عمان الثقافي

القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والخليج يُستَخْلَج!

 

سليمان المعمري 

لعله لم يخطر ببال الكاتب العُماني عبدالله حبيب، وهو يكتب مقالًا في جريدة «الخليج» عام 1994، أن كلمة صغيرة وردت في سياق غاضب ستعود بعد اثنتين وثلاثين سنة لتصير موضوع مقالات ومنشورات وندوات. تلك الكلمة هي «الاستخلاج»؛ المصطلح الذي نحته عبدالله في مقاله «لن نبدأ من حيث ابتدأت سينما الآخرين»، ردًّا على ما رآه وصايةً عربية على التجربة السينمائية الخليجية.

وقد اختار عبدالله حبيب كلمة «الاستخلاج»، ليحيلنا إلى مصطلح «الاستشراق» الذي كان في ذلك الوقت - ولا يزال في حقيقة الأمر - ملء السمع والبصر، ويعني فيما يعني ممارسة الغربيين التعالي والتعامل بفوقية على أهل الشرق، لكن الاستخلاج، وإن كان يحمل معاني الاستعلاء نفسها والنظر بدونية إلى الآخر، إلا أن ممارِسه هنا هو عربيٌّ من أبناء جلدتنا على أهل الخليج، الذين ليسوا في نظره إلا بدوًا رعاعًا يعيشون مع إبلهم في الصحراء، وقد حباهم الله بثروات كبيرة بسبب النفط المتدفق عليهم بغزارة، بلا عقل لهم ولا رأي منير!

أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، مصطلح «الاستخلاج» إلى الواجهة، وأريق حوله منذ بدئها في الثامن والعشرين من فبراير الماضي حبر كثير، سواء بتغريدات في وسائل التواصل الاجتماعي، أو بمقالات في الصحف، وهي تصف ما تعدّه «تخلّيًا» من قطاعات واسعة من الرأي العام العربي عن أشقائهم الخليجيين خلال الضربات التي وجهتها إيران إلى مصالح متعددة في دول الخليج، وتنكُّرًا لهم، بل وشماتة من بعضهم في ما أصاب هذه الدول من دمار، وأهلها من هلع.

على هذه الخلفية السياسية المضطربة جاء تنظيم «مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية» في الدوحة في 21 أبريل 2026 ندوة افتراضية بعنوان «تحولات الوعي المعرفي: من الاستشراق الكلاسيكي إلى الاستخلاج المعاصر»، أدارها الباحث اليمني فوزي الغويدي، وشارك فيها الروائي والباحث العُماني محمد اليحيائي، والباحثة السعودية ميساء الخواجة، والكاتب والصحفي الكويتي إبراهيم المليفي، والإعلامي العراقي المقيم في موسكو سلام مسافر. وأول ما يلفت الانتباه في هذه التوليفة من المشاركين أن كلهم من الخليج، بما يترتب على ذلك من عرض صوت واحد فقط هو صوت الناقدين للاستخلاج، دون منح أصحاب وجهة النظر الأخرى (أي ممارسي الاستخلاج) حقهم في المشاركة وعرض دوافع هذه النظرة الدونية للخليج أو مبرراتها، وأتفهّم السبب بالطبع، فمَن هذا الذي سيرضى أن يُشارك في ندوة تصفه بالمستخلِج؟! وعلى أي حال، فقد مثّل حضور سلام مسافر بعض التعويض عن هؤلاء، رغم انتمائه إلى الخليج. إذْ أن بعض ما ورد في مداخلاته بدا، من حيث لا يقصد ربما، أقرب إلى المنظور الذي جاءت الندوة لمساءلته منه إلى نقده.

افتتح الغويدي الندوة بالواقعة التي سردها عبدالله حبيب في أحد مقالاته، وهي حكاية طريفة تقول إن أكبر ناقد للاستشراق في العصر الحديث لم يكن، في تلك اللحظة العابرة، بمنأى عن نسخة عربية مصغّرة من النظرة نفسها. إنه إدوارد سعيد الذي التقاه عبدالله حبيب في نهاية الثمانينيات مصادفة في نيويورك قبيل دخولهما إلى قاعة أوبرا لحضور عرض أوبرا «دون جوفاني» لموتسارت من إخراج بيتر سيلرز. لمحه عبدالله مع ثلة من أصدقائه فهرول للسلام عليه، وحدثه عن إكباره له والأثر الذي تركه عليه كتابه «الاستشراق»، وكان سعيد يصغي باهتمام. إلى هنا والأمور على ما يرام. لكن فجأة، وفي حديث هو خليط من العربية والإنجليزية:

- إنته من وين؟

- أنا من عُمان.

- مش معقول، من عُمان وعندك اهتمام بالأوبرا؟!

- بروفيسور سعيد، هل نحن بصدد النسخة العربية من الاستشراق؟

بعد ابتسامة مرتبكة بعض الشيء:

- لا، أبدًا ما قصدي.

لعل هذه الحكاية هي التي شجعت الغويدي على بدء الندوة بالمشارك العُماني قبل المشاركين الآخرين. وقد تحدث محمد اليحيائي عمّا سمّاه «المضمر» في العلاقة بين مثقفي الخليج ونظرائهم العرب، قائلا: إن هناك ما يشبه حالة من الاستعلاء من المثقف العربي تجاه ما يأتي من الخليج، فحين يرى هذا إبداعا مميزا من الخليجي فإنه يتساءل بدهشة: كيف يظهر هذا النص من هذه المنطقة؟ كيف تكون هذه الرواية أو ذاك الديوان الشعري أو تلك اللوحة التشكيلية، أو ذلك الفيلم السينمائي من الخليج؟!، مذكرًا أن المقولة الشهيرة: «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد ودمشق تقرآن»، تحتفي بالمراكز دون الأطراف، ولا حضور فيها للخليج طبعا. وقد جعل تعليق اليحيائي وقائع بعينها تطفو على سطح ذاكرتي فجأة، بعضها بعيد، مثل عبارة الروائي يوسف زيدان في النادي الثقافي بمسقط في أبريل عام 2015، حين افتتح محاضرته بعبارة: «مش عندكم معيز ونقعد كده في القمر!»، والتعليق الساخر الذي أطلقته الروائية السورية سلوى النعيمي على صفحتها في فيسبوك بُعَيد إعلان فوز العُمانية جوخة الحارثي بجائزة مان بوكر العالمية عام 2019: «يبدو أن الكاتب العربي الذي سيحصل قريبًا على نوبل سيكون من الخليج. العزاء لأدونيس، والبركة في البترودولار»!، وبعضها قريب عمره أيام فقط قبل كتابة هذا المقال، حين اقترح كاتب مصري أقام ردحا من عمره في الكويت، هو شريف صالح، بعد أن رأى حالة التراشق الفيسبوكي بين الخليجيين والعرب خلال الحرب الأخيرة، اقترح تسمية بعض شوارع مصر بأسماء شخصيات خليجية معروفة من تلك التي أحبت مصر وارتبطت بها ودرست فيها، فردت عليه الروائية المصرية سلوى بكر: «يا سلام. نخلص أسماء عظماء مصر أولا». وطفقت تعدد قائمة طويلة من الأسماء المصرية المستحقة بدءا من حتشبسوت وليس انتهاء بالرسام حامد ندا، مضيفةً: «هناك ألف اسم على الأقل أجدر بأن تسمى الشوارع بأسمائهم بدلا من هؤلاء»، وحين فرغت من الأسماء المصرية انتقلت إلى الأسماء العربية: «وحتى لو فكرنا في أسماء عربية فلتكن عمر المختار، جميلة بوحيرد، أبو القاسم الشابي، ...،.... وغيرهم عشرات، لماذا أهل النفط؟».

بالطبع لا تتساوى هذه الوقائع في حدّتها ولا في سياقاتها؛ بعضها أقرب إلى الدعابة الثقيلة، وبعضها تصريح فجّ، وبعضها موقف ثقافي معلن، لكنها جميعًا تكشف، بدرجات متفاوتة، عن صورة كامنة للخليج بوصفه مالًا ونفطًا قبل أن يكون مجتمعًا وثقافةً وتاريخًا.

لماذا أهل النفط؟ هذا السؤال الوجودي الأخير من سلوى بكر واجهه اليحيائي في ختام مداخلته بسؤال آخر: «ما الذي فعله أهل الخليج من أخطاء حتى يُنظر إليهم بهذه الطريقة؟»، وفي محاولة من ميساء الخواجه للإجابة عن هذا السؤال قالت إن صورة استعلائية تشكلت لدى العرب عن الخليج، تختلف عن الاستشراق في أنها ليست بالضرورة محاولة لفرض هيمنة سياسية، كما هي حالة الدول الغربية تجاه الشرق، بل إن إخوتنا العرب ينظرون إلى الخليج باعتباره قوة اقتصادية فقط. وربما كان ذنب الخليجيين، تضيف الخواجه، أنهم جاءوا من منطقة نفطية، وأن الاقتصاد كان محركًا أساسيًا في تغيير التعليم والمناهج والفكر. وبقي الخليجي في المخيال العربي هو البدوي، والصحراء، والنفط، والمال، مع أن الخليج ليس كتلة واحدة، ومصطلح «دول الخليج العربي» تقسيم سياسي يشير غالبًا إلى دول مجلس التعاون الخليجي، لكنه يتناسى أن ثمة اختلافات ثقافية واجتماعية جوهرية بين دولة خليجية وأخرى. هناك مناطق في الخليج على سبيل المثال لا يمكن وصفها بأنها ثقافة صحراوية مائة في المائة. ومن هنا يصار إلى تنميط الخليج اقتصاديًا، ثم ثقافيًا وفكريًا، باعتباره غير قادر على الإنتاج الثقافي والإبداعي. لذلك يأتي الاندهاش: كيف يكتب كاتب خليجي؟ وكيف يحصل على جائزة مرموقة؟

هذه النظرة الضيقة إلى الشخصية الخليجية تعود، حسب الإعلامي العراقي سلام مسافر، إلى تيارين في العالم العربي: التيار القومي العربي، والتيار الشيوعي الماركسي. كلاهما نظر إلى منطقة الخليج بوصفها مستعمرات بريطانية أو أمريكية. وقد جعلت هذه النظرة المثقف العربي المنحاز للفكر القومي أو اليساري يتعامل مع الخليج بحساسية لا معنى لها، حسب قوله. وفي الحقيقة، فإن سلام مسافر نفسه وقع - للأسف الشديد - في النظرة الضيقة نفسها التي انتقدها، فهو يرى أن من أسباب عدم الفهم في العالم العربي لبلدان الخليج طبيعة بعض الأنظمة الخليجية المحافظة و«المتشددة»، التي لم تكن منفتحة - حسب رأيه - بالقدر نفسه الذي عرفته بلاد الشام أو العراق أو مصر أو شمال أفريقيا. إنه يربط الانفتاح والانغلاق بنظام الحكم (ملكي في الخليج فهو منغلق، وجمهوري في دول عربية أخرى فهي منفتحة!!) رغم أن الصورة أكثر عمقًا من هذا الاختزال الذي لا يخلو هو نفسه من أثر الاستخلاج. فثورات الربيع العربي على سبيل المثال قامت ضد أنظمة جمهورية أكثر مما قامت على أنظمة ملكية، وهو نفسه يعترف أن كثيرًا من المثقفين والأدباء العرب من العراق وسوريا ومصر وغيرها وجدوا في بلدان الخليج ملاذات آمنة هربًا من أنظمة القمع، هذا عدا اعترافه بأنه «لا يمكن إنكار أن الخليج قدّم الكثير للثقافة العربية». النقطة الأخرى أنه حين شرع يعدد الحركات الوطنية في الخليج، ذكرها بانتقائية لافتة، وحين نبهه أحد المتداخلين إلى حركة وطنية استمرت سنوات طويلة وقدمت شهداء وتضحيات، أصر على تجاهلها مختزلا إياها في أفراد خرجوا منها مبكرًا وانضموا إلى سلطة الدولة.

وإذن؛ ما الذي فعله أهل الخليج حتى يواجهوا بنظرة «الاستخلاج»؟ مؤكد أنه ليس النفط وحده السبب. فهناك دول عربية تسبح على بحيرات من النفط أيضًا. هذا ما أكده إبراهيم المليفي رئيس تحرير مجلة العربي الكويتية، الذي رأى أن جزءًا من حساسية النظرة إلى الخليج يعود إلى أن هذه الدول حققت قفزتها الحديثة في زمن قصير، ومن نقطة مؤسسية متأخرة قياسًا بالمراكز العربية التقليدية. وقد أحببتُ إشارته إلى أن مصطلح «الاستخلاج» خرج من عُمان، «من أكثر الدول الخليجية ميلًا إلى عدم الانجرار إلى الصراعات والمهاترات». كأنه يقول: لا يغرّنكم هدوؤنا وصمتنا، فنحن قادرون على قراءتكم وفهمكم جيدا.

هناك أصوات كثيرة في العالم العربي، وحتى في الخليج، تطالب دول الخليج بإنهاء وجود القواعد العسكرية الأجنبية. ولا أظن مثقفًا حرًّا، خليجيًّا كان أو عربيًّا، إلا مع هذا المطلب، لكن محمد اليحيائي يضيف إليه مطلبًا آخر ذا مغزى، ولا يقل عنه أهمية، حسب تعبيره: على دول الخليج أن تتخلص أيضًا من «القواعد الأجنبية» المرتبطة بالتعليم والبحث والإعلام، سواء كانت أجنبية عربية أو غير عربية، وأن تفسح المجال أمام النخب المحلية لتنهض بدورها. وهو بذلك يوحي ضمنًا أن ثمة عربًا يمارسون الاستخلاج في عقر دار الخليج، من خلال مناصبهم العليا في المؤسسات الإعلامية أو الأكاديمية أو البحثية، وأن المطالبة بإنهاء وجود القواعد العسكرية، لا تكتمل إلا بمطالبة مماثلة بإنهاء هيمنة «القواعد المعرفية».

في الختام، لا يسعني القول إلا أن خطورة «الاستخلاج» لا تكمن فقط في أنه يسيء إلى صورة الخليج في مرآة الآخرين، بل في أنه قد يدفع الخليجيين أنفسهم إلى تعريف ذواتهم عبر ردّ الفعل. لذلك لا يكفي أن نفضح النظرة المتعالية، بل أن نبني معرفة خليجية بذاتها، أكثر ثقةً واتساعًا وعدلًا، لا تردّ التنميط بتنميط مضاد، ولا تستبدل مركزيةً قديمةً بمركزية جديدة.