أعمدة

الدين.. وحرب الستة أسابيع

بحكم أنَّ الدين يحمل قيمًا أخلاقية؛ فهو داعية لكف الصراع بين الناس، وكثير من النصوص الدينية تدعو إلى السلم والتسامح والعفو، والقرآن.. يُلزِم بالأخلاق المانعة عن التعدي حتى في الدفاع عن النفس والحوزة، إلا أنَّ تاريخ الإنسان جعل الدين شرارةً للحرب ووقودًا لها. والحضارة الغربية.. في تحولاتها التاريخية عملت على تحييده عن المسار السياسي للدولة، حتى قالت بالعلمانية؛ أي بفصل الدين عن السياسة، وبَنَتْ هيكلها التشريعي دون المقولات الدينية. لكنها لم تستطع -أو بالأحرى لم تُرِد- أنْ تهمّش الدين في الحروب.

إنَّ الأهداف والأساليب غير الدينية أصل في الحروب، لكن يبقى الدين عنصرًا مهمًا فيها. قد ينازع البعض في الغرض الديني من قيام الحرب الصهيوأمريكية الإيرانية «حرب الستة أسابيع»؛ بيد أنَّ الجميع يتفق على استعمال لغة الدين في الحشد لها. المقال.. لا يقف عند اللغة الدينية التي تستعملها الأطراف المتصارعة: إيران، وإسرائيل وأمريكا، فهي مشاعة في العالم الرقمي، ونالت نصيبها من التحليل، وإنَّما يحاول فهم التوجهات الدينية المؤسِّسة للصراع.

- إيران.. رغم أنَّ الفقه الاثني عشر الجعفري؛ مذهب الدولة الرسمي بنص الدستور الإيراني، لكن هذا الفقه لا يَعتبر الدول التي ساسها شيعة دولًا شيعية شرعية؛ لعدم قيامها على الفقه الشيعي، وللاعتقاد بأنَّ الدولة لا تقوم إلا على يد «الإمام المعصوم» المنصوص عليه مِن قِبَل سلفه الإمام.

و«عقيدة الانتظار» هذه ليست مقصورة على الاثني عشرية؛ وإنَّما هي في بِنية التشيّع ذاته. يقول أبو حمزة المختار بن عوف الشاري (ت:130هـ) -وهو يشرّع لقيام الدولة الإباضية- عن المعتقد الشيعي السياسي: (يأملون الدول في بعث الموتى) «الجاحظ، البيان والتبيين»، وما بين وفاة أبي حمزة وغيبة محمد بن حسن المهدي عام 260هـ؛ 130 سنة، وقد انتظر الفقهاء الاثنا عشرية قرونًا حتى يقيموا «دولة إسلامية» في إيران لأول مرة، متجاوزين عقيدة الانتظار، وقد سبقهم الشيعة الزيدية بقرون في ذلك. 1979م.. عام فارق في الفكر الاثني عشري السياسي؛ إذ أحدث فيه روح الله مصطفى الخميني (ت:1989م) تحولًا جذريًا، بقيادته ثورة شعبية أطاحت بالشاه محمد رضا بَهلوي (ت:1980م).

لقد كسر الخميني عمليًا عقيدة الانتظار؛ مدفوعًا بأسباب؛ منها: صعود الإسلام السياسي في المنطقة، والتغريب الذي اتبعته إيران الشاه، والغطرسة التي لابسته لتحقيق هذا الهدف، وأهم الأسباب هو الروح التجديدية التي تمتع بها الخميني؛ والتي ظهرت في فكره الديني وممارساته السياسية.

هذا التحول في بِنية الدولة بإيران.. وإنْ بدا أنَّه أقام «دولة دينية» -هي ثمرة الإسلام السياسي- لكنه وضع أساسًا للدولة الوطنية ذات «القيم الإسلامية»، بدلًا من «القيم العلمانية» التي سادت عالم ما بعد قيام الأمم المتحدة عام 1945م. وعلى هذا؛ فإنَّ حرب الستة أسابيع التي شهدناها قد تدفع بإيران إلى تبني دولة وطنية ذات قيم إسلامية؛ إنْ صمد النظام الحالي أمام الهجمة العنيفة التي تشنها أمريكا وإسرائيل عليها، وهذا هو الأغلب. أو إلى دولة وطنية ذات قيم علمانية؛ إنْ لم يصمد، فالشعب.. هو من يحدد ذلك، وليست القوى الخارجية.

ولكن ما قد يؤخر قيامها هو التدخل الأمريكي السافر في الشأن الداخلي لإيران، والذي قد يؤدي إلى التفكك والاضطراب والعنف، وحينها لن يقتصر وباله على إيران، وإنَّما سيطال المنطقة، مثلما حدث بعد سقوط العراق. الدولة الوطنية المتوقعة ذات القيم الإسلامية.. قد تشكّل «نموذجًا شيعيًا» في المرحلة القادمة مِن المسار السياسي لدى المسلمين، متزامنًا مع «النموذج السني» في تركيا المتمثل في حزب العدالة والتنمية، فيما أسميته بـ«مرحلة السياسة الإسلامية المدنية». والفارق بين النموذجين.. أنَّ الإيراني قد لا يكون في قيمه الاعتراف بإسرائيل، ولا التطبيع معها، ويظل متوجسًا من أمريكا، بعكس النموذج التركي؛ المقيّد بمواثيق حلف الناتو الذي تهيمن عليه أمريكا.

وباعتبار أنَّ إسرائيل هي القاعدة الدائمة للهيمنة الأمريكية على المنطقة، وكذلك لحماية المدنية الغربية من التقهقر، والحضارة الغربية مِن التحجر؛ فإنَّ الصراع قد يدوم، فلا يكتب النجاح للدولة الوطنية ذات القيم الإسلامية، اللهم إلا إنْ حدث تحول جذري؛ بأنْ توجهت دول المنطقة لتبنيها؛ باعتبارها الأنسب لثقافة المسلمين؛ بشرط تخليهم عن الصراع المذهبي، ورجوعهم إلى الأسس والقيم الإسلامية المشتركة.

- إسرائيل.. في مقابل هذا المسار للخروج مِن «الدولة العقدية إلى الدولة الوطنية» في النموذج الإيراني.. فإنَّ نموذج الدولة بإسرائيل على العكس، حيث إنَّ المشروع الصهيوني الاستيطاني قامت به قيادات علمانية صرفة؛ في مقدمتهم أبو المشروع الصهيوني المجري ثيودور هرتزل (ت:1904م)، لم يكن لدى هؤلاء نية لإقامة دولة دينية يهودية.. بل هدفهم إقامة دولة للجماعة اليهودية على قيم علمانية، لكنهم غرسوا بذور قيام «دولة دينية متطرفة». والمفارقة.. أنَّها قامت عام 1948م؛ أي بعد ثلاث سنوات فقط مِن قيام الأمم المتحدة؛ التي ترعى الدولة الوطنية عالميًا.

لم تكن نسبة معتنقي الصهيونية مِن اليهود تتجاوز 1٪ عند هلاك هرتزل، أمّا الآن فقد وصلوا إلى حوالي ثلث الشعب الإسرائيلي، والصهاينة المتدينون.. هم المتحكمون في إدارة الحرب ضد إيران. إنَّ الدولة الإسرائيلية التي غرسها الغرب في المنطقة وترعاها أمريكا غير قابلة للبقاء، وهي آيلة للسقوط، وما يمدها بالبقاء هو الهيمنة الغربية المتمثلة بأمريكا.

ومع هذا؛ فإنْ هيمنتْ الصهيوأمريكية على المنطقة؛ فإنَّ المرحلة القادمة ستدشن «الحقبة الصهيونية»، وتنصاع -مرغمةً- دول المنطقة إلى سياسة التطبيع، مما يؤجج نار الرفض لدى الشعوب الإسلامية، وقد يخرج مِن رحمها موجة مِن العنف تعيث فسادًا في الأرض، إذ إنَّ العنف مولِّدٌ ذاتي للعنف. وإنْ خرجت إيران من الحرب صامدة، قد يتعرقل مشروع التطبيع.. بل قد تحصل تحولات دولية؛ تؤول بالمشروع إلى الانحسار.

- أمريكا.. التي هرب إليها المضطهَدون دينيًا مِن أوروبا؛ فأسسوا فيها دولة ذات قيم علمانية، مع ضمان حرية المعتقدات الدينية. وكانت الدولة في نهوضها تقوم على أساس الحفاظ على وجودها، ثم تحولت إلى التوسع العالمي، مما أورثها هيمنة على العالم. إنَّ المؤثر الكبير في هذا المسار للسياسة الأمريكية فيما يتعلق بحرب الستة أسابيع؛ هو تعاقب الرؤساء البروتستانت على إدارتها، و«عقيدة عودة المسيح» البروتستانتية هي التي غرست بذور المشروع الصهيوني.

نعم؛ ليس كل البروتستانت صهاينة، لكن ما أَسَّس للصهيونية وفكرة رجوعها إلى فلسطين؛ لتحقيق عودة المسيح، هي العقيدة البروتستانتية، وإنْ لم يَدُر بخلد المؤسسين الأوائل للإصلاح المسيحي كالألماني مارتن لوثر (ت:1546م) -المتعصب ضد اليهود- ما يجري الآن في فلسطين المحتلة.

مسار طويل مِن تطور الفكر السياسي الأمريكي، لكن إدارة دونالد ترامب شكلت منعطفًا حادًا مع صعود التيار المتدين في إسرائيل؛ ووصوله إلى سدة الحكم بقيادة بنيامين نتنياهو، فترامب الذي لا تعنيه القيم الدينية والأخلاقية، وقد ضرب عرض الحائط بالمواثيق الدولية، وولى ظهره للعالم أجمع، لا يشن الحرب لأجل إسرائيل؛ فهي مستقبلًا متضررة مِنها، وإنَّما ليرضي نرجسيته بأنَّه السيد المطلق للعالم، إنَّه داء العظمة المودي بالدول.

وأمريكا سوف تتعلم درسًا قاسيًا مِن الحرب؛ قد يؤدي بها إلى تحولات، ربما تكون نتيجتها رفض عقيدة رجعة المسيح.

ختامًا.. هذه الحرب ليست معركة جيوسياسية واقتصادية فحسب؛ وإنَّما هي ثمرة تحولات كبرى في العقيدة السياسية الدينية بالعالم. إنَّ «العقيدة الشيعية الاثني عشرية» و«العقيدة الصهيونية»؛ بشقيها المسيحي واليهودي، يؤمنا بانتظار المخلص؛ كل واحدة في إطار منظومتها الدينية، لكن على المستوى السياسي؛ فإنَّ الدولة الإيرانية متحركة باتجاه الدولة الوطنية، فيما تشهد الدولة الإسرائيلية نكوصًا إلى عقيدة دينية متعصبة، وعنيفة لا تتورع عن إبادة البشر وتدمير المجتمعات.