أفكار وآراء

لا أوراق لترامب على طاولة اللعب

ترجمة: أحمد شافعي 

كثيرًا ما يلجأ الرئيس ترامب إلى استعارات من لعبة البوكر. فقد قال للرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي إنه لا يملك ورقًا للعب في ما يتعلق بالوقوف في مواجهة روسيا. وقال ترامب لقادة إيران إنهم لا يملكون ورقًا في ما يتعلق بالوقوف في مواجهته. 

فهلا يتفضل أحد ويخبرني بأقرب ليلة للعب البوكر في البيت الأبيض، لأنني أريد فعلا أن يكون لي مقعد إلى تلك الطاولة. 

يراهن ترامب على أنه بمنعه إيران من تصدير نفطها، يستطيع أن يرغم طهران على التفاوض وفق شروطه؛ لكن بعض الخبراء يعتقدون أن لدى إيران دخلًا كافيًا ويمكن أن تخزن من النفط ما يكفيها للصمود عدة شهور على الأقل. 

في الوقت نفسه، تراهن إيران على أنها بخنق مضيق هرمز ـ ورفع أسعار الوقود والغذاء على الأمريكيين وجميع حلفائهم ـ تستطيع أن ترغم ترامب على أن يتصرف في نهاية المطاف بناء على شعاره: ترامب دائما يجبن في النهاية. 

ومن المؤلم أن نشاهد كلًا من ترامب وطهران إذ يقول أحدهما للآخر: «سوف أصبر على حبس أنفاسي إلى أن يزرقّ وجهك». وسوف نرى أيّنا سوف ينهار أولا. 

السؤال الحقيقي هو هذا: كيف بحقٍّ صمد النظام الإيراني كل هذا الوقت ـ أي شهرين ـ أمام القوة العسكرية المجتمعة لإسرائيل وأمريكا؟ والجواب هو: أن ترامب لا يفهم كيف أن الحرب غير المتكافئة أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية في السنوات القليلة الأخيرة. 

لكنني لا أريد أن أقسو كثيرًا على رئيسنا، فهو ليس وحده؛ إذ تمثل إيران لترامب ما تمثله أوكرانيا لفلاديمير بوتين، وما كانت تمثله حماس وحزب الله لبنيامين نتنياهو، وأيضا ما سيمثله الجيل القادم من قراصنة الإنترنت للصين وأمريكا وكل دولة في العالم. 

فكروا في الأمر: في يونيو الماضي، قامت أوكرانيا بتهريب مائة وسبع عشرة طائرة مسيرة رخيصة إلى روسيا مخبأة في شاحنات فدمرت أو أضرت قرابة عشرين من طائرات روسيا الاستراتيجية، من بينها قاذفات استراتيجية بعيدة المدى ذات قدرات نووية وتبلغ قيمتها عدة ملايين من الدولارات. في هذا العام، استعملت قوات الحرس الثوري الإيراني طائرات شاهد 136 المسيرة التي تبلغ تكلفة واحدتها خمسة وثلاثين ألف دولار في ضرب مركزي بيانات تابعين لشركة خدمات أمازون ويب في الإمارات العربية المتحدة (كما تضرر مركز بيانات ثالث لأمازون في البحرين بضربة جوية قريبة) فعطلتهما وأعاقت خدمات بنكية وخدمات أخرى في منطقة الخليج العربي. ومن قبل قال قادة في حماس إنهم صمموا صواريخهم الصغيرة من أنابيب حصلوا عليها من مستوطنات إسرائيلية مهجورة، وقنابل إسرائيلية لم تنفجر وذخائر أخرى بل ومن أجزاء مأخوذة من سفينة حربية بريطانية غارقة منذ الحرب العالمية الأولى قبالة ساحل غزة، فاضطرت إسرائيل إلى استعمال صواريخ باتريوت التي تبلغ تكلفة الواحد منها أربعة ملايين دولار لاعتراضها. 

بعبارة أخرى، نحن في عصر جديد تستطيع فيه القوى الصغيرة والجماعات الصغيرة أن تستغل أدوات عصر المعلومات ـ التي يوجهها ويسيطر عليها جي بي إس رقميا ـ للحصول على مزايا تفوق إمكاناتها. في حوار معي، قال جون أكويلا أستاذ تحليل الدفاع السابق في كلية الدراسات العليا التابعة للبحرية ومؤلف كتاب يصدر قريبا بعنوان (أسلوب أمريكا الحربي المضطرب) «إننا كنا دائما نفكر في القوة في ضوء القدرة على إحداث دمار شامل». لكن في عالم مترابط «يستطيع الجميع الآن أن يمتلكوا القدرة على إحداث اضطراب شامل في العالمين المادي والرقمي»، من مضيق هرمز إلى الفضاء الإلكتروني. 

لقد بدأ ترامب هذه الحرب في طيش، بلا حلفاء، وبلا تخطيط مسبق، ومن الواضح أنه بدأها أيضا بلا فهم حقيقي لما تمتلكه إيران من أصول في حرب غير متكافئة. ومع ذلك، فسوف تكون كارثة على المنطقة والعالم أن يخرج نظام إيران من هذه الحرب سليمًا دونما إصلاح، وذلك لأن مجموعة من الأدوات الفتاكة غير المتكافئة توشك أن تقع بين أيدي الأشرار. وإليكم الأمر الجديد المثير حقًا للقلق: إننا ننتقل بسرعة من عصر الحرب غير المتكافئة القائم على أدوات عصر المعلومات القادرة على إحداث اضطرابات شاملة لما أطلق عليه مرشدي التكنولوجي كريج موندي ـ الرئيس السابق للبحوث والاستراتيجية في ميكروسوفت ـ عصر الحرب غير المتكافئة القائم على «أدوات الذكاء الاصطناعي» القادرة بثمن زهيد، وعند الطلب، على إحداث اضطراب أكبر حجما في أي مكان. 

وهذا فارق شديد الأهمية. 

فقد أعطانا عصر المعلومات ـ أي زمن الحاسبات الآلية والهواتف الذكية والإنترنت وجي بي إس ـ أدوات عظَّمت قوة المشغل المدرب ونطاق حركته، وزادت كثيرا من قوة أي مبرمج فرد، أو مشغِّل للطائرات المسيرة، أو لص ساع وراء فدية، أو قرصان إلكتروني، أو مؤثر على مواقع التواصل الاجتماعي، أو متخصص في تزييف المعلومات. وزادت من قوة أي وحدة صغيرة، لكن البشر كانوا بحاجة إلى بعض المعرفة الأساسية لتشغيل تلك الأدوات الرقمية. وكانت النية الإنسانية هي التي توجهها دائما. 

وفي عصر الذكاء، بات من الممكن للبشر توجيه وكلاء الذكاء الاصطناعي القائمة على نماذج لغوية هائلة من قبيل كلود التابع لأنثروبيك، وجيميناي التابع لجوجل، وتشات جي بي تي التابع لأوبن آيه ـ بأمر واحد، فتقوم هي أوتوماتيكيا، ومن تلقاء نفسها، بتنفيذ هجمات سيبرانية وتحسينها وتقسيمها إلى مراحل. 

بعبارة أخرى، زادت أدوات عصر المعلومات كثيرا من قدرات المشغلين المدربين في المنظمات، ومنها المنظمات الإرهابية؛ أما أدوات الذكاء الاصطناعي فتحل محل المشغلين المدربين أنفسهم، وتحل محلها وهي مزودة بوكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلة ذاتيا والأكثر ذكاء، وبقدرة تدميرية أكبر وقليلة التكلفة. 

قال لي موندي إن «قدرات عصر الذكاء التي يمكن أن تمنح قوة فائقة للأفراد، والتي كان الكثيرون يظنون أنها لن تتوافر قبل ثمانية عشر شهرا أو سنتين، باتت موجودة الآن. وحينما تشيع الطبيعة المزدوجة لتقنيات الذكاء الاصطناعي شيوعا تاما، ونحن في طريقنا إلى هذا عما قريب ـ فإنها ستمثل خطرا ماديا على كل المجتمعات المتقدمة» من فاعلين تيسرت لهم قوة فائقة «وهم تاريخيا لم يحظوا بأي أوراق يمكن أن يلعبوا بها». 

بعبارة أخرى، كل من لديه وكيل ذكاء اصطناعي ستكون بين يديه أوراق محتملة. فكيف يكون هذا الحال؟ ارجعوا إلى ما نشرته نيويورك تايمز أخيرا لجابرييل جيه إس دانس ويبدأ على هذا النحو: «ذات مساء في الصيف الماضي، سرت القشعريرة في بدن د. ديفيد ريلمان أمام حاسبه المحمول بينما يخبره روبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي بكيفية التخطيط لمجزرة. ريلمان هو أستاذ علم الأحياء الدقيقة والأمن البيولوجي في جامعة ستاتفورد، وقد وظفته شركة ذكاء اصطناعي لاختبار أحدث منتجاتها قبل طرحه للعامة. وفي غرفة مكتبه المنزلية في تلك الليلة أوضح الروبوت له كيفية تعديل عامل مرضي خطير لكي يقاوم العلاجات المعروفة والأسوأ من ذلك أن الروبوت وصف بالتفصيل الدقيق كيفية إطلاق تلك الجرثومة الخارقة محددًا ثغرة أمنية في نظام ضخم للمواصلات العامة». 

وإليكم ترجمة ذلك عندي: لقد قرأتم الكثير عن استعمال إيران للمسيرات الرخيصة البالغة تكلفة إحداها خمسة وثلاثين ألف دولار في إغلاق مضيق هرمز. فانتظروا إلى أن تروا كيف تستغل النماذج اللغوية الضخمة ووكلاء الذكاء الاصطناعي الخاصة بها بتكلفة زهيدة للغاية. كيف ستحصل عليها إيران؟ تذكروا الخبر الذي انتشر قبل أسابيع قليلة عن إعلان شركة أنثروبيك العملاقة للذكاء الاصطناعي أن أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي لديها وهو المعروف بـ مايثوث شديد البراعة في العثور على نقاط الضعف في أنظمة التشغيل وغيرها من البرمجيات التي تعتمد عليها الكثير من الشركات والجهات. 

وبعد أيام، أعلنت شركة أوبن آيه آي إعلانا مماثلا عن نموذجها المتخصص في الأمن السيبراني المعروف بـ جي بي تي-5.4-سايبر. 

والعيوب التي اكتشفها مايثوث تمثل ـ كما أوردت بلومبرج ـ «منجم ذهب للقراصنة، لأنها تطرح فرصة الاختراق اليسير للأنظمة الضعيفة». 

رأت أنثروبيك وأوبن آيه آي أن تقصر إطلاق أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه على مطوري البرمجيات الأكثر أهمية ومسؤولية لكي يتمكنوا من اكتشاف نقاط الضعف ومعالجتها قبل الإطلاق المحتمل لهذه الأدوات على نطاق واسع يوما ما. فتصوروا ما الذي حدث؟ 

نجح مستخدمون غير مرخص لهم في الحصول على مايثوث. 

إذ أوردت بلومبرج الأسبوع الماضي أن قليلا من الدخلاء وصلوا إلى أنظمة أنثروبيك، لكن الشركة قالت إنه لا دليل لديها على أن وصولهم ذلك قد أثر على أي من أنظمتها. وذكرت بلومبرج بناء على معلومات من مصدر لم تحدده أن مجموعة المستخدمين غير المرخص لهم «مهتمة بتجربة النماذج الجديدة، لا بإحداث الدمار باستعمالها». 

بوسع هذه التطورات في الذكاء الاصطناعي أن تتسبب في زعزعة رهيبة للاستقرار، ولذلك أرى أنا ومونديني منذ فترة أنه ينبغي للولايات المتحدة والصين ـ وهما القوتان العظميان في عالم الذكاء الاصطناعي ـ أن تعرفا كيف تستمران في المنافسة (وسوف تستمران فيها) في الوقت الذي يتعاونان فيه على تحييد أخطار عصر الذكاء غير المتكافئة هذه، بما يتشابه مع ما فعلته الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي للحد من انتشار الأسلحة النووية إبان الحرب الباردة؛ وإلا فلن تأمن أي منهما، ولن يأمن غيرهما. 

توماس فريدمان من كتاب الرأي في نيويورك تايمز منذ 1981