الحرب في السودان تحرم ملايين الأطفال من التعليم
الجمعة / 13 / ذو القعدة / 1447 هـ - 20:04 - الجمعة 1 مايو 2026 20:04
بورت سودان 'أ.ف.ب': تحلم أفراح البالغة من العمر 13 عاما بأن تصبح طبيبة متخصصة في الجراحة، فالحرب التي تمزّق بلدها السودان وتحرم ملايين الأطفال من التعليم، لم تحرمها من الطموح والعزيمة.
فحتى خلال الأشهر التي انقطعت فيها عن الدراسة، بعد نزوح عائلتها بسبب المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع، تقول المراهقة لوكالة فرانس برس من مخيم شُيِّد بالقرب من بورت سودان 'كنت أراجع دروسي مرارا وتكرارا'.
وهي تمكنت بفضل منظمة اليونيسف وجمعية محلية من تلقّي التعليم. وأفراح واحدة من بين أكثر من 25 مليون طفل وقاصر في السودان، أي ما يعادل نصف إجمالي عدد السكان، يوجد من بينهم ثمانية ملايين طفل خارج الفصول الدراسية حاليا، بحسب ما ذكرته اليونسيف.
في مساحة أرض قاحلة في مخيم الهيشان، تصطف سلسلة من الخيام على شكل مربع، صُمّم ليَظهر كما لو أنه مدرسة تؤوي أكثر من ألف تلميذ.
تقطع أصوات الضحك سكون المخيم، ويلهوا التلاميذ في وقت الاستراحة، وهم الذين نجت غالبيتهم من أهوال الحرب، وعايشوا الجوع ونيران القذائف والصواريخ.
يقول المدرسون إن أعمال الرسم التي كانوا ينجزونها في البداية يهيمن عليها موضوع الحرب، من صور للدبابات والأسلحة والموت الذي رأوه أثناء فرار عائلاتهم.
من جهتها، توضح المتحدثة باسم اليونيسف ميرا نصر لوكالة فرانس برس 'هم يأتون إلى هنا خائفين ومتعبين ويحسّون بالوحدة، لكن مع مرور الوقت ترى رسوماتهم تتغيّر'. وتضيف 'يبدؤون في التكيّف والاستيعاب'.
في واحدة من الخيام، يردّد الأطفال جملا عن كيفية غسل اليدين برفقة أخصائية جتماعية، بينما يلقي آخرون في خيمة مجاورة قصيدة بصوت واحد.
في مكان آخر، تشرح المعلّمة، وهي نفسها نازحة في المخيم، مادتَي الكيمياء والفيزياء لصفّها، بينما يشدّ ابنها البالغ من العمر ثلاث سنوات طرف ثوبها.
وتؤكد نصر أن 'مستقبل الأطفال على المحك، والتعليم في حد ذاته شكل من أشكال الحماية'، وتضيف 'هنا، يمكنهم على الأقلّ أن يشعروا ببعض مظاهر الحياة الطبيعية، حتى في موقع النزوح. يمكنهم استئناف تعليمهم، يمكنهم اللعب، ويمكنهم تكوين صداقات'.
'بعضهم نسي حتى كيف يقرأ ويكتب'
نتتذكّر عواطف الغالي، معلمة اللغة العربية البالغة من العمر 48 عاما، بمرارة أيام النزوح الأولى من شمال دارفور، حين تُركت آلاف العائلات تائهة مع أطفالها على الطُرق. 'كنّا 60 معلّما هنا، وقد شرعنا في العمل'، كما تقول.
هكذا، قسّم المدرّسون التلاميذ بحسب المستوى التعليمي، وصمّموا جداول زمنية، وبدأوا الحصص بمراجعة الدروس.
أمّا سعاد عوض الله البالغة 52 عاما، والتي درّست اللغة الإنكليزية طوال أربعة عقود في جنوب دارفور قبل أن تصل إلى بورت سودان، فتقول 'لقد احتجنا إلى كثير من الصبر في البداية، حين كان جميع الأطفال لا يزالون جالسين على الأرض'.
بالعودة إلى ناصر، فهي تشدّد على أنه وبسبب الوقت الذي أضاعه التلاميذ بين أشهر وسنوات، 'فإن بعضهم نسي حتى كيف يقرأ ويكتب'.
مع هذا، فإن عزيمتهم لم تُقهر، إذ تخرّجت أخيرا أول دفعة من التلاميذ لتنتقل من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الإعدادية، بحسب ما تقول غالي باعتزاز.
تضيف 'حتى عندما كانت الأمور صعبة، وفي حرِّ الصيف مع انتشار الحشرات في كل مكان، كان الأطفال يرغبون في التعلُّم'.
وقبل موعد الامتحان النهائي 'كان بعضهم يتبعنا نحن المعلمين إلى منازلنا متوسلين حصصا إضافية من المراجعة'، كما تقول.
'مساعدة الناس'
ترغب فاطمة البالغة من العمر 16 عاما، في أن تصبح طبيبة نفسية لتساعد الذين تضرّروا من القتال في السودان.
تقول لوكالة فرانس برس 'هذه الحرب دمّرت الناس نفسيا... كان أبي في السوق المركزية في الخرطوم عندما مرّت قوات الدعم السريع وقتلت الناس. هرب، وما زال يشعر بذلك الألم'.
وتضيف 'عندما أجلس مع الأخصائية الاجتماعية أشعر بتحسّن. أريد أن أساعد الناس بهذا الشكل'.
وهناك، تصافح إحدى الفتيات الصغيرات بيدها اليسرى بعد أن بُترت اليمنى بسبب إصابة تلقتها في العاصمة الخرطوم.
تُقدّر اليونيسف عدد الأطفال النازحين في كامل أنحاء السودان بخمسة ملايين، يعاني كثيرون منهم من الجوع، من بينهم أكثر من 825 ألف طفل دون الخامسة يعانون سوءَ تغذية حادّ.
وكشفت تقارير عن تجنيد أطفال في مختلف أنحاء البلاد، فضلا عن أن انتشار العنف الجنسي على القاصرات يمنع كثيرات منهن من العودة إلى المدارس حتى في المناطق التي أصبحت آمنة من القتال.
يُعرب كثير من النازحين عن رغبتهم في العودة إلى منازلهم؛ إذ يقول إبراهيم البالغ 14 عاما 'أفتقد أصدقائي وعائلتي، أفتقد مدرستي في الخرطوم، كانت مليئة بالأشجار'.
لكن لديه هدفا واضحا 'أريد أن أصبح مهندسا بتروليا'، كما يقول لوكالة فرانس برس، فيما يملأ أصوات الأطفال الذين يلعبون في الخارج أرجاء الخيمة.
خلال فترة الاستراحة، يركض عشرات التلاميذ حول معلميهم، يضحكون ويلعبون ويشكلون قلوبا بأصابعهم أمام كاميرات وكالة فرانس برس.
أحد الصبية، ويُدعى رزق، يرتدي قميص مانشستر يونايتد الأحمر، تقدّم بكل شجاعة نحو كاميرا وكالة فرانس برس وبصوت يرتجف قليلا طلب 'مزيدا من حصص اللغة الإنكليزية في المساء'.