حين تتجلى الدولة في وجوه أبنائها
الأربعاء / 11 / ذو القعدة / 1447 هـ - 22:28 - الأربعاء 29 أبريل 2026 22:28
تكشف زيارات جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى المحافظات عن معنى عميق في بنية الحكم العُماني؛ معنى يتجاوز جدول الزيارة ومراسم الاستقبال، ويذهب إلى جوهر العلاقة بين الدولة والمواطنين. فحين يخرج القائد إلى الطرقات والقرى والمدن، وحين يراه الناس بينهم، قريبا من وجوههم وأصواتهم وذاكرتهم اليومية، تصبح الدولة فكرة ملموسة، ويغدو الوطن تجربة إنسانية حية، لا شعارا يرفع في المناسبات.
في تلك المشاهد التي رافقت زيارة جلالته أمس، ظهر العُماني في صورته الأصدق. ظهر بفرحه الهادئ، واعتزازه العميق، ووفائه الذي لا يحتاج إلى صناعة. خرجوا لأنهم شعروا أن لحظة الزيارة تخصهم في بيوتهم وأعمارهم وذاكرة آبائهم. خرجوا لأنهم رأوا في مرور جلالة السلطان بينهم امتدادا لصلة تاريخية قديمة بين القيادة والمجتمع، صلة تشكلت عبر قرون من التجربة العُمانية، حيث بقي الإنسان مركز الدولة، وبقيت الدولة حارسة لمعنى الاستقرار والكرامة والانتماء.
القيمة الإنسانية في هذه الزيارة أنها أعادت للسياسة معناها الأول. السياسة، في أصلها النبيل، رعاية للناس، واقتراب من همومهم، وإصغاء إلى إيقاع حياتهم. وحين يقف طفل، أو امرأة مسنة، أو شاب على جانب الطريق لتحية قائده، فإن المشهد يحمل ما هو أعمق من الفرح العابر.. يحمل شعورا بأن المسافة بين الحكم والناس قابلة لأن تضيق حتى تصبح نظرة، أو تحية، أو ابتسامة، أو وقفة قصيرة تحفظها الذاكرة طويلا.
وفي عُمان تكتسب هذه المشاهد كثافة خاصة. فهذه البلاد بنت حضورها على فعل تراكمي من الرسوخ يشبه شموخ قلاعها وصلابة إنسانها. وكل حجر في تلك القلاع يعرف أن المجد العُماني لم يكن زينة في كتب التاريخ، وإنما تجربة سياسية وأخلاقية صنعتها الجغرافيا، وهذبتها البحار، وامتحنتها الأزمات؛ لذلك يبدو الفرح الشعبي في مثل هذه الزيارات جزءا من عقل عُمان السياسي؛ ذلك العقل الذي تتراكم فيه خبرة التاريخ، وأمجاد عُمان، وحكمة المكان، ووعي الإنسان الذي يعرف قيمة الطمأنينة حين تضطرب الجهات من حوله.
تمنح هذه الزيارة درسا في المعنى الإنساني للقيادة. فالقائد، حين يقترب من الناس، يمنحهم شعورا بالشراكة في المصير. ويشعرون، في تلك اللحظة، أن أصواتهم مسموعة، وأن حضورهم في مشهد الوطن حضور أصيل. ومن هنا تنشأ الثقة؛ من تراكم التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة، ثم تتحول مع الزمن إلى وجدان وطني راسخ.
لقد قالت الزيارة، بلغتها الهادئة، إن عُمان لا تحفظ تاريخها في المتاحف وحدها؛ تحفظه في وجوه أبنائها، وفي طرقاتها، وفي قراها، وفي القلوب التي تلتف حول قائدها. وتلك هي القوة الأعمق لأي دولة: أن يتحول تاريخها إلى شعور يومي، وأن يتحول ولاؤها إلى طمأنينة، وأن يعبر قائدها بين الناس فيرون فيه ملامح مستقبل يليق بمجد هذه الأرض.