ثقافة

عن الرقص الخطير والشعراء اللزجين

زياد خداش

 

أحسّ دائما أن الرقص يشبه جلسة سرية مع الذات في ليلة شتاء عميقة، فضفضة أمام مرآة خارجة من المصنع للتو، بينما الأهل كلهم في زيارة لقريب مريض، اعترافٌ باكٍ أمام ذكريات، بما لم نتوقع أن نبوح به أبدا، يقول الرقص ما لا يجرؤ لساننا على قوله، يفضحنا تلك الفضيحة الشريفة يكسرنا ذلك الانكسار الصلب، يمسكنا من أجنحتنا المشرعة يلقي بنا في وديان الندم الساحر، في طفولتي البعيدة كنت أتسلل إلى غرفة النساء الراقصات في أعراس الأقارب أندسّ بين السيقان شاقا طريقا لينا ومتسامحا؛ لأصل إلى الراقصات ذوات الأجساد المترهلة والمشوقة وهن يتمايلن بطريقة ساحرة على إيقاع موسيقى لا تقاوم، كنت أصحو من مجزرة الاتجاهات في الغرفة المليئة بالنساء والغناء والموسيقى على يد أمي وهي تسحبني إلى خارج دائرة النعومة الهادرة موبخة إياي على وقاحتي، هل الرقص مجرد إطلالة رأس الوحش الذي فينا، أهو المتن أم الهامش؟ نحن نرقص لأننا نشتاق إلى ماضينا المتوحش، نتوق إلى أدغال كنا فيها ذات عاصفة أسيادا وأحرارا وآلهة أحيانا، لماذا أخاف من الرقصة، ألأني أخاف مما بداخلي من رغبة مجنونة في خطف العالم وأسره في زجاجة ثم تحطيم الزجاجة على صخرة في لحظة متوحشة غير مبررة؟ إطلالات الوحش فينا تختار أكثر من طريقة، منها مثلا الغناء، الرسم، الكتابة، الحلم والرقص أخيرا لكن أخطرها؛ الرقص لأنها المفضلة لروح الوحش، فهي تمثل لديه نقطة ضعف الإنسان أو كعب أخيل فيه، لا أعتقد أن الإنسان يذرف في رقصاته كل كنوزه ومطره وحدائقه، فلو فعلها لأرتكب جريمة بحق أقرب شخص يتواجد بجانبه، لأن مقدار الكشف والاستنارة سيفوق طاقة الإنسان على التحمّل.


لذلك فهو يُهدّئ بإتقان ووفاء من روع جسمه ويخفف من بريق جماله أثناء الرقص لئلا يصل لمستوى الانفلات الكامل، فيخرج الوحش من نومته الخادعة، ويطيح بالمقاعد والحضور والحراس والراقصين الآخرين، كذلك نحن في مخاض الكتابة نحس أنّ ثمة كائنا مرعبا يتفلت من مساماتنا، ليخرج، فنردعه بفزع بالانتباه إلى كأس الشاي الممدود ناحيتنا من نادل ماء، أو إلى زامور سيارة مارة، أو إلى شاب وشابة يتبادلان الخوف والشك الاعترافات.


في حفلة ما، في مقهى على شكل مغارة، في زمن رام اللاوي ما، كان الفنانون يرقصون ويغنون، شادي زقطان يسافر مع غيتاره، سفرا يبدو بلا عودة، المكان ضيق جدا، تهت وأنا أدخل فحككت خد بنت إسبانية بدلا من حك خدي، خجلت، اعتذرت ضحك الشعراء، وضحك الماء أما النادل فبكى، لا أدري لماذا، كان الابتهاج يسيل بين الأقدام، غارقا في ضياعه، لا كلام في المغارة، فقط رقص وموسيقى ودخان وكاسات ينسون تتوهج في عتمة المكان، كنت بالصدفة داخلا إلى المكان لأستلم طرد دواء لأبي من شادي زقطان، أشرت لشادي من البعيد ورسمت له بعينيّ شكل الطرد، قالت يداي: وين طرد الدواء يا شادي؟؟


تعال تعال قال لي شادي بعينيه، اقتربت منه، فأشار لشاعر يرقص وحده في حضن كأس ينسون ضخم، أن أخطفه، تقدم مني الشاعر الذي لا يوافق أبدا على أي رأي لي أو لغيري، قفز على وجهي، شدني بحبل من مناكفات وضحك لزج، ثم رماني قرب متضامنة إيطالية: همست الإيطالية في عيني: أحب فلسطين وأحب الله والحياة، أجبتها رسما بيدي لوجه ايتاليو كالفينو: أحب هذا العظيم، ودانتي كان يجب أن يعترف أنه سرق المعري. لم تفهم ولم أفهم. لم أوافق على الرقص، رعبا من الفكرة، هم لا يعرفون أن الرقص الحقيقي يعني موتي، كان كل شيء يدعوني لذوبان في المغارة والاختفاء، الشاعر اللزج الذي لا يوافق أحدا على أي رأي، حول أي موضوع، كان يرقص في الزاوية، مغمضا يديه وعينيه وقصائده التي لا توافق على أية قصائد أخرى، كلما تحرك رأسه يطير رذاذ اليانسون من أذنيه، كلما ارتفع غيتار شادي، دلق كأس يانسون على وجهه، ثم سمعت أن أول كلمات يقولها لي شادي: حاول أن ترقص والله الرقص أهم من كل قصصك الحزينة..


ثم فجأة راح يغني العبارة ملحنا إياها: حاول حاول، والله أجمل والله أجمل من كل القصص، من كل القصص الحزينة..


وأنا أخرج رأيت الشاعر وهو يرقص رقصة الاختفاء، كما يريد أن يقنع نفسه أنه بالفعل يرقص. اخترقت عقله الصاحي، سمعته وهو يستمع لعقله، كان يقول له: تمايل إلى الشمال أكثر، تراجع ببطء، اقفز، اهبط، حرّك الساقين والرأس، أغمض عينيك، طر. قبل أن تخطو قدمي خارج المغارة، صرخت عليه، لم يسمعني أحد طبعا: هذا ليس رقصا، هذه ورشة تدريب على الرقص فاذهب إلى جحيم الكذب..


في المطر القادم سأرقص في مغارة ما، مع شاعر لزج آخر لا يتفق مع أحد حول أي شيء، يحاول أن يقنعنا أنه يرقص حد الاختفاء، وعازف غيتار وسيم آخر، ومتضامنين طليان، وطرود دواء لآباء يسعلون بشدة في مخيم قريب، أفلت للوحش لجامه، هكذا أقول لنفسي كل عام، ويأتي الشتاء القادم، ولا أفي بعهدي، أقف مشتتا أمام ذلك الأخطبوط الفاتن وأنا أراقب أصدقائي وصديقاتي يهطلون في حفلات ليالي رأس السنة أمامي قطعا من أسماكهم ورملهم المحروق ونجومهم وأكواخهم..