الجامعة التي تصنع المستقبل
الاحد / 15 / ذو القعدة / 1447 هـ - 21:32 - الاحد 3 مايو 2026 21:32
تكشف الأرقام التي أعلنتها جامعة السلطان قابوس في لقائها الإعلامي الأحد عن معنى يتجاوز حدود التقرير السنوي. فحين تتقدم الجامعة في مؤشرات «رؤية عُمان 2040»، وتتسع برامجها الأكاديمية، وتتحول بعض مخرجاتها البحثية إلى شركات ناشئة وبراءات اختراع، فإننا لا نقرأ حصيلة مؤسسة تعليمية فحسب؛ نقرأ ملامح انتقال وطني أوسع يحاول أن يجعل المعرفة جزءا من بنية الاقتصاد، ومنطق الإدارة، وخيال المجتمع.
لقد اعتادت الدول أن تنظر إلى الجامعات بوصفها مؤسسات لتخريج الكفاءات، وهذا دور جوهري لا يفقد قيمته، غير أن العالم الذي يتشكل حولنا يطلب من الجامعة وظيفة أبعد؛ يطلب منها أن تكون مختبرا للأفكار ومصدرا للحلول وجسرا بين البحث والسوق، وبين النظرية والسياسة العامة.
ومن هذه الزاوية تكتسب تجربة جامعة السلطان قابوس أهميتها؛ لأنها تكشف عن وعي متزايد بأن التعليم العالي لا يكتمل أثره إلا حين يترك بصمته في الاقتصاد والمجتمع وصناعة القرار. تملك جامعة السلطان قابوس رمزية خاصة في الذاكرة العُمانية الحديثة؛ فهي واحدة من أهم مؤسسات بناء الإنسان في عُمان، ورافعة أساسية من روافع الدولة في تكوين الكفاءات الوطنية. لكن قيمة الجامعة اليوم تقاس بقدرتها على تجديد هذه الرمزية؛ فالزمن الذي أنشئت فيه لتلبية احتياجات الدولة الإدارية والمهنية الأولى يختلف عن الزمن الراهن، حيث يتغير سوق العمل بسرعة، وتتبدل المهارات، وتدخل التكنولوجيا إلى قلب الإنتاج والخدمات والإدارة. الجامعة التي تريد البقاء في مركز الفعل الوطني مطالبة بأن تجدد أسئلتها المعرفية باستمرار.
من هنا تبدو التخصصات الحديثة التي أدخلتها الجامعة، مثل الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات والأعمال والاقتصاد الرقمي، مؤشرا على اتجاه صحيح، واستجابة واعية لمتطلبات المستقبل. فهذه التخصصات تتصل مباشرة بالتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وتمنح سوق العمل العُماني فرصة لإعداد كفاءات قادرة على التعامل مع البيانات، والتقنيات الناشئة، ونماذج الأعمال الجديدة.
وكلما اقتربت البرامج الأكاديمية من حاجات الاقتصاد الحقيقي، ازدادت قدرة الجامعة على تحويل التعليم إلى قوة إنتاجية.
غير أن التحدي الأعمق يكمن في البحث العلمي. فالجامعات الكبرى لا تكتفي بنشر الأوراق المحكمة، على أهمية ذلك في بناء المكانة العلمية. إنها تسأل أيضا: ماذا تفعل هذه الأبحاث في حياة الناس؟ أي مشكلة وطنية تساعد في حلها؟ أي صناعة جديدة يمكن أن تفتحها؟ لذلك فإن تأسيس شركات ناشئة، وتسجيل براءات اختراع، وتقديم استشارات بحثية للقطاعين العام والخاص، كلها مؤشرات تستحق القراءة بعناية. إنها تقول إن الجامعة بدأت تتحرك في المساحة الصعبة بين المعرفة والقيمة.
ولا يقل الانفتاح الدولي أهمية عن ذلك. فالجامعة التي تريد أن تكون ذات تأثير عالمي لا تستطيع أن تعمل داخل حدودها الأكاديمية الضيقة.
التبادل الطلابي، واستقطاب الطلبة الدوليين، والشراكات البحثية كلها عناصر في بناء حضور علمي يتجاوز الجغرافيا. وعُمان التي بنت جزءا كبيرا من قوتها السياسية الناعمة على الثقة والاتزان والحوار، تستطيع أن تبني قوة أكاديمية ناعمة على الجودة والانفتاح والبحث الرصين.
مع ذلك، فإن لحظة الإنجاز ينبغي أن تقود إلى لحظة سؤال. كيف يمكن أن تتعمق صلة الجامعة بالصناعة الوطنية؟ كيف ترتفع مساهمة القطاع الخاص في تمويل البحث العلمي؟ كيف تتحول براءات الاختراع إلى منتجات وخدمات وشركات قادرة على النمو؟ كيف تصل المعرفة الجامعية إلى المحافظات والقطاعات الإنتاجية والقرارات العامة؟ هذه الأسئلة تمنح التقدم معناه، وتحميه من الاكتفاء بالأرقام.
في النهاية، الجامعة هي عقل الدولة حين تفكر في غدها. وكلما اتسع هذا العقل، واتصل بالمجتمع، واقترب من حاجات الإنسان والسوق والبيئة، أصبحت المعرفة قوة حقيقية. وما تحتاجه عُمان في طريقها إلى 2040 هو هذا النوع من القوة؛ قوة هادئة ومنتجة وعميقة، قادرة على تحويل المستقبل من شعار إلى عمل يومي.