أعمدة

عن حمار الذكاء الاصطناعي!

نوافذ ..

أندهش أحيانًا من اطمئنان بعض كتبة الذكاء الاصطناعي إلى أن قراءهم لا يعرفون «تشات جي بي تي»، أو لم تصادفهم بَعْدُ تلك القوالب الجاهزة التي يخلّفها في النصوص كما تخلّف عجلة سيارة دفع رباعي آثارها على رمل الشاطئ، وأنه يمكن أن ينطلي على هؤلاء القراء مقالٌ أو نصٌّ مكتوب بنمط «الذكاء» الممل، وهم بذلك أشبه بمن يُطلِق رائحة نفاذة في غرفة ضيقة ثم يظن أنْ لنْ يشمها أحد. 

وإذا كان علماء اللغة العربية عدُّوا بحر الرجز (مستفعلن مستفعلن مستفعلن) حمارَ الشعراء لكثرة ما يُحمَلُ عليه من قصائد ومنظومات تعليمية (مثل ألفية ابن مالك)، فإن ما يعادله لدى كتبة الذكاء الاصطناعي هو نمط (ليس كذا، بل كذا) الذي صار وأشباهه حمار الذكاء الاصطناعي. وأقول «أشباهه» لأنها تأتي أحيانًا في صيغ من قبيل (لم يكن كذا، بل كذا)، و(لا يفعل كذا، بل كذا)، و(ليس هو كذا بقدر ما هو كذا). والمثير للسخرية أن هؤلاء لا ينتبهون أنه كلما كان المقال قصيرًا، سَهُل كشف هذه الأنماط المتكررة. 

على سبيل المثال نشرت صحيفة عُمانية الأسبوع الماضي مقالًا لكاتبة يدعو إلى تخصيص شواطئ للمرأة، يحمل بصمات واضحة من لغة الذكاء الاصطناعي. إذ ترد فيه عبارات من مثل: «ليست المطالبة بتخصيص شواطئ للمرأة دعوةً للعزل أو الاختلاف، بقدر ما هي محاولة لإيجاد مساحة آمنة....»، و«تخصيص شواطئ «..» لا يمسّ القيم المجتمعية، بل يُعزّزه»، و«السباحة ليست ترفًا، بل نشاط بدني»، و«الحديث عن شواطئ مُخصّصة للمرأة ليس قضية موسمية، «..» بل هو نقاش أوسع»، و «لا يبدو مطلبًا صعب المنال؛ بل خطوة حضارية». هذا النمط المتكرر من العبارات (مع أنماط أخرى لا تتسع المساحة لذكرها) تكرر في مقال قصير من 400 كلمة فقط! 

مثال آخر، كتبه صحفي عماني على صفحته في فيسبوك؛ وهو رسالة لشاب على هيئة نص قصير من 300 كلمة يشكره فيها على اضطلاعه بمهمة الحفاظ على أشعار أبيه بإصدارها في كتاب، وهو أمر يستحق عليه الابن الشكر والإشادة بالتأكيد، ولكن ليس بهذه الطريقة الآلية. الرسالة حوت أنماطًا شائعة أخرى من أنماط «الذكاء» مثل (في زمن يركض سريعا)، لكن النمط الأكثر وضوحا هو (ليس كذا، بل كذا). يكتب الصحفي مثلا: «الابن الذي لم يكتفِ بأن يكون امتدادًا بيولوجيًا لاسم أبيه، بل اختار أن يكون امتدادًا حيًّا لروحه..»، و«رسالةٍ خفيفة «..» لا ترسل نصوصًا فحسب، بل تُعيد إيقاظ...»، و«كأن ساعي البريد «..» لا يسلّم طردًا، بل يستعيد زمنًا..»، و«كتابٌ «..» لا يشي فقط بجهدٍ في الجمع والتوثيق، بل يكشف عن بصيرةٍ»، و«الشعر لا يُحفظ في الرفوف بقدر ما يُحفظ في القلوب»، ثم يصل التكلّف إلى ذروته حين يخاطب النصُّ الشاعرَ الراحل قائلًا: «ذريتك ليست أسماءً تُذكر، بل ذاكرةٌ تتحرك «..» لا كأثرٍ ماضٍ، بل ككائنٍ حيّ يستمر». بعدها يختم الرسالة بتكرار شكر الشاب: «شكرًا لك «..»، لا لأنك أنجزت كتابًا فحسب، بل لأنك أنصفت الأب». ومن وجهة نظري فإن كلمة «شكرا» واحدة خارجة من صميم الفؤاد كانت كافية للتعبير عن امتنانه، بدلا من هذه الرطانة المصطنعة. 

وإذا كنتُ قد ضربتُ هنا أمثلة لكتابات عُمانية فإن المؤكد أن شيوع هذه القوالب، بما تهدده من تحويل «أسلوب الكاتب» إلى شيء من الماضي، يتجاوز الحالة العُمانية، ويجعلها مشكلة عربية بامتياز. كتب الروائي السوداني حمور زيادة على صفحته في فيسبوك منشورًا ساخرًا ينتقد فيه هذه الصيغة تحديدا: «لم يعد الأمر كذا فحسب، بل...»، بحيث أنك لو سألت تشات جي بي تي عن «لمبة» مناسبة للصالة سيجيبك على الفور: «إن تغيير لمبة الصالة لم يعد مجرد استبدال مصباح بآخر، بل ...»، ويخبرنا حمور أن هذا النمط من كتابة الذكاء الاصطناعي، الذي يسميه ساخرًا «البلبلة»، انتقل إلى منشورات ومقالات كثيرة حتى صار يهدد بجعل الكتابة متشابهة ومفتعلة وخالية من الروح. 

أما الروائي السوري إسلام أبو شكيّر فقد نشر منشورًا ساخرًا هو الآخر يخاطب فيه من أسماهم «جماعة الذكاء الاصطناعي»، طارحًا عليهم السؤال الطويل التالي: «صحيح الفيسبوك ليس مجرد منصة تواصل اجتماعي.. والوطن ليس مجرد قطعة أرض.. والرياضة ليست مجرد تسلية.. والدجاج ليس مجرد طائر.. والهواء ليس مجرد غازات؟!!!». 

ومن البديهي طبعًا التأكيد أنه لا يمكننا الجزم تمامًا بأن كل من يوظف هذه الصيغ في كتابته مرة أو اثنتين يعني أنه يكتب بالذكاء الاصطناعي، فقد تكون هذه لغته في الأصل، ومفرداته التي اعتادها، لكن تكرارها كثيرًا في مقال قصير هو الذي يفضح أن آلةً ما هي التي اقترحتْها لا عقلٌ بشري.وفي الختام يطيب لي تشبيه الذكاء الاصطناعي بمعجم نعود إليه للتأكد من معنى كلمة، أو بمحرك بحث يسهّل علينا مهمة التأكد من معلومة، ولا ضير في الاستعانة به إطلاقًا. لقد وُجِدَ أصلًا لنستعين به، غير أن علينا ككتّاب ألا نسلّم له «الخيط والمِخْيَط» كما يقال، متخلين عن لغتنا وأسلوبنا وخصوصيتنا التي تميزنا عن الآخرين. فالكتابة في النهاية هي طريقتنا الخاصة في النظر إلى الأشياء، وقول ما نحسّ به، والتعبير عن أدق خلجاتنا، وذلك لن يتأتى لنا إذا ما سلمنا زمامها (أي الكتابة) لآلة صماء تُخرِج النص نفسه كل مرة، وتوزعه على ملايين الأشخاص.