكثافة السكانية القليلة تعاني من صعوبات تشغيلية وهيكلية تجعل الاستمرارية أمرًا بالغ التعقيد، مشيرًا إلى أن تطبيق القوانين بشكل موحد على مختلف المناطق لا يراعي التباين في القوة الشرائية والدخل بين العاصمة والمناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة موضحا أن هذا النهج يغفل الفروقات الجغرافية والاقتصادية، ما ينعكس سلبًا على جدوى هذه المشاريع.
وأشار الكلباني إلى أن غياب الشفافية في القرارات المستحدثة، إلى جانب صعوبة التنبؤ بالتغييرات التشريعية السنوية، يربكان خطط العمل ويضعان أصحاب المشاريع أمام بيئة غير مستقرة.
ولفت إلى تحديات أخرى تتعلق بنظام حماية الأجور والتعقيدات البنكية، مبينًا أن بعض المصارف غير مهيأة بشكل كافٍ لتطبيق الأنظمة الجديدة، فضلًا عن فرض رسوم إضافية تثقل كاهل المشاريع الصغيرة، إلى جانب الإجراءات البيروقراطية المتغيرة التي تزيد من احتمالية الوقوع في أخطاء تقنية قد تترتب عليها غرامات مالية.
وأرجع الكلباني أسباب إغلاق مشروعه إلى الضغوط المالية والتشريعية التي تضافرت لتُفقد المشروع جدواه الاقتصادية موضحا أن نظام الغرامات لا يراعي حجم المؤسسة، حيث تُفرض غرامات موحدة مثل 50 ريالًا قد لا تمثل عبئًا على الشركات الكبرى، لكنها قد تعني فعليًّا إعلان إفلاس لمشروع صغير في قرية لا يتجاوز دخله الشهري 10 إلى 50 ريالًا.
وأضاف أن الدور الرقابي شهد تحولًا من 'التوجيه والحماية' إلى التركيز على تحصيل الإيرادات، مع تراجع استخدام أدوات تنظيمية بديلة مثل 'حظر السجل'، التي كانت توفر حلولًا تصحيحية دون تحميل المشروع أعباء مالية مباشرة.
كما أشار إلى أن ارتفاع الرسوم الحكومية، وعلى رأسها قرار مضاعفة رسوم تجديد المأذونيات، الذي شكّل 'الضربة القاضية' للعديد من المشاريع الصغيرة التي لا تستفيد من نشاط سياحي أو استثمارات أجنبية تدعم إيراداتها.
حجم المؤسسة
واقترح الكلباني حزمة من الإجراءات لدعم استدامة هذا القطاع، أبرزها: إعادة هيكلة نظام الغرامات بحيث تكون تصاعدية ومرتبطة بحجم دخل المؤسسة وموقعها الجغرافي، وتحقيق العدالة الجغرافية في تطبيق التشريعات عبر تخفيض أو إعفاء المؤسسات في القرى والمحافظات منخفضة الكثافة السكانية من بعض الرسوم بنسبة تصل إلى 50%، وتعزيز حوكمة القطاع البنكي من خلال تبسيط أنظمة حماية الأجور وإلغاء الرسوم الإضافية التي تثقل كاهل المشاريع الصغيرة، وتوفير استقرار تشريعي عبر وضع خطة واضحة لخمسة أعوام تحد من القرارات المفاجئة التي ترفع التكاليف دون تمهيد، وتفعيل بدائل رقابية مثل 'الإنذار' أو 'حظر التعامل' كأدوات تصحيحية بدلًا من الغرامات المالية المباشرة.
وأنهى الكلباني حديثه قائلا: إن الاستثمار في القرى والمناطق البعيدة يمثل ركيزة للاستقرار الاجتماعي وتنمية المجتمعات المحلية، محذرًا من أن غياب العدالة في تطبيق القوانين بين الشركات الكبرى والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة قد يؤدي إلى خروج شريحة واسعة من رواد الأعمال من السوق، وهو ما يتعارض مع توجهات دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ودعا إلى مواءمة التشريعات مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي بما يتناسب مع التنوع الجغرافي والاقتصادي في سلطنة عُمان.
الأعباء المالية
من جهتها قالت رائدة الأعمال أم عبدالرحمن، صاحبة مشروع 'دار غدنة للأزياء'، إن ارتفاع الرسوم وتكاليف تجديد المأذونيات كان السبب الرئيسي وراء قرارها إغلاق المشروع، مشيرةً إلى أنها كانت قد اتجهت إلى العمل الحر بعد التخلي عن حقها في الوظيفة وحذف اسمها من سجل الباحثين عن عمل.
وأوضحت أن القرارات الأخيرة المتعلقة برفع رسوم تجديد المأذونيات ضاعفت الأعباء المالية على مشروعها، خاصة أنه يُصنف ضمن المؤسسات الصغرى، ويعتمد على دخل موسمي لا يتجاوز في المتوسط 50 ريالًا شهريًّا، ما جعل الاستمرار غير مجدٍ اقتصاديًّا.
وناشدت أم عبدالرحمن الجهات المعنية بضرورة تبسيط إجراءات التراخيص وخفض الرسوم وتسريع إنجاز المعاملات لرواد الأعمال، وأهمية إشراكهم في صياغة القرارات الجديدة لضمان استدامة مشاريعهم مشيرة إلى أن دعم هذه الفئة يمثل ركيزة أساسية في تعزيز الاقتصاد الوطني والمساهمة في الناتج المحلي.
تعدد القوانين
من ناحيته قال محمد الراشدي، المدير المفوض لمؤسسة 'رمال سمائل للتجارة'، إن تعدد القوانين وتغيرها خلال فترات زمنية قصيرة يعدان من أبرز الأسباب التي دفعت إلى إغلاق المشروع، مشيرًا إلى أن عدم استقرار البيئة التشريعية يربك خطط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ويضعها أمام تحديات تشغيلية مستمرة.
وأوضح الراشدي أن الضغوط المرتبطة بتحقيق نسب التعمين في هذا النوع من المؤسسات تمثل عبئًا إضافيًّا، لافتًا إلى أن بعض هذه الوظائف تُطرح بشكل شكلي دون أن تحقق استقرارًا حقيقيًّا للقوى العاملة.
وأضاف أن طبيعة بعض الأنشطة التي تمارسها المؤسسات الصغيرة خصوصًا في القطاعات الخدمية البسيطة تعتمد على هوامش ربح محدودة، ما يجعلها غير قادرة على استيعاب تكاليف توظيف أعلى.
وتساءل الراشدي عمّا إذا كانت الجهات المعنية تدرك طبيعة هذه الوظائف، موضحًا أن كثيرًا منها يندرج ضمن المهن ذات الدخل المتدني، مثل الحلاقة، وأعمال الشحن والتفريغ، وكي الملابس، وهي أنشطة تعتمد تقليديًّا على عمالة منخفضة الأجر، الأمر الذي يطرح تحديات أمام توطينها بالشكل المستدام.
وأضاف أن استمرار هذه الضغوط قد يؤدي إلى تقليص حجم المؤسسات في السوق أو خروجها منه، مما يضعف قدرتها التنافسية أمام الشركات الأكبر.
وفيما يتعلق بالتسهيلات المطلوبة، أكد الراشدي أن دعم تكاليف التشغيل وخاصة الكهرباء يمثل أولوية ملحة، إلى جانب تبني نهج أكثر مرونة ومنطقية في سياسات التعمين، بما يحقق التوازن بين دعم التوظيف الوطني واستدامة الأعمال.
إشراك رواد الأعمال
ودعا إلى مراعاة أوضاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عند اتخاذ القرارات الاقتصادية، لافتا إلى أهمية إشراك رواد الأعمال في صياغة السياسات من خلال النزول إلى السوق والاستماع إلى تحدياتهم بشكل مباشر مشيرا إلى أن العديد من أصحاب هذه المؤسسات يواجهون صعوبات متزايدة للحفاظ على ما تبقى من رؤوس أموالهم، في ظل تراجع القوة الشرائية.
وتكشف هذه الشهادات عن نمط متكرر من التحديات يتمثل في ارتفاع التكاليف التشغيلية، وتسارع التغيرات التشريعية، وضعف التمييز بين الأنشطة والمناطق، في وقت تعتمد فيه هذه المشاريع على هوامش ربح محدودة.
رد وزارة العمل
وفي رد تفصيلي مكتوب من وزارة العمل على 'جريدة عُمان' بشأن التحديات التي تواجه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أكدت الوزارة أن القرار الوزاري رقم (602/ 2025) الخاص بمضاعفة رسوم تراخيص العمل للمنشآت غير الملتزمة بتحقيق نسب التعمين، جاء ضمن حزمة تنظيمية تجمع بين التحفيز والإلزام؛ بهدف تعزيز توظيف القوى العاملة الوطنية وتحقيق انعكاسات إيجابية على الاقتصاد الوطني من خلال تحريك رؤوس الأموال داخل سلطنة عُمان.
وأوضحت الوزارة أن القرار يستهدف المنشآت غير الملتزمة، في حين تستفيد المؤسسات الملتزمة من مزايا وتسهيلات، مشيرة إلى أن بعض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تمارس أنشطة ذات عائد استثماري مرتفع، لا سيما المرتبطة بالعقود واتفاقيات العمل.
وفيما يتعلق بتأثير القرار على استمرارية المشاريع الصغيرة، خاصة تلك التي لا تعتمد على النشاط السياحي أو الاستثمارات الأجنبية، أوضحت الوزارة أن صلاحية تصريح العمل تمتد لعامين، ما يتيح للمنشآت الاستفادة من العامل خلال هذه الفترة، مؤكدة أن استمرارية المؤسسات في السوق لا يمكن قياسها بناءً على تطبيق قرار بعينه، وإنما ترتبط بمجموعة من العوامل التشغيلية والاقتصادية.
وأضافت أن أمام المنشآت خيار الالتزام بضوابط التعمين والاستفادة من استمرار العامل طوال فترة التصريح مقابل الرسوم المحددة.
وحول ما إذا كانت الوزارة رصدت تأخيرًا في تجديد المأذونيات من قبل بعض المؤسسات، أشارت إلى أن أي قرار جديد يمر عادة بمراحل من التفاعل والاختبار في بداية تطبيقه، تتسم أحيانًا بالتريث أو الترقب من قبل المنشآت، سواء بانتظار اتضاح آليات التنفيذ أو ترقب لأي تعديلات محتملة.
قراءة تحليلية
وأكدت الوزارة أن سياسات تنظيم سوق العمل تستند إلى منظومة من الضوابط والتشريعات التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين توفير فرص عمل للقوى العاملة الوطنية، وضمان استقدام العمالة الوافدة في التخصصات التي تسهم في رفع الإنتاجية واستمرارية النشاط الاقتصادي.
وفي ردها على التساؤلات المتعلقة بمراعاة الفروقات بين الأنشطة الاقتصادية عند فرض الرسوم، أوضحت الوزارة أن نهج الرسوم لا يقوم على معايير موحدة، بل يستند إلى قراءة تحليلية مرنة تراعي طبيعة كل نشاط، وهيكل تكاليفه، ومدى جاذبية المهن التي يوفرها للقوى العاملة الوطنية، إضافة إلى حجم المنشأة ودورها الاقتصادي مشيرة إلى أن هذه الفروقات تؤخذ بعين الاعتبار باعتبارها عاملًا أساسيًّا في توجيه السياسات وتحليل آثارها بما يعزز كفاءة السوق وقدرته على الاستجابة للمتغيرات.
وبشأن مدى إشراك رواد الأعمال وغرفة تجارة وصناعة عُمان في تقييم القرار قبل تطبيقه، أوضحت الوزارة أن القياس الموضوعي لأي قرار لا يمكن أن يتم قبل دخوله حيز التنفيذ، إذ إن التقييم الدقيق يرتبط بالنتائج الفعلية والبيانات المتحققة على أرض الواقع، وليس بالتوقعات أو السيناريوهات الافتراضية.
وردًا على ما يتم تداوله بشأن اعتبار ارتفاع رسوم المأذونيات 'ضربة قاضية' لبعض المشاريع الصغيرة، شددت الوزارة على أن هذه المخاوف محل متابعة مستمرة، مؤكدة أن الإجراءات لم تُصمم لإضعاف المشاريع، وإنما لإعادة تنظيم السوق وتحفيز ممارسات أكثر استدامة وعدالة.
وأشارت إلى أن الرسوم ترتبط بسلوك المنشأة ومدى التزامها بالتعمين، حيث تستفيد المنشآت الملتزمة من تخفيضات وتسهيلات، بينما تُفرض رسوم أعلى على غير الملتزمة لتحقيق التوازن وتعزيز فرص تشغيل القوى العاملة الوطنية.
حزم دعم وتمكين
وأكدت الوزارة أنها تعمل بالتوازي مع هذه الإجراءات على توفير حزم دعم وتمكين للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة تشمل التمويل والتدريب، بما يعزز قدرتها على التكيف مع المتغيرات التنظيمية وتحقيق النمو والاستمرارية.
وأقرت الوزارة بأن بعض المؤسسات قد تواجه تحديات مرحلية نتيجة هذه التغيرات، إلا أنها وصفت هذه المرحلة بأنها انتقالية نحو سوق عمل أكثر استقرارًا وكفاءة، قائم على رفع الإنتاجية وتقليل الاعتماد على العمالة منخفضة التكلفة.
وفيما يتعلق بإمكانية إعادة النظر في رسوم المأذونيات أو تقديم تسهيلات خاصة، أكدت الوزارة أن جميع القرارات المنظمة لسوق العمل، بما فيها الرسوم، تخضع للمراجعة المستمرة وفقًا للمؤشرات والتغذية الراجعة من مختلف الأطراف ذات العلاقة.
وأشارت إلى أن دراسة واقع القطاعات والأنشطة الاقتصادية تتم بشكل دوري، وبالتنسيق مع الجهات المعنية ولجان حوكمة التشغيل، مع العمل على تطوير تسهيلات وإجراءات داعمة تتناسب مع طبيعة كل نشاط ومنشأة.
وفي رؤيتها لمستقبل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، شددت الوزارة على أنها تمثل ركيزة أساسية في تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز مرونة سوق العمل.
وأكدت أن التعامل مع التحديات الراهنة يتم من خلال منظور متوازن يراعي تفاوت الأنشطة الاقتصادية، مشيرة إلى أن بعض القطاعات الصغيرة والمتوسطة تحقق عوائد تشغيلية مرتفعة وقيمة مضافة عالية، بينما تتطلب قطاعات أخرى معالجات أكثر مرونة نظرًا لهوامشها الربحية المحدودة.
كما أكدت على أن ضمان استمرارية هذه المؤسسات لا يعتمد على جانب واحد، وإنما على تكامل أدوات التنظيم والدعم، بما يحقق التوازن بين استدامة الأعمال وتعزيز كفاءة سوق العمل.