عمان الثقافي

من الغزو إلى الهزيمة.. تجليات الاحتلال البرتغالي في القصيدة العمانية

 

حسن المطروشي -

رافق الشعر العماني عبر مسيرته التاريخية المديدة. وقد دوّن الشعراء الكثير من الوقائع وسردوا الكثير من الأحداث المفصلية التي مرت بها عُمان في عصورها المختلفة. وتحفل الذاكرة العمانية بقدر كبير مما يُعرف بشعر الحرب، الذي يوثق للمعارك والحروب والصراعات الدامية التي شهدتها البلاد، سواء الداخلية منها أو تلك التي تكون في مواجهة الأعداء والغزاة القادمين من الخارج. يقول الدكتور عيسى بن محمد السليماني في كتابه (شعر الحرب: قراءة في القصيدة العمانية أيام دولة اليعاربة): «إن هذا النوع من الشعر يستحق الاهتمام؛ لكونه يمس التاريخ والاجتماع والنفس والثقافة والهوية، فهو في النهاية تجربة إنسانية، جاء نتيجة معاناة وتفاعل مع الحدث؛ خاصة كونه يتعلق بمصیر عزة الوطن والمواطن».

من الأحداث التاريخية الكبيرة التي مرت على عُمان مأساة الغزو البرتغالي الذي جثم على صدر المناطق العمانية الساحلية مدة 147 عاما، عانى منه العمانيون الويلات وتعرضوا لأشد أنواع العذاب والتنكيل في أبشع صوره الوحشية، باعتراف ما وثقه الغزاة بأنفسهم في مخاطباتهم ووثائقهم ومذكراتهم التي باتت معروفة لدى الجميع.

ورغم أهمية الحدث فإن المصادر التاريخية العمانية تكاد تخلو من ذكر هذا الاحتلال البغيض، إلا النزر اليسير، حتى جاء العصر الحديث وبدأ الباحثون ينبشون في صحائف التاريخ مجددا لكي يحكوا السردية المفجعة بكل تفاصيلها المروعة. وقد تعددت التفاسير حول هذا الإغفال من جانب المؤرخ العماني لحدث مفصلي كهذا. ولئن كنا هنا نبحث في الجانب الشعري وتناوله لهذا الحدث، فإنه من الجيد ذكر بعض الأسباب التي ساقها الباحثون لهذه الظاهرة، إذ إن الشعر جزء من منظومة النتاج الفكري والأدبي للمرحلة برمتها التي تتزامن مع أواخر سنوات دولة النباهنة وبداية دولة اليعاربة، خاصة وأن عصر النباهنة قد شهد نهضة شعرية كبرى. يقول الدكتور عبدالله بن ناصر الحارثي في كتابه (عمان في عصر بني نبهان): «قرَّب ملوك بني نبهان الشعراء إليهم وأغدقوا عليهم الأموال لكي يمجدوهم بالمدح والثناء، فتقاطر عليهم الشعراء من مختلف مناطق عُمان، وإن كنا لا نعلم منهم إلا أصحاب الدواوين المشهورين. ولذا عد عصرهم العصر الذهبي للشعر والشعراء».

وتتعدد النظريات والفرضيات لدى الباحثين حول غياب التدوين التاريخي لذلك العصر. وفي هذا السياق يقول الدكتور عبدالله الحارثي (باختصار): «أما الذين دونوا التاريخ العُماني ومعظمهم من العُمانيين أنفسهم فكان المفروض أن يتبعوا منهجا أكثر توسعا وتفصيلا في علاجهم لتاريخ عُمان لكن يبدو أن هدفهم الأساسي لم يكن تدوين أحداث التاريخ بقدر ما كان رغبتهم في تدوين سير العلماء والأئمة الذين تمت مبايعتهم في عُمان.. ولما كانت أغلبية هؤلاء الكتّاب من العلماء الفقهاء الموالين للأئمة، فإنـهم لم يعنوا بسير مَن تولى حكم عُمان من غير أولئك الأئمة؛ حيث اعتبروهم جبابرة وطغاة لا تستحق عصورهم التدوين والتسجيل وتنطبق هذه الصفة على بني نبهان أنهم كانوا ملوكا وليسوا أئمة ولذا وصفوهم بالطغاة والجبابرة».

أما الدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسي فتقول في كتابها (العصر الذهبي للشعر العماني: دولة النباهنة): «وإذا أردنا أن نجمل الأسباب لضياع تاريخ النباهنة، فإننا نلخصه فيما يلي:

1 ـ إحجام المؤرخين العمانيين عن تسجيله.

2 ـ حرق الكتب، وتلك عملية كانت منتشرة إما بسبب الغزو الداخلي أو الخارجي، أو بسبب طمس ملامح العصر بعد أن انتهی، وعادت السلطة إلى الإمامة».

أما فيما يتعلق بعدم الكتابة عن الاحتلال البرتغالي تحديدا فيطرح الباحث نصر البوسعيدي في كتابه (حكايات من تاريخ الاستعمار البرتغالي الإسباني في عمان) رؤية جديدة يلخصها قائلا: «أعتقد من وجهة نظري أن هناك توجها دينيا مقرونا بفتوى مفادها عدم الكتابة عن هذا الاستعمار وطمسه كليًّا مثلما فعل الكثير من المؤرخين العمانيين القدامى في طمس معالم وهوية دولة النباهنة».

ولعلنا لا نجافي الحقيقة إذا أضفنا إلى تلك الفرضيات أن المؤرخ والشاعر في الثقافة العربية كثيرا ما يجنحان إلى تخليد الوقائع المشرفة والانتصارات التي تكون جديرةً بأن تحتفظ بها ذاكرة الشعوب وتتناقلها الأجيال، فيعمدان إلى تجاهل ما يمثل هزيمة أو نقصا في مسيرة الشعوب وتاريخها. وبالتالي تضيع الحقائق، وتصل إلينا السردية ناقصة ومبتسرة، بعد أن تخضع لكثير من الصقل والتجميل.

تجليات عصر النباهنة:

بالرغم مما يقال عن عدم تدوين التاريخ وفقدان الكثير من إرث الدولة النبهانية فإن لهذا العصر الكثير من الآثار العلمية بالغة الأهمية، وقد شهد ظهور علماء وأسر علمية مهمة كمثل أسرة آل مداد وأسرة آل مفرج وأسرة الهاشميين التي برعت في علوم الطب. وقد سجلت اليونسكو رمزين عمانيين من العصر النبهاني في قائمة الشخصيات المؤثرة عالميا وهما الملاح الشهير أحمد بن ماجد والطبيب والشاعر راشد بن عميرة. كما برز في تلك الحقبة عدد من الشعراء الكبار أمثل الستالي واللواح الخروصي والكيذاوي والسلطان الشاعر سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني وغيرهم من فحول الشعر ورموزه الخالدة في الذاكرة العمانية.

ورغم أن أحمد بن ماجد السعدي لم يكن شاعرا بالمعني الحرفي، إلا إنه كان يدون أفكاره وعلومه في هيئة أراجيز ومنظومات تندرج تحت ما يطلق عليه النظم الشعري، رغم أنه كان يخلط بين الفصحى والعامية في كثير من مناظيمه العلمية، وبغض النظر عن السجال القائم حول إذا ما كان هو من دل البرتغاليين على اكتشاف رأس الرجاء الصالح إلى سواحل الهند أم كان ذلك ملاحا آخر، فإن الثابت أن أول إشارة للبرتغاليين في النص الشعري العماني وردت في أرجوزته المسماة (السفالية) من كتاب (ثلاث أزهار في معرفة البحار)، وهو يطلق على البرتغاليين اسم الإفرنج. يقول ابن ماجد في بعض أبيات القصيدة التي سرد فيها الكثير عن البرتغاليين ووحشيتهم وممارساتهم التي شاهدها ووثقها وفضحها بكل جرأة وشجاعة:

وجاء لكاليكوت خذ ذي الفايدة

لعام تسعماية وست زايدة

وباع فيها واشترى وحكما

والسامري برطله وظلما

وسار فيها مبغض الإسلام

والناس في خوف واهتمام

وانقطع المكي عن أرض السامري

وشد (جردفون) للمسافري

وخبرني ما حمله الفرنجي

من جاب السودان شط اللجي

وهو الذي قد قهر المغاربة

وأندلس في حكمه مناسبة

وآخر الإفرنج للشمالِ

جزر كثير وهم له موالي

وبعد أن ذكر تلك الجزر التي تقع تحت سيطرة الإفرنج في الشمال طفق يذكر جزرا أخرى من جهة المغيب أيضا فقال:

وآخر الإفرنح للمغيبِ

أربع جزاير هن يا حبيبي

يقول الدكتور أ. أولدروجي في مقدمة كتاب (ثلاث أزهار في معرفة البحار) لأحمد بن ماجد: «وكان قدر ابن ماجد تراجيديا. فقد كان شاهدا على ما قام به البرتغاليون من إفناء للسلاطين العرب في شرق إفريقيا وتدعيم قبضتهم على الهند وإندونيسيا».

أما ما عدى ما ورد في أراجيز أحمد بن ماجد فلم نقف في الشعر العماني في عصر النباهنة على ذكر للبرتغاليين رغم أن اثنين من أبرز شعراء المرحلة قد عايشوا فترة الاحتلال وهما اللواح والكيذاوي. وهذا يذكرنا بموقف المؤرخين وفقا لما أشرنا إليه آنفا. وقد كان الشاعر منشغلا بهمومه الخاصة وأحوال الحكام والصراعات الداخلية. ومثال ذلك ما أورده الدكتور محمد بن سعيد الحجري معلقا على قصيدة للشاعر السلطان سليمان النبهاني التي يقول فيها:

وكـم وقعـة مشـهورة قد شـهدتها

يقصـر فيهـا المـرء عن فعلاتـي

فلا جيـش للأعـداء إلا هزمتـه

ولا قِطـَر إلا جستُ بالغــزوات

ولو شئت كفَانـي وزيـرٌ وخـادمٌ

ولم ألقِ نفسي في يد الهلكات

ولكن نفسي مرةُ ليس ترتضي

سـوى بيعها في الحمـد والغمرات يقول محمد الحجري: «وهـذا المقطع الرائـع الممـلـوء بالصـور الفنيـة المتحركـة الـذي جـاء فـي سياق الفخـر کمعظم شـعر النبهانـي، يمثـل شـعر الحـروب على عهـد النبهانة الـذي يضخـم معارکه الصغيرة ويفاخر بهـا، وقـد لا يكـون العـدو فيها إلا زعيماً قبلياً منافسا أو شيخ قبيلة متمـرداً أو أخـاً لـه ينازعـه مملكته أو بلدته».

من جهته يؤكد الدكتور هلال الحجري هذه الحقيقة في بحث له باللغة الإنجليزية بعنوان (الاحتلال البرتغالي في الأدب العماني: صورة الهوية الوطنية والمقاومة) قائلا: «وعند مطالعة الدواوين الشعرية الكبرى في تلك الفترة نجدها مليئة بالمدائح، دون أية إشارة إلى البرتغاليين أو إلى عنفهم في المدن الساحلية العمانية».

ويضيف هلال الحجري إن: «أبرز شاعرين عاصرا تلك الأحداث قبل اندلاع الثورة وحرب التحرير هما اللواح الخروصي (1489–1573) والكيذاوي (1514–1575 تقريبًا). ومع ذلك، فإن اللواح الخروصي، رغم ضخامة ديوانه، لم يتناول جرائم البرتغاليين ضد المدنيين في قريات ومسقط، بل انشغل بالقصائد الدينية والمذهبية. أما الكيذاوي فقد تجاهل أيضًا موضوع الاحتلال البرتغالي وانصرف إلى مدح ملوك وأمراء دولة النباهنة، مستفيدًا من شعره إلى حد التملق».

ونستطيع هنا أن نقول إن موقف الشاعر في تلك المرحلة لم يكن أفضل حالا من المؤرخ، إذ اتفق كلاهما على غض النظر عن ذلك الجرح النازف في خاصرة الوطن، الذي يرزح تحت وطأة المستعمر المتوحش، فكان كل من المؤرخ والشاعر يغرد في فضائه الخاص.

تجليات عصر اليعاربة:

شهد الشعر في دولة اليعاربة تحولا واضحا نحو الاهتمام بتوثيق الوقائع والأحداث الحربية وتدوين الانتصارات، ما يعزز وجهة نظرنا بأن الشاعر والمؤرخ العماني كان ينأى عن توثيق الهزائم ويتركها للنسيان، في حين يوثق منجزات شعبه من الانتصارات والأيام المشهودة لكي يحفظها في سجل الزمن. ولئن كان الشعر في هذه المرحلة لم يبلغ الشأو الذي بلغ إليه في المرحلة النبهانية، إلا إنها برز فيها عدد كبير من الشعراء أمثال ابن قيصر والحبسي وخلف ابن سنان والمعولي والغشري والفزاري وغيرهم.

يقول الدكتور عيسى السليماني: «لقد جسد شعراء هذه الفترة صورة الحرب من خلال ما رسموه في منظوماتهم الشعرية، من جراء تفاعلهم مع الحدث، مشاركة أو مشاهدة أو سماعا، وذلك بارز في الصور التي جاءت بها رؤيتهم الشعرية» ويؤكد الدكتور محمد الحجري ذلك واصفا العصر اليعربي بأنه: «كان مرحلة ازدهار كبير لشعر الجهاد والحروب، حين توفرت له مادة غزيرة في غزوات اليعاربة الداخلية التي اشتغلوا فيها بتوحيد البلاد وتصفية الانشقاقات، أو الخارجية في النضال ضد البرتغاليين المسيطرين على مدن الساحل العماني.

ولكن ثمة ملاحظة يتعين الوقوف عندها، وهي أن الشعراء في الأغلب لم يخصصوا نصوصا مستقلة لتوثيق الجهاد العماني ضد المحتل البرتغالي، وإنما جاء ذلك في ثنايا نصوص المديح للأئمة، تلك النصوص التي كانت تصف سجايا الأئمة وتصور بطولاتهم وصولاتهم وثباتهم في ميادين القتال، وتهنئهم بالنصر على الأعداء. ورغم ذلك فإن تلك النصوص فيها كم هائل من المعلومات عن الأئمة والجيوش والأحداث والأماكن المحررة وتفاصيل المعارك ونهاياتها المؤزرة بالنصر المبين ضد البرتغاليين الذين يرد ذكرهم بالنصارى والإفرنج وأحيانا بني الأصفر.

ولا ريب أن تأتي قصائد الشعراء نابضة بالحياة والصدق، وما يجعلها وثائق حقيقية على الأحداث هو أن هؤلاء الشعراء لم يكتبوا مجرد مسايرة للأحداث وركوبا على الموجة، وإنما عن معايشة للأحداث، فهم كانوا قريبين من بيت الإمامة متابعين لسيرورة التاريخ قريبين من الأئمة، كان بعضهم يعيش في كنف الإمام مثل الحبسي، فيما تولى بعضهم منصب الولاة والقضاء مثل خلف ابن سنان والفزاري والصارمي الذي ثبت في قصيدته الشهيرة أنه شارك في الفتوحات محاربا.

ابن قيصر: تعد سيرة الإمام ناصر بن مرشد لعبدالله بن خلفان بن قيصر الصحاري أولى النصوص والوثائق التاريخية التي وردتنا من بواكير نشأة دولة اليعاربة. وهي تمزج بين النثر والنظم الشعري، إذ يسرد ابن قيصر الحوادث سردا نثريا ثم يعبقها بنص شعري حول الواقعة ذاتها. ولكن ما يؤخذ علی کتاب ابن قيصر وفقا لما يوضحه عبدالمجيد القيسي قي تقديمه للكتاب: «أنه لم يتطرق إلا لماما إلى ذكر حروب الإمام ناصر ضد البرتغاليين وهو في هذا يتبع سبيل کتب التاريخ العمانية التي لم تكن تعنی بالوقائع الداخلية، ولعل لهذه السير سبباً خاصاً هو أن وقائع الإمام ضد البرتغاليين، جرت في أخريات أيام حياته أي في الفترة التي أهمل ابن قيصر تدوينها». ومن الانتصارات التي ذكرها ابن قيصر انتصار الإمام ناصر بن مرشد على البرتغاليين في صحار وصور ومسقط ودبا ومن أمثلة ذلك قوله:

بأرض دبـا لقد وقعـت حـروب

تكـاد لهـا الـصـيـاخـذ أن تليینا

لـقـد قـدت بـهـا هـامـات قـوم

وأودوا في الـضـريح ملحدينا

وكـان الـنـصر لـلإسلام فيها

عـلى قـوم الـنـصاری المعتدينا

فأصبـحت الـبـلاد ومـن عليها

لـنـاصر بن مرشد خاضعينا

الحبسي: أما الشاعر راشد الحبسي الذي يعده الباحثون شاعر الدولة اليعربية بلا منازع، فله قصائد كثيرة تحفل بمديح أئمة اليعاربة وتسجل بطولاتهم وانتصاراتهم في دحر المحتل البرتغالي. بل إن للحبسي قصيدة يوثق فيها أعداد الخيول التي يملكها الإمام قيد الأرض وتعرف بالقصيدة الخيلية. وفي هذا السياق يقول السالمي في (تحفة الأعيان): «وللحبسي هذا مدائح في الإمام بلعرب وله فيه رثاء، وكذلك له مدائح في غيره من أئمة اليعاربة من بعد هذا الإمام، وله مدائح في محمد بن ناصر الغافري، وفي بعض قضاة الأئمة وولاتهم، وله مدائح نبوية على عدد حروف المعجم». يقول الحبسي مؤرخا لانتصار الإمام سلطان بن سيف اليعربي على البرتغاليين في معركة البحرين وتحريرها منهم:

وليلة سـعـد مزّق الـسيـف ثـوبـهـا

كأن دجـاهـا بـالـسيـوف نـهـار

تزاحـمـت الأبـطـال فيـهـا سـحـائـبـا

مـن الـحـرب حـمـرا حـشـوهـن غـبـار

كأن يـحـامـيـم الـعـجـاجـة عـارض

تلامـع فـيـه كـالـبـروق شـفـار

فمـا زالـت الـهـيـجـاء حـتـى تـفـرقـوا

ولكـن عـرتـهـم ذلـة وفــرار

وقـد صـارت البحـريـن في مـلـك سيد

ـريـم زكـا فـرع لـه ونـجـار

سـلالـة سـيـف نـجـل سـلـطـان الـذي

لنـا أمـنت ســوح بـه وقـفـار

ابن سنان: ومن المصادر الشعرية المهمة للبحث في عصر الدولة اليعربية تجربة الشاعر والفقيه خلف بن سنان الغافري، الذي تشير المصادر التاريخية أن عمّر طويلا وعاصر عددا من أئمة هذا العصر ومدحهم مثل ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف وولديه بلعرب وسيف وسلطان بن سيف الثاني.

يقول جامع ديوان ابن سنان الشيخ سيف بن حمود البطاشي عن الديوان: «إلا أن عملي الذي أحاوله في هذا هو أن لا أستوعب نقل جميع أشعاره التي اطلعت عليها، وإنما أقتصر على ذكر الأكثر ملاءمة لمقصدي من مقطوعات وقصائد، وخاصة فيما لها علاقة بالتاريخ، كالتي في مدائح أئمة اليعاربة ووقائعهم وفتوحاتهم ...الخ». يقول خلف بن سنان واصفا فتوحات الإمام سلطان بن سيف:

سمـا لك الـنصـر والـتأيـيد والـظـفـر

ونـال مـنـك الـعـداة الـنـاب والـظفر

وأقبلـت نـحـوك البشـرى بـفـتـح هـدی

لـمـثـلـه قـبـلـ لمـا يـهـتـدي الـبـشـر

فتـح مـبـيـن أبـان الله شـهـرتـه

فعـامـنـا لـحـبـور عـمـنـا شـهـر

سـرت بـه أنـفـس الإسلام وارتـفـعـت

لهـا بـه فوق أطـبـاق الـعـلا سـرر

ويح النصـاری حماة الشرك مـن شـرك

لم يـحـمـهـم مـنـه أنـصـار لـو انـتـصـروا

الفزاري: المتصفح لمدونة الشعر العماني في عصر اليعاربة يتوقف أيضا عن تجربة الشاعر بشير بن عامر الفزاري، الذي كان له إسهامه البارز أيضا في توثيق جانب كبير من أحداث العصر، وله مدائح بديعة تدور أغلبها حول الإمام سلطان بن سيف وولديه بلعرب وسيف. يقول الشيح مهنا بن خلفان الخروصي في مقدمته لديوان الفزاري الذي قام بتحقيقه: «وأجل شعر الفزاري في ديوانه هذا، مدح الأئمة المذكورين من الدولة اليعربية ۔ الذين أشرنا إليهم ۔ وإلى فترة حكمهم، وقد أشاد بمدحهم لما لهم عليه من فضل، ولما لهم من محاسن ومفاخر، وذكر فتوحاتهم ومطاردتهم للاستعمار البرتغالي، ولم يترك من مناقبهم شيئا إلا وأتى به في مدائحه لهم». من أمثلة ذلك قوله:

نصر مـن الله الـعـزيـز لـعـبده

سيف بن سلطان الـكـريـم ومـفـخـر

يا مـعـشـر الإفـرنـج كـم مـن قـلـعة

لكـم تـقـرّط بـالـظُّبـى وتــسوّرُ

صـال الإمـام عـلـيـكـم فـابـتـزهـا

مـنـكـم وأعـيـنـكـم إلـيـهـا تـنـظر

لـم يـحـتـكـم منـه حسام أبـيـض

يومـا، ولا رمح هـنـالـك أسـمـر

الصارمي: تورد المصادر قصيدة مختلفة عن سابقاتها في هذا الشأن، وهي للشاعر والفقيه والوالي محمد بن مسعود الصارمي الذي يجسد صورة الشاعر الفارس. جاء في الموسوعة العمانية أنه: «يلقب بصاحب عين السـواد. تقلد منصب الولاية على مسـقط في زمن الإمام سـلطان بن سيف بن مالـك اليعربـي (حكـم: ١٠٥٩ - ۱٠٩۰هـ ١٤٩ - ١٦٨٠ م)، إضـافـة إلى دوره العسـكري في قيادة الجيـش العُماني الذي خرج من الهنـد متوجها إلى بتة في شرق إفريقيا لمحاربة البرتغاليين، وكان ذلك أيضًا في زمن الإمـام سـلطان، وانتهـت المعـركـة بانتصار العمانيين، وقد أرّخ الصارمـي هذه المعركة في قصيدة ذات قافيـة حائية ساكنة، قيد فيها سير الجيش من تحركه حتى بلوغـه أرض الغزو لأداء مهمته».

قال الخصيبي في شقائق النعمان واصفا القصيدة: «وهي رائقة جدا كما تراها»، ويقول الدكتور محمد الحجري عن القصيدة: «والقصيدة فريدة في بنيتها ومضمونها فقد نظمها على قافية حائيـة ساكنة، تظهر فيها جليا سهولة اللغة، ذات إيقاع يناسب حركة الموقف، وجعـل مطلعهـا ملائما لغرضهـا رغـم غـزليتـه ورقتـه، فذكـر وداع نسـائه وأحبائه وهـو يغـادر إلى الحرب، فيما يشبه القصة منذ تحرکه وحتی بلوغه أرض الغزو لأداء مهمته، وكأنها تقرير حربي أراد له أن يكـون شـعرا.» يقول الصارمي في مطلع هذه القصيدة:

كشفن عن تلك الوجوه الصباحْ

إذ زمّتِ العيس ليوم المراحْ

وجئن يختلن يعاتبنني

يبسمن عن درٍّ كلون الأقاحْ

خامرهن الشك في عزمتي

فقلن جَدٌّ منك أم ذا مزاحْ

ويقول الدكتور د. سالم بن سعيد البوسعيدي في مقال له بعنوان (الصارمي: شاعر الحماسة والفتوحات): ونلاحظ أنه ابتدأ النص في وصف وداع أحبته، فنراه يصف لحظات وداع أحبته يوم رحيله (لتحرير بته)، فقد كشفن وجوههن وعاتبنه على عزمه الرحيل، وهن لا يزلن غير موقنات أنه سيرحل، حتى إذا قرّب ناقته وحمل سلاحه، صافحنه دون كلام ودموعهن سواكب، وحين ركب ناقته عدن خائبات حزينات، ليقول لهن لكل ليل صباح ولكل غائب عودة، ثم ذكر شوقه إلى عمان». ويواصل الشاعر تسجيل وقائع المعركة حتى تحقق النصر:

فانهزم الإفرنج من بتة

بالذل والخزي وبالافتضاح

ولا يفوت الشاعر في ختام القصيدة أن يتوجه بالثناء والمديح للإمام سلطان بن سيف اليعربي، صاحب العزيمة والعدل والإقدام، مختتما القصيدة بالدعاء له ولولديه.

حضور بعد غياب

ليس من الصعب على المطلع على منجز الشعر العماني في الدولتين النبهانية واليعربية أن يؤكد بما لا يضع مجالا للشك، بأن شعر الدولة النبهانية تجاهل واقعة الغزو البرتغالي لعمان، رغم التطور الذي وصل إليه الشعر في ذلك العصر، وعلى النقيض من ذلك نجد الشعر في المرحلة اليعربية يزخر بأخبار هذا الغزو، ويسجل انتصارات الجيوش ويواكب حراك التحرر في المدن الساحلية التي ضربت أروع أمثلة الكفاح من أجل الجرية، كما يسجل مناقب القادة وما بذلوه من أجل توحيد الوطن ورص الصفوف في وجه الغزاة.  

حسن المطروشي شاعر عماني