حكايةُ الذات
الثلاثاء / 10 / ذو القعدة / 1447 هـ - 20:35 - الثلاثاء 28 أبريل 2026 20:35
كنتُ دومًا على يقين أنّ الدخول في قصِّ حكايةٍ ما -وإن أوْغَل حاكيها في التجنيح في عوالم مفارقة وخارقة- يحمل في أثنائه آثارًا من ذات القاصّ وبعضًا من روحه ومن حياته ومن رؤاه، ولهذا السبب لا أرى قصّة معزولةً عن مُنشِئها، مبتورة عن صاحبها، قاتلةً لمؤلّفها.
غير أنّ انصراف الرواية عموما في المدّة الأخيرة إلى كتابة الذات بؤرةً وموضوعًا، وحصْر موضوع الحكاية بشكل مباشر أو غير مباشر في تقصيص الذات أمر جدير بالملاحظة، طارحا أسئلة عديدة، لعلّ أهمّها: هل جفّت منابع التخييل وتراجع فعل الأساطير لتتحوّل الذات إلى محور الحكاية؟ نماذج متعدّدة من الروايات العربيّة والعالميّة التي تحظى بمقروئيّة عالية وتحصل على النصيب الأوفى من الجوائز تتمحور حكايتها حول الذات، وتدخل في ما يُصطَلح على نعته بـأدب الذات، وإن كنتُ لا أفضِّل هذا النعت، فكلّ أدب هو بالضرورة أدب ذاتيّ وإن تخيّر مواضيع غيريّة أو أطلق الخيال مجنّحًا.
ولكن ليست هذه الذاتية الغالبة المغلَّبَة، الدقيقة المفصَّلة التي تروي اليوميّ والتي تنصرف إلى دقائق الحياة. إنّ جفاف التخييل وانحسار صناعة عوالم الرواية تُجاه استعادة المألوف والاقتصار على حكاية الحياة أمرٌ مفزعٌ ودافع إلى النظر في علل هذا التوجّه السرديّ الذي أنذر بموت الرواية في قالبها التخييلي الذي فيه تقدّ عوالم وتبتكرها وبشّر بولادة السيرة الذاتية جنسًا كتابيّا حكائيّا قوامه التخييل الذاتي، يحلّ محلّ التخييل الروائي.
لقد لاحظتُ ذلك في عوالم رواية أغالب مجرى النهر الفائزة بجائزة الرواية العربيّة (البوكر العربية) مؤخّرًا للكاتب سعيد الخطيبي، الذي أجرى رؤيته وعوالم قسم من مقالاته الصحفيّة في تقدير إرث الثورة الجزائرية وفي الظواهر الاجتماعية الحالّة في الجزائر، وفي عدد من الموضوعات التي اهتمّ بها الصحفيّ ونقّلها إلى شخصيّاته وأحداث روايته.
لقد بدا الواقع الذاتيّ ذهنًا وفضاءً ومرجعيّة تاريخيّة تجميعيّة مقلقا في الرواية، يُمكن أن يؤدّي إلى صناعة جنس من القُرَّاء يُعجَب بـ'السلفي الروائي'، ويندفع إلى تأسيس ذائقة تستند إلى 'نظام التفاهة'. أخشى أن تكون هنالك رؤية كونيّة لترذيل الذائقة القرائيّة الروائيّة، ولصناعة أرضيّة قائمة على تعطيل التخييل وبعث التسجيل، أي أخشى أن تنتقل مظاهر العوالم الافتراضيّة في أنماط التواصل الحديثة، حيث يسجّل الفاعلون الاجتماعيّون كلّ دقائق حياتهم من مأكل ومشرب وحركة وبسمة وخدعة وجولة وحيرة ويضعونها في متناول الجميع إلى السرد الروائيّ، ويُصبح القارئ مُتابعا لأثر ذاتٍ تتأسّس من فراغ.
كان هذا موقفي يوم فازت آني أرنو بجائزة نوبل للأدب، واعتبرت أنّ أثرها القصصي ضعيف وقاتل للخيال والتخييل، وأنّ ما تكتبه لا يشفّ عن قدرة أو قوّة أو استطاعة بقدر ما يشفّ عن جرأة في فضح الذات، والجرأة في فضح الذات لم تكن يوما مقياسا للروائيّة أو الأدبيّة.
ولعلّ أبين مثال عالمي على هذا التوجّه المنغمس في حكاية الذات مشروعًا سرديّا، الضارب عن التعهّد بدور خالق العوالم، هو الموسوعة السردية الذاتية للكاتب النرويجي كارل أوفه كناوسغارد، الذي اختار لموسوعته عنوان كتاب هتلر 'كفاحي'، وهو يدخل في حكاية العاديّ واليومي والتفصيليّ الذاتيّ، العلاقة بالأب هي محور للرواية يُمكن أن تكون كشفيّة ذاتيّة ويُمكن أن تتغلّف بحكايا مختلفة وبأقنعة متعدّدة، والأدب قناع، إن سقط سقطت الأدبيّة، هنالك فارق شاسع بين الروائيّة التسجيليّة والروائيّة التخييليّة؛ الروائيّة التسجيليّة لا تصنع أدبًا بل يُمكن في أحسن الحالات أن توفّر نصوصًا لمتعة الاطّلاع، لفضول التعرّف على حكايا الآخرين، لرغبة الإنسان في التلصّص على الحيوات، في حين أن الروائيّة التخييليّة هي نتاج ذاتٍ لها قدرة صناعة الشخصيّات، وابتكار الأحداث وتأثيث عالم ممكن من عدمٍ، أو من مرجع.
لقد شاعت رواية الاعتراف والرواية الشاهدة، وبسببٍ من موانع في العقل العربي اجتهد الروائيّون في بذر مظاهر الذات وحكايات المعاينة والموروث الاعتقادي السياسي والمجتمعي على شخصيّات رواياتهم التي بانت باهتة الوجود الخطابيّ، غير مقنعة ولا مؤثّرة.
أعتقد أنّ الرواية العربيّة اليوم في خطر، فلا هي قادرةٌ أن تتحوّل -كما هو شأن الرواية الغربيّة- إلى رواية الذات بشكلٍ صرف، ولا هي -في جانب كبير منها- قادرة أن تصنع عوالم جديدة تأسر القارئ، ولذلك فهي تتراوح بين الكشف والتقنّع، بين السفور والاحتجاب، بين الذات والغير، بين التسجيل والتخييل، وهي في حاجة إلى مراجعة جذرية، إلى وقفة تأمّل في موروثنا الروائيّ، وفي منجزنا الحاليّ.
تحتاج الرواية العربيّة إلى دراسات معمّقة على صلة بالفنيّ من جهة، وبالاجتماعي والنفسي والاعتقادي من جهات. لقد أبدت الجوائز العربيّة من خلال ما تُخرجه من فائزين ضعفا مفزعا في عدد من المناسبات، فلمَ لا تعقد هذه الجوائز حلقات نقدية حقيقية لدراسة واقع الرواية العربيّة؟