لهذا ستسعى إيران إلى صنع سلاح نووي
ترجمة: أحمد شافعي
الأربعاء / 11 / ذو القعدة / 1447 هـ - 22:15 - الأربعاء 29 أبريل 2026 22:15
بكل قنبلة تسقط، أو سفينة تصادر أو تهديد مريع بالفناء يزيد دونالد ترامب من حوافز إيران لرفض عرض «الصفقة الكبرى» للسلام والمسارعة إلى امتلاك أسلحة نووية تدافع بها عن نفسها في المستقبل.
لقد زعم ترامب لتبرير إعلانه الحرب في الثامن والعشرين من فبراير أن إيران ـ وخاصة برنامجها النووي ـ تمثل «تهديدا وشيكا» في حين أن إيران لا تمتلك أسلحة نووية خلافا للولايات المتحدة وإسرائيل.
يتفق رؤساء وكالات أمريكا المخابراتية ومفتشو الأمم المتحدة على عدم وجود دليل قاطع بأن النظام الذي يطور قدراته التقنية ويبقي خياراته السياسية مفتوحة قد صنع أو حاول صناعة سلاح نووي، وذلك على الأقل منذ عام 2003 الذي افتضح فيه مخططه السري. لكن بعد ضربة ترامب الثانية غير المبررة في غضون عام واحد، وبعد تعهد بقصف الحضارة الإيرانية حتى تنكص إلى «العصر الحجري» من المرجح تماما أن يتغير الوضع.
تزداد صعوبة منازعة الرؤية المنسوبة إلى جنرالات الحرس الثوري المتشددين الذين يديرون إيران حاليا، ومفادها أن الأسلحة النووية هي الوسيلة الوحيدة لردع الهجمات في المستقبل؛ فلقد وجهت الولايات المتحدة وإسرائيل الضربات مرتين دونما إنذار في غمار مفاوضات دبلوماسية.
فحتى لو تم الاتفاق على السلام يعلم الإيرانيون أنه لا مجال للثقة في ترامب ونتنياهو ـ بما لديهما من نزوع انتقامي دائم-، وأن المحور الأمريكي الإسرائيلي قد يظل على عدوانه لسنين قادمة.
ولا شك في أن تركيز ترامب على «محو» البرنامج النووي الإيراني يجانب الصواب مجانبة أليمة شأن أي صاروخ أمريكي خاطئ التوجيه من طراز توماهوك؛ فليس من سبيل يسير إلى قصف المعرفة النووية المحلية مهما قتلت إسرائيل من علماء.
وفي كل الحالات ليست إيران بحاجة إلى إعادة تشكيل القدرت والمهارات المحلية اللازمة لصنع أسلحة نووية؛ فقد يتسنى لها أن تشتريها جاهزة من الخارج.
وقد تكون كوريا الشمالية ـ حليفتها العتيدة ـ المصدر الأرجح، كما لا يمكن بحال استبعاد المساعدة من روسيا البوتينية؛ فهي تتعاون فعليا في مشاريع الطاقة النووية. وواضح تمامًا أن الرئيس الكوري الشمالي كيم جونج أون قد تحاشى الانخراط في الحرب حتى الآن، لكن -مثلما بعث سرا قوات لمساعدة بوتين في أوكرانيا- يمكن أن يتدخل سرا لتسليح طهران، ومعلوم للجميع ما لكيم من تاريخ فيما يتعلق بالانتشار النووي.
لقد انضمت إيران إلى عدد غفير من البلاد غير النووية التي عانت معاناة مريرة على أيدي قوى نووية مهيمنة. ففي عام 1994 تنازلت أوكرانيا عن أسلحتها النووية في مقابل ضمانات أمنية غربية تبين لاحقا أنها عديمة القيمة حينما ضربتها روسيا للمرة الأولى في عام 2014. واستسلم النظام العراقي ـ الذي يفتقر إلى رادع نووي ـ للغزو الأمريكي في عام 2003، وهل كان يمكن لترامب أن يهاجم فنزويلا في يناير لو كانت مسلحة نوويا؟
لو أن الدول النووية المعلنة أوفت بمعاهدة سنة 1968 لمنع الانتشار النووي وإلزامها بتقليص الأسلحة النووية، ثم التخلص منها تماما في نهاية المطاف لربما قل إحساس الآخرين بالحاجة إلى درع نووي، لكنها حنثت دائما بوعدها. ويتزايد استغلال الولايات المتحدة وروسيا لوضعهما المهيمن، وهو الاستغلال الذي نشأت معاهدة منع الانتشار لمنعه بالدرجة الأساسية، وإسرائيل -خلافا لإيران- لم توقع قط على تلك المعاهدة.
ويأتي سلوك ترامب التهديدي التهوري غير العقلاني المثير للقلق ليخلق في ذاته حالة من إنعدام اليقين والأمن، ولكن نزعته العسكرية تؤجج هي الأخري انتشار الأسلحة النووية عالميا. فالولايات المتحدة تنفق المليارات على تحديث ترسانتها، وتفعل روسيا وكوريا الشمالية وفرنسا والمملكة المتحدة مثل ذلك في حين توسع الصين قواتها بسرعة وعلى نحو هائل، وبرغم ذلك يأبى ترامب تجديد سلسلة معاهدات من حقبة الحرب الباردة للحد من التسلح. وقد تراجع ترامب عن اتفاقية عام 2015 النووية التي أبرمها باراك أوباما مع إيران بدعم أوروبي، وكان ذلك قرارا أحمق أفضى إلى المواجهة التي نشهدها اليوم. وفي اليوم الأول من الحرب تعرض المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي للاستهداف والقتل، ولعل فتواه الإلزامية بمنع صنع قنبلة نووية قد لقيت مصرعها معه.
فيما يتعلق بإيران يعمل ترامب ونتنياهو بناء على مفهومين أساسيين خاطئين. حتى لو تحقق في نهاية المطاف شكل من السلام البارد فلن يغفر الإيرانيون، ولن ينسوا الأعمال الوحشية التي تعرضوا لها من قبيل مجزرة مدرسة ميناب، والدمار الذي لحق ببلدهم، والخيانات الدبلوماسية من واشنطن، سواء أبقي النظام الحالي في السلطة أم لم يبق، وسوف يستمر «الخطر الإيراني».
ثانيا: لا يزال لدى طهران خيارات لا تملك الولايات المتحدة وإسرائيل ـ برغم التفوق العسكرية ـ سيطرة عليهما.
تقدم كوريا الشمالية الخاضعة للعقوبات والعزلة أنموذجا محتملا لطهران؛ فنظام بيونجيانج صنع في الأصل أسلحته الذرية الخاصة باستعمال تكنولوجيا السوق السوداء التي حصل عليها من باكستان، ثم نقلت أسرة كيم بعد ذلك برامج نووية إلى سوريا في ظل حكم بشار الأسد، وهي الآن تبيع صواريخ باليستية لإيران وروسيا وغيرهما.
وقد لا يعدو الأمر التكهنات في هذه المرحلة، لكن من الذي يمكنه أن يقول: إن كيم لن يوفر لإيران رؤوسا نووية مكتملة، أو إذا كان هذا الأمر ينطوي على خطورة فائقة فبوسعه أن يوفر اليورانيوم عالي التخصيب، وتصميمات رؤوس نووية وخبرة في مقابل النفط -حسبما أشار مارك فيتزباتريك خبير منع الانتشار النووي بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية والدبلوماسي الأمريكي المرموق سابقا-؟ وإن فعل كيم هذا فمن يدري؟ ومن الذي يمكن أن يمنعه؟
لقد ازداد كيم جرأة منذ الفشل المحرج لحملة ترامب الهجومية في ولايته الأولى. وفي تجاهل لإشارات البيت الأبيض بشأن تجديد الاتصالات عند زيارة ترامب لبكين الشهر القادم سوف يجري الزعيم الكوري الشمالي اختبارات استعراضية لإطلاق صواريخ جديدة، ويستهزئ بكوريا الجنوبية واليابان، ويؤكد العلاقات الوثيقة مع الصين وروسيا وبيلاروسيا.
وفي حديث له في شهر مارس قال: إن العدوان الأمريكي على إيران «أثبت» أن كوريا الشمالية كانت محقة في صنع الردع النووي، ومن المؤكد أن طهران سمعت تلك الرسالة.
ولو أن كيم على خطأ فلماذا يتعامل ترامب مع كوريا الشمالية معاملة مختلفة تماما عن معاملته لإيران؟ فكلا البلدين في نهاية المطاف يهدد جيرانه، ويتبنى تحالفات معادية للغرب، وكلاهما يحكمه نظام استبدادي يقهر شعبه، والخطر النووي الكوري الشمالي حقيقي مشهود. سبب هذه المعاملة مزدوجة المعايير واضح؛ فحتى ترامب ليس لديه الغباء الكافي للهجوم على بلد مسلح نوويا.
بسلوكهما العدواني يضفي ترامب وبوتين الشرعية على الحجج المؤيدة لامتلاك الأسلحة النووية، وسيكون ذلك وبالا على الجهود العالمية لمنع الانتشار النووي. وكشأن أوكرانيا توفر حرب إيران غطاء وسابقة لدول نووية أخرى إذا ما قررت مهاجمة بلاد غير نووية.
فهل يحتمل أن تمضي الصين على هذا الدرب مع تايوان؟ وفي ضوء مصير إيران؛ هل ينبغي لتايبيه واليابان وكوريا الجنوبية المسارعة إلى امتلاك أسلحة نووية؟ لا عجب أن نذر التشاؤم تخيم على مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الذي يعقد كل خمس سنوات، ويبدأ أعماله في نيويورك يوم الاثنين.
ومن تحديات هذا المؤتمر برامج تحديث وتوسيع الأسلحة النووية المنتشرة على نطاق واسع، وانهيار دبلوماسية الحد من التسلح، واستئناف الاختبارات النووية، وما يطلق عليه اتحاد الحد من التسلح «الأخطار النووية المتصاعدة» ومخاطر الانتشار.
وقد حذر تقرير بحثي صدر هذا الشهر عن مكتبة مجلس العموم من أن «فكرة الصفر العالمي أو العالم الخالي من الأسلحة النووية تتلاشى باطراد».
ليست هذه قصة مختلقة لترويع الأطفال، إنما هي واقع؛ فمنذ غزو أوكرانيا هددت روسيا مرارا باستعمال الأسلحة النووية. ومن حسن الحظ أنها لم تفعل ذلك حتى الآن. وفي الأسابيع الأخيرة مع انخراط ترامب في إيران تواترت أخبار نفيت لاحقا بأن الولايات المتحدة أيضا قد تلجأ إلى الأسلحة النووية. وسواء أكانت هذه التهديدات جوفاء أم جادة فإنها تتواتر وتغدو مألوفة كثيرا. ولو أمكن العثور على طريق تفاوضي منطقي للخروج من المأزق الحالي فقد تصل إيران وغيرها من البلاد الضعيفة المتوسطة إلى قناعة بالاستمرار في التخلي عن الأسلحة النووية. أما إذا مضى العدوان غير القانوني من الدول النووية العاملة بمبدأ أن «القوة هي الحق» دونما عواقب فإن كابوس الحرب الباردة القديم -أي كابوس الدمار المتبادل- سوف يصبح الواقع الملموس الذي نعيش فيه.
سيمون تيسدال من كتاب الرأي في صحيفة ذي جارديان