سباق التسلح السيبراني: وجهة نظر أمريكية
ترجمة: قاسم مكي
الأربعاء / 11 / ذو القعدة / 1447 هـ - 22:14 - الأربعاء 29 أبريل 2026 22:14
شكل شهر أبريل 2026 نقطة تحول في تقنية الذكاء الاصطناعي؛ فقد طورت شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة في الولايات المتحدة نماذج برامج حاسوبية قوية الى حد أنها قررت عدم إتاحتها على الفور للجمهور؛ فهي تمثل الأسلحة السيبرانية الأكثر قدرة على الإطلاق.
لقد ظل قادة الذكاء الاصطناعي يحذرون على مدى سنوات من أن وصولها سيعيد تشكيل الأمن القومي؛ تلك اللحظة حانت الآن.
لم تعد العواقب التي تترتب عن خسارة سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي مسألة نظرية؛ فنماذج الذكاء الاصطناعي هي الآن أدوات هجومية ودفاعية حاسمة في الفضاء السيبراني. ويعتمد الأمن السيبراني للولايات المتحدة وحلفائها على تعظيم تفوُّق أمريكا على الصين في سباق الذكاء الاصطناعي.
أحدث نموذج ذكاء اصطناعي لشركة أنثروبَيك الأمريكية تحت مسمَّى «كلاوس ميثوس ريفيو» يستطيع ذاتيا اكتشاف وتجميع واستغلال أو إصلاح الثغرات البرمجية بفعالية أفضل من أي باحث بشري تقريبا وعلى نطاق غير مسبوق.
ويعتبر خبراء الأمن السيبراني نموذج «ميثوس» حدثا يشكل حدا فاصلا في تاريخ الأمن السيبراني.في الحرب السيبرانية المعزَّزة بالذكاء الاصطناعي يستطيع الخصم الذي يملك قدرات ذكاء اصطناعي متفوقة التعرّف على الثغرات في أي نظام واستغلالها لاكتساح الدفاعات الأمريكية، لكن المدافِع الذي يستخدم أولا نموذجَ ذكاء اصطناعي أكثر تفوقا يستطيع إيجاد وإصلاح تلك الثغرات قبل استغلالها.
فضَّلت شركة انثروببك طرح نموذجها «ميثوس» لشركات أمريكية مختارة بدلا من اتاحتها بشكل عام؛ وذلك بهدف دعم الدفاعات السيبرانية للولايات المتحدة. كما أعلنت شركة «أوبن أيه آي» أن نموذجها القادم «سباد» سيُطرح فقط على نحو مماثل لمجموعة مختارة من شركاء الأمن السيبراني.
إلى ذلك دشن البيت الأبيض ووزارة الخزانة وبنك الاحتياطي الفيدرالي جهودا موازية لتقوية البنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة ضد الهجمات السيبرانية المعززة بالذكاء الاصطناعي.
هذه الجهود مطلوبة بشكل عاجل؛ لأن الصين ستطور نموذجا بنفس قدرات «ميثوس» قريبا. في الوقت الحالي تتخلف أفضلُ نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية «زمنيا» عن النماذج الأمريكية المتقدمة بحوالي سبعة أشهر، واحتمالا أكثر من ذلك بقليل.
لذلك فترة السبعة أشهر هذه هي المهلة المتاحة لتقوية البنية التحتية الرقمية للولايات المتحدة بأكملها قبل أن تتخطى الأسلحةُ السيبرانية الصينية الدفاعاتِ الأمريكية الحالية.
على أية حال؛ يرتكز بناء نظام الذكاء الاصطناعي الصيني على التقنية الأمريكية؛ فشركات الذكاء الاصطناعي الرائدة في الصين تطور نماذجها باستخدام الرقائق الإلكترونية الأمريكية التي هي أفضل بقدر مهم، وتُنتج بكميات أكبر من نظائرها الصينية.
تدرب هذه الشركات نموذجها على بيانات تنتجها النماذج الأمريكية بتنفيذ «هجمات تقطير» تساعدها على استنساخ قدرات الولايات المتحدة.
وتعتمد شركات الرقائق الصينية على أدوات متقدمة لتصنيع الرقائق لا تستطيع الصين إنتاجها بل تنتج بواسطة الولايات المتحدة وهولندا واليابان.
في عام 2024 اشترت الصين آلات لطباعة الرقائق بالأشعة فوق البنفسجية العميقة من شركة «أيه إس أم أل» تفوق ما اشترته كل البلدان الأخرى مجتمعة، وبدون الحصول على مثل هذه التقنيات الخاصة بالولايات المتحدة وحلفائها ستتخلف نماذج الذكاء الاصطناعي الصيني عن نظيراتها الأمريكية بسنوات وليس بأشهر. يمكن للولايات المتحدة إطالة فترة تصدُّرها للسباق، وشراء الوقت لتقوية دفاعاتها بتشديد ضوابط التصدير لكل التقنية الحيوية المعزِّزة للذكاء الاصطناعي. ساعدت الضوابط الحالية الولايات المتحدة على تأمين تصدّرها الحالي بحوالي سبعة أشهر، لكنها تحتوي على فجوات وثغرات يجب سدُّها. وهذه عملية مستمرة متكررة؛ لأن الدفاعات تتطلب تحديثا مع إصدار كل نموذج جديد.
لكي تعزز الولايات المتحدة صدارتها يلزمها وقف كل صادرات رقائق الذكاء الاصطناعي للصين بما في ذلك النماذج الأقل تقدما مثل نموذج «إنفيديا أتش 200».
عليها الحد من شبكات تهريب الرقائق، وذلك باشتراط الحصول على رخص تصدير للطلبات الكبيرة عالميا. كمثال واحد فقط لمثل هذا التهريب؛ حُوِّلَت «خوادم إنفيديا» بقيمة 2.5 بليون دولار الى الصين عبر جنوب شرق آسيا. إلى ذلك عليها منع «وصول» الشركات الصينية الى الرقائق الخاضعة لضوابط تصديرية عبر السحابة؛ فهذا الوصول غير محظور حاليا. (يقصد الكاتب الحيلولة دون استفادة الشركات الصينية من القدرة الحوسبية للرقائق الأمريكية من خلال اتصالها بمراكز بيانات شركات الخدمات السحابية الأمريكية عبر الانترنت- المترجم.)
كما يجب على الولايات المتحدة أيضا حظر وصول الصين إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية نفسها عبر التصدير أو الاستخدام عن بُعد.
وعليها أيضا وقف صادرات معدات تصنيع أشباه الموصلات القادرة على انتاج الرقائق المتقدمة بما في ذلك المعدات التي يتم تصنيعها في بلدان أخرى بالاعتماد على التقنية الأمريكية، وهذا لا يعني عدم التعاون مع الصين حول سلامة الذكاء الاصطناعي.
أثناء الحرب الباردة منعت الولايات المتحدة استخدام كل أنواع التقنية الأمريكية في تطوير البرنامج النووي للاتحاد السوفييتي، لكنها في النهاية شاركته تقنيات أمان السلاح النووي التي تمنع إطلاقه دون إذن بذلك. يجب تطبيق نفس هذا المبدأ مع الذكاء الاصطناعي بتعظيم صدارة الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه التعاون مع بكين في ضوابط الحماية.
باتخاذ هذه الخطوات يمكن للولايات المتحدة تمديد الفارق الزمني لتفوقها على الصين من سبعة أشهر إلى 18 شهرا أو أكثر، وكسب وقت بالغ الأهمية لنشر دفاعات سيبرانية ترتكز على الذكاء الاصطناعي في كافة أراضيها. فكل شهر إضافي يعني تأمين بنك آخر ومشفى آخر وشبكة كهرباء أخرى قبل أن تتمكن الصين (أو أي بلد آخر يستخدم التقنية الصينية) من تطوير أدوات اختراق لأنظمة الحماية.
كريس ماجواير زميل أول لشؤون الصين والتقنيات الناشئة بمجلس العلاقات الخارجية. عمل سابقا نائب مدير أول للتقنية بمجلس الأمن القومي الأمريكي.
الترجمة عن ذي فاينانشال تايمز