عندما يكون الاختلاف "خلافا"!
محمد بن عبيد الزعابي
الجمعة / 13 / ذو القعدة / 1447 هـ - 19:49 - الجمعة 1 مايو 2026 19:49
نعيش في ظل أوضاع جيوسياسية حاسمة تطرح أمامنا زوبعة من التساؤلات المتلاحقة. لا نعلم كيف ستكون عملية إخماد هذا البركان الثائر منذ أن بدأ النزاع المسلح يطفو على السطح، لكن الذي نعرفه أن كل العالم قد تأثر سلبا بما يحدث، وكأن الدول تعيش لحظات فارقة وتداعيات متلاحقة ومقبلة على مرحلة دقيقة من المتغيرات الإقليمية والدولية.
ورغم أنني لا أحب الخوض كثيرا في نقاشات التي تشعل فتيل الفتنة، ولكن طالما كنا من نسيج هذا العالم الذي تمزقه الصراعات، فيبدو أن رياح التأثير بما يحدث تلفح وجوهنا سواء في حديث الشارع أو عبر ما يصلنا من أنباء في هواتف الذكية، أو ما تبثه القنوات التلفزيونية التي تنقل لنا كما هائلا من المعلومات والأحداث وغيرها.
والسؤال: هل نصمت حتى لا نخوض مع الخائضين في خضم ما يشهده العالم من تغيرات قد تؤدي به نحو طريق غامض لا نعرف نهايته على المدى القريب، أم نترك أقلامنا وأفواهنا تتدفق بما تكنه النفس من وجع إنساني يرنو نحو السلام حتى إن خالفنا معتقدات البعض وآرائهم، ويصبح 'الاختلاف في الرأي يفسد للود قضية'!
منذ قرون مَضت حتى وقتنا الحالي والبشر على اختلاف دائم؛ فهم مقتنعون بأنهم ' لن يتفقوا أبدا' حتى وإن تعددت أجناسهم ومنابع أصولهم وطوائفهم.
حتى وإن كنا ندرك أن البشر ميزهم الله عن سائر الخلائق بـ'العقل' الذي أوصلنا إلى عالم متطور معرفيا وتكنولوجيا، إلا أننا ما زلنا نجهل الكثير من الأمور التي تدفع بنا نحو المنحدرات ومنها ' لذة الدخول في الحروب مع الآخر'!
وإلى الآن لم يجد الناس حلولا مبكرة لعقدة الاختلاف، وتشتت الآراء رغم أن البعض لهم من رجاحة العقل والحكمة ما يجعله أكثر وعيا في مناقشاته وآراءه الرصينة، وتخفيف حدة النزاع.
ومع تواتر الأحداث وارتفاع أجيجها وما خلفته من 'ضجيج مزعج' أثر سلبا على مسامعنا، وأوجد ثقلا لم تحتمله قلوبنا. فالعالم يجر رداء الحرب والتفرقة في كل مكان. مشهد ليس كمثله مشهد آخر؛ فألسنة اللهب تعلو، وأوجاع الناس ترى وسمع منذ عقود، وربما اتضحت الرؤية من خلال كتب التاريخ التي وثقت وحشية الحرب.
لقد شهد الشرق الأوسط منذ شهور عديدة اضطرابات أوحدت خللا في نمط الحياة التي كان يعيش فيها سكان المنطقة؛ فلقد ذقنا مرارة تلك الساعات الحرجة، وتجرعنا معنى خسارة الأرواح وتدمير وسائل الحياة، وتمنينا ألا تتأزم الأمور وترتفع وتيرتها؛ فالسلام المنشود دائما هو نعمة من الله لسائر الأوطان.
إن هذا الصخب 'المفتعل ' وما يشكله من فوضى، ويحدثه من خسائر في بلدان المنطقة، لا يحمل في طياته سوى الدمار، وصعود مصالح دول على حساب أخرى.
وما شدني في هذه المعمعة وأزعجني هو تضارب القوى والأطراف وحديث القنوات الذي لا ينتهي، فهذا يندد بطرف ما، وذلك يرفع من شأن آخر، وكل ذلك على حساب الفكر الإنساني.
وربما يكون بعضهم مصيبا في بعض تحليلاته، والبعض الآخر مخطئا في توقعاته؛ فالاختلاف قد يكون في ظاهره 'حالة صحية '، ولكن لا يعني أن البشر لا ينشدون غير الصواب؛ فكلما طرحت المعقولات كنا أقرب إلى الواقع وقراءة الأحداث في حقيقتها.
فكلنا يتبنى فكرته يدافع عنها أمام الأطراف الأخرى، وعلينا أن نصغي لبعضنا البعض سواء شئنا أم أبينا، ومهما اختلافنا في الآراء فإن ذلك لن يغير من وجه الحقيقة في شيء، ولسوف يأتي الله بما فيه خير لنا في نهاية المطاف.
اعتدنا أن نقول للآخرين: اختلف معي كيفما شئت، ولكن لا تجعل من أرواح البشر وسيلة لتبرير أهدافك ونواياك'.
ومن المؤسف أن هناك من لا يعنيه معنى 'سلامة الأوطان'، بل يخوض في بحر من الأوهام مدعيا أنه يمسك بدفة الصواب دون الأطراف الأخرى، ويصور لنا بأننا جميعًا قد وقعنا ضحية لأفكارنا ومعتقداتنا ورؤانا التي تخالف توجهاته وأفكاره!
إذا كانت الحرب والسلام هما رواية عالمية فمن الأجدر بنا أن نضمد جراح المتألمين من هذا الاضطراب المفتعل، فهناك من هم أولى بالاهتمام والمتابعة من أجل انتزاع من أجسادهم المعاناة التي تسببها الحروب من قلق وخوف لا يحتمل.
منذ أن بدأت شرارة الحرب الأولى، ثم تلتها حرب أخرى ما بين إسرائيل وأمريكا على إيران، وما شهدته المنطقة من قلاقل واضطرابات حتى أصبحت الساحة الإعلامية تعج بالمحللين والمنظرين والمرتزقين، فالنقاشات تحتدم وبعض الحقائق غائبة عن النطق والعقل.
فالنقاشات بين الناس صارت كثيرة وأحيانا تجد نفسك في زوبعة بين فتيل مشتعل بين المتصادمين في تلك الحوارات الساخنة، فزعيق هنا و استسلام هناك، ثم ينفض كل شيء دون أي رؤية تضعك في قلب الحدث كما هو على صورته الحقيقية!
وأمام هذه الموجة من القلق أجد نفسي منعزلا عن متابعة تلك النقاشات؛ لأن صائب الابتعاد افضل حالا من ارتباط لا يأتي بعده سوى الضيم وتأنيب الضمير وخداع العقل بالأمنيات، وأيضا سعيا إلى الحصول على الاستقرار النفسي والراحة من صداع لا تشفع في خروجه الأدوية والمهدئات وتجنبًا للاصطدام بالآراء المتعارضة مع أفق الحقيقة. فالصمت في بعض المواقف والعزلة أحيانًا هو وسيلة لإخماد لهيب الفتنة التي لا تجلب إلا الشقاق والنفاق.
فنحن رغم اختلاف ثقافاتنا واتجاهاتنا، والفطرة التي خلقنا الله عليها نجتمع في نواة الخير التي منها تعمير الأوطان بالفكر النير، لا ببث الضغائن وتقليب القلوب على بعضها البعض، فكما يقال دائما: 'انتماؤنا لأوطاننا هو جوهر هويتنا، ومن أحب أرضه وجب عليه أن يبتعد عن كل ما يهدد أمنها واستقرارها'.