رأي عُمان

الاستقرار بوصفه أصلا رقميا

 

تولي سلطنة عُمان عناية كبيرة بالمناطق الصناعية والحرة. وخلال السنوات الخمس الماضية أعلنت عُمان عن إنشاء عدة مناطق حرة في طريق تحويل اقتصادها من اقتصاد النفط إلى اقتصاد قائم على التنوع. لكن المرسوم السلطاني الذي أنشئت بموجبه منطقة حرة خاصة بالذكاء الاصطناعي في محافظة مسقط يستحق قراءة أوسع من المعالجة المعتادة لإعلانات المناطق الاقتصادية والحوافز الاستثمارية؛ إذ لا تنقص منطقة الخليج المدن الحرة، ولا الإعفاءات، ولا الاستراتيجيات التي تعد بموقع في الدورة التكنولوجية المقبلة. رغم ذلك فإن عُمان تقدم على هذه الخطوة بكثير من الثقة مستندة إلى إرادة كبيرة في تنويع مصادر دخلها، والتحول نحو اقتصاد المعرفة إضافة إلى ما تتمتع به من استقرار سياسي، ثم إن لديها الثقة في تحول القدرة على التنبؤ السياسي إلى ميزة تنافسية في عصر الذكاء الاصطناعي. 

تكتسب ثقة سلطنة عمان وزنا أكبر مع انكشاف الجغرافيا الاقتصادية في منطقة الخليج وما صاحب ذلك من ضغوط متزايدة؛ فقد قامت ثروة المنطقة خلال عقود طويلة على حركة الطاقة والسفن ورأس المال والبشر عبر ممرات أمنية ضيقة، لكن المناخ الإقليمي الراهن في طريقه لإعادة تشكيل الخارطة الاستثمارية في المنطقة، وإعادة فرز للجغرافيا وما تنطوي عليه من مخاطر سياسية واقتصادية. 

تحتل سلطنة عُمان موقعا مختلفا داخل هذه الجغرافيا، وتطل على سواحل طويلة بدءا من أعلى بحر عمان وإلى أسفل بحر العرب، وكلها بحار مطلة على المحيط الهندي. وتمنحها موانئ الدقم وصلالة وصحار عمقا استراتيجيا يتجاوز المياه المغلقة للخليج. وهذا يمنح عُمان ميزة اقتصادية لا يمكن تجاهلها بعد الأحداث الأخيرة في المنطقة. 

لا يمكن عزل هذا السياق عمَّا يحيط بمنطقة الذكاء الاصطناعي التي أنشأتها عُمان، وعن غيرها من المشاريع الكثيرة التي أعلنتها عُمان، أو تلك التي بصدد إعلانها خلال الفترة القادمة. يقدَّم الذكاء الاصطناعي غالبا بوصفه سباقا في قوة الحوسبة والرقائق والنماذج الكبرى. أما بالنسبة إلى الدول فهو أيضا سباق على الثقة؛ فالشركات العاملة في البيانات والأنظمة المتقدمة تحتاج إلى ما يتجاوز الأرض المدعومة والإعفاءات الضريبية. تحتاج إلى تنظيم واضح، واتصال آمن، وطاقة موثوقة، وحماية للبيانات، وكفاءات مؤهلة، وحكومة قادرة على الاستمرار في سياساتها بعد انطفاء وهج الإعلان الأول. 

وتقع فرصة سلطنة عمان -إضافة إلى جذب الاستثمارات العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي- في أن تستطيع تطبيق معطيات الذكاء الاصطناعي على مختلف القطاعات مثل الموانئ واللوجستيات والثروة السمكية والمياه وإدارة الطاقة والخدمات الصحية، وتقنيات اللغة العربية والتعليم. وكلها مجالات يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرفع إنتاجيتها من دون أن تضطر عُمان إلى استنساخ وادي السيليكون أو شنجن. 

وسيكون التحدي الحقيقي لمنطقة الذكاء الاصطناعي في مسقط هو قدرتها على بناء روابط مع الجامعات، والكليات التقنية، والشركات العُمانية الناشئة، والمشتريات الحكومية، وأنظمة الطاقة، وشركات اللوجستيات، والأسواق الإقليمية. 

لكن لا يمكن اختزال سياسة الذكاء الاصطناعي في استقطاب الشركات الأجنبية، بل عليها أن تهيئ العُمانيين أيضا لاقتصاد يتغير بسرعة. فإذا أصبحت المنطقة مركزا لتدريب المهندسين، ومختصي البيانات، ومحترفي الأمن السيبراني، والباحثين التطبيقيين فسوف تضيف إلى مسار التنويع الاقتصادي، أما إذا اكتفت بأن تكون عنوانا منخفض الضريبة للشركات فستبقى قيمتها الاستراتيجية محدودة. 

الدرس الأوسع أن المرحلة المقبلة من التنافس الخليجي لن تُحسم بالحجم وحده؛ فرأس المال وفير في المنطقة، والطموح وفير أيضا، أما الندرة الحقيقية فتتمثل في المصداقية. وستنجح منطقة الذكاء الاصطناعي في مسقط إذا حوّلت مزايا سلطنة عُمان الهادئة إلى قدرة إنتاجية. 

رهان مسقط، في جوهره لا يذهب إلى الذكاء الاصطناعي وحده. إنه رهان على فكرة أن الاستقرار يمكن أن يصبح بنية أساسية. وفي منطقة مثل منطقتنا قد يكون ذلك واحدا من أثمن الأصول التي تستطيع دولة أن تقدمها.