أفكار وآراء

اليوم العالمي لحرية الصحافة 2026

يُحتفل اليوم الثالث من مايو باليوم العالمي لحرية الصحافة 2026، تذكيرًا بأهمية الصحافة ودعمًا لحريتها وتقديرًا لتأثيرها على المجتمعات، حيث يوفِّر هذا الاحتفال السنوي فرصة لمناقشة قضايا الصحافة وأخلاقياتها المهنية، والتحديات التي تواجه الصحفيين، والإعلاميين في العالم. 

وقد خصَّصت اليونسكو هذا العام للاحتفاء بحرية التعبير باعتبارها (حافزا معياريا وعمليا لرسم ملامح مستقبل مجتمعات المعلومات)، حيث عُنون المؤتمر الدولي الخاص باليوم العالمي لحرية الصحافة للعام 2026 بـ (بناء عالم يسوده السلام). 

يركِّز هذا المؤتمر الذي يُقام في جمهورية زامبيا على حرية الصحافة ويستضيف الأوساط المعنية بالحقوق الرقمية، بهدف مناقشة تلك التداخلات والتحديات التي تتزايد بين الصحافة والتكنولوجيا والمجتمع المدني من جهة وحقوق الإنسان من جهة أخرى، إضافة إلى تقييم ما تعانيه حُرية الصحافة في العالم في ظل المتغيرات المتسارعة التي تواجهها المجتمعات، وتدفق المعلومات المظللة والكاذبة وتلك التي توجَّه في خدمة سياسات اجتماعية واقتصادية ذات أهداف مؤدلجة تخدم مؤسسات أو منظمات أو تنظيمات مضادة لحقوق المجتمعات وسيادة دولها. إن الاحتفاء بحرية الصحافة في ظل تلك التحديات، والصراعات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي واجهت العالم خلال السنوات الأخيرة إلى الآن، والعنف الذي يوجَّه إلى المؤسسات الصحفية والصحفيين في العالم، يوفِّر مساحة مهمة للمناقشات الجادة، التي يمكن أن تقدِّم حلولا أو توصيات لحماية حقوق الإنسان والمساهمة في دعم اتجاهات حرية الصحافة وأخلاقياتها، خاصة مع تنامي التطورات التقنية والسياسية واحتدام الصراعات التي جعلت من وسائل التقنيات الحديثة طرفا أساسيا في تداعياتها. يكشف تقرير (الاتجاهات العالمية في حرية التعبير وتنمية وسائل الإعلام خلال 2022-2025)، الصادر عن اليونسكو، التحولات العالمية التي طرأت على قطاع الإعلام من منظور المعلومات باعتبارها منفعة عامة من ناحية وسلامة تلك المعلومات من ناحية أخرى؛ حيث تتعرَّض المعلومات لضغوطات غير مسبوقة تهدِّد قدرة العالم على تحقيق (كفالة وصول الجمهور إلى المعلومات وحماية الحريات الأساسية) بحلول 2030، بوصفها هدفا من أهداف التنمية المستدامة، تؤثر على كافة الغايات والأهداف الأخرى. إن المتغيرات والتحوُّلات التي يعاني منها العالم اليوم، انعكست على الإعلام بوسائله المختلفة؛ إذ يخبرنا التقرير أن حرية الصحافة شهدت (أكبر تراجع لها منذ العام 2012)، إضافة إلى تراجع مؤشر حرية التعبير العالمي بنسبة تفوق 10% خلال السنوات العشر الماضية - حسب تقرير معهد أنواع الديمقراطية V-Dem)، مما يدل على (تآكل حرية الصحافة) بشكل عام، رغم وجود بعض الاتجاهات الإيجابية في بعض محاور المؤشر. 

فالتحديات الاقتصادية والسياسية والصراعات العسكرية، إضافة إلى الهيمنة التي تفرضها شركات التكنولوجيا، وأيديولوجياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية، وما تبثه من خطابات ذات آثار مباشرة على المجتمعات، خاصة في ظل التطورات المتسارعة لأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي وطغيانه على وسائل الإعلام الرسمي، بما يبثه من معلومات ومحتويات ترفيهية وتحيزات ثقافية واجتماعية تعزِّز خطابات بعينها سيما في سياق الحروب والنزاعات والتنافس الاقتصادي، ولهذا فإن الإعلام يعاني بما أطلق عليه التقرير (الأزمة الوجودية المتفاقمة) المرتبطة بقدرة وسائل الإعلام على الصمود والاستمرار. 

فمنصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وغيرها، تعمل باعتبارها تيارات مضادة، من خلال بث المعلومات والتسابق في الوصول إلى الجماهير لتكون بديلا لوسائل الإعلام، وبالتالي فإنها - حسب التقرير -، تشكِّل أساسا من أُسس تراجع الثقة العامة بين الإعلام والجماهير من ناحية، كما تمثل بيئة خصبة لبث الخطابات والمعلومات المضللة والكاذبة من ناحية أخرى، الأمر الذي يعمِّق الانتكاسات المتوالية في الأنظمة المعلوماتية وبالتالي الابتعاد عن وسائل الإعلام بل وتهميشها من قبل الفئات التي انبهرت بتلك التطبيقات والوسائل خاصة الأطفال والمراهقين. 

إن النكسات التي تعاني منها حرية الصحافة خلال السنوات الأخيرة من أبرز الإشكالات التي أضعفت الثقة والتفاهم وإمكانات التعايش الاجتماعي؛ فالتلاعب بالمعلومات أو إخفائها، وإغراق الفضاءات التقنية بالمعلومات المظللة، إضافة إلى توجُّه المعلنين وحتى المؤسسات الرسمية إلى الإعلان عن طريق وسائل التواصل أو المنصات الرقمية، أدى إلى الهشاشة الاقتصادية المتزايدة للمؤسسات الإعلامية، وبالتالي أصبحت الكثير منها في حالة خطرة تُنذر بإفلاسها. 

لقد أسهمت تلك التحديات والمخاطر في تفاقم مشكلات الإعلام عموما والصحافة بشكل خاص؛ فالصحافة كما يصفها تقرير اليونسكو (قوة المستقبل وعامل تمكين شاملة للسلام والمرونة والحكم الديمقراطي)؛ ذلك لأنها الوسيلة الأساسية للوصول إلى المعلومات الموثوقة والمساءلة والحوار. إن قوتها تكمن في قدرتها على الوصول الآمن للجماهير وبناء الثقة المتبادلة من أجل تحقيق الأهداف المشتركة للمجتمعات، فهي بذلك تمثِّل أساس السلام وتعزيز الانتعاش الاقتصادي والتنمية المستدامة و دعم حقوق الإنسان، بما يحقِّق الرفاه الاجتماعي. 

فاليوم العالمي لحرية الصحافة 2026 يمثِّل أهمية كبرى في خضم ما يمر به العالم من تداعي الحقوق الإنسانية وانتشار الحروب والنزاعات والعجز الدولي أمام تدفق المعلومات الكاذبة وغير الموثوقة، حيث أعلنت مؤسسة مراسلون بلا حدود خلال اليومين الماضين نتائج التصنيف العالمي لحرية الصحافة، الذي أكدت خلاله أن حرية الصحافة تمر بمرحلة حرجة؛ حيث أصبح أكثر من نصف بلدان العالم (52.2%)، يندرج ضمن مؤشر الوضع (الصعب) أو (الخطير للغاية)، الأمر الذي يجعل (حرية الصحافة في أدنى مستوياتها منذ 25 عاما). 

إن وضع حرية الصحافة يزداد خطورة وتأزما في ظل تلك الصراعات السياسية والعسكرية والمنافسات الاقتصادية، التي أدت إلى التضييق على الصحفيين والانتهاكات والعنف ضدهم، والتحديات التي يواجهونها في سبيل الحصول على المعلومات، إضافة إلى التضييق القانوني والتجريم وغيرها من الانتهاكات و وسائل العنف التي تعاني منها المؤسسات الصحفية. 

ولهذا فإن مؤشر حرية الصحافة هذا العام، يعاني تراجعا تاريخيا في أغلب دول العالم نتيجة الاستهداف الممنهج ضد هذه المؤسسات، والصراعات السياسية والعسكرية التي جعلت الصحافة في واجهة تلك المخاطر؛ فمن بين المؤشرات الخمسة التي يقيسها المؤشر (الاقتصادية، والقانونية، والأمنية، والسياسية، والاجتماعية)، كان الإطار القانوني والتشريعي الذي يحمي الصحفيين الأكثر انخفاضا. ومع هذا التراجع، والواقع المؤلم الذي تعكسه تقارير حرية الصحافة للعام 2026، فإن عُمان تواصل تقدمها في المؤشر العالمي؛ حيث تقدَّمت سبعة مراكز لتكون في المرتبة 127 /180 عالميا بعد أن كانت في المرتبة 134 /180 في العام 2025، الأمر الذي يكشف مستوى الشفافية والموثوقية التي يتميَّز بها الإعلام العماني عموما والصحافة في عُمان بشكل خاص، كما يعكس الوعي المؤسسي لحرية الصحافة وحرية التعبير عن الرأي، والإيمان بحق الوصول إلى المعلومات لضمان مبدأ الثقة بين الإعلام والجماهير. 

إن التقدُّم المتواصل لعمان في مؤشر حرية الصحافة يؤِّسس للمبادئ الراسخة للشفافية والموضوعية والحياد والمهنية من ناحية، ويوفِّر فضاء واسعا للتشارك والتعاون بين مؤسسات القطاع الإعلامي الحكومية والخاصة، ويعزِّز مبدأ الكفاءة والأمانة والمصداقية للصحفيين، ليكون أساسا لإحداث قفزات قادمة في نتائج المؤشر للأعوام التالية؛ فما تقوم به مؤسسات الإعلام وما توفِّره من أرضية مهنية، وما قدمه قانون الإعلام من تمكين للإعلاميين وغير ذلك يستحق أن يكون في مراتب أعلى، وأن يحقِّق قفزات واضحة في مؤشر حرية الصحافة، فعُمان واحدة من دول العالم التي رسَّخت مبدأ حُرية التعبير عن الرأي القائمة على الموضوعية والشفافية. 

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.