عمان الثقافي

ستّ شخصيات تبحث عن مؤلف

 

ماريا ثامبرانو / ترجمة: حسني مليطات 

(1)

إنَّ الشاعر، المبدع بكل ما تحمله الكلمة من معنى، هو وحده الذي استطاع أن يمتلك عالمًا حقيقيًا وخاصًا به. فالشخصيات، والأحداث، والمشاهد الطبيعية، وشيء من الجو العام الذي نجده في الحياة الواقعية، والتي لولا الظل الكاشف لـ«مؤلفها»، لمرّت من أمام أنظارنا دون أن تترك أثرًا، أو انطباعًا غامضًا عن شيء غير مفهوم، تمامًا مثل الكثير من الإيماءات، والوجوه، التي لم تجد حتى الآن مؤلفها، الذي يقودها إلى “الوجود” الكامل. ولذلك، فإنّ من يحيا لا يكتفي بأن يكون موجودًا، لمجرد الوجود، بل هو بحاجة إلى “الوجود”، حتى يكون حقيقيًا؛ بأنْ يتميّز عن الآخرين بسماته المميزة، وأن يكشف، بكل وضوح، عن جوهره، ويُعرّف نفسه تعريفًا تامًا.

ولكي يتحقق ذلك، لا بُدّ من «وعي» يلتقط الشخصية التي تتجول هائمة في المدينة، وهي مثقلة بعبء حياتها المبهمة، الحياة التي لا يراها أحد. ومن بين كل أشكال القلق التي تُثقل كاهل الإنسان، وأشدها خنقًا، الشعور بأنه لا يُرى، ولا يُسمع. وأن يُرى، شرط أساسي ليرى نفسه. نحن نرى أنفسنا في الآخر، ولكن عندما يلتقطُ أحدٌ حكايتنا: حكاية أحزاننا، وأفراحنا، وإخفاقاتنا، نعرف حينها أنفسنا. فكيف لنا أنْ نعرف أنفسنا إن لم يعرفنا أحد؟

وكيف لنا أنْ نعرف ما يحيط بنا، والحياة اليومية التي تمضي بمحاذاتنا، أو المتغلغة فينا، بوسائلنا التخيلية المحدودة؟ يقول الشاعر أنطونيو ماتشادو: «يكذب المرء أكثر مما ينبغي؛ بسبب نقص في الخيال/ والحقيقة تُخترع».

إنّ المُخترعين الكبار لـحقيقة الحياة هم الشعراء، الذين بلغوا مرتبة المؤلفين. هم مَنْ يجعلوننا نقول: “يبدو كأنّه شخصية.....” أو “إن هذا الصراع مأخوذ من مسرحية، أو من رواية لـ ......”.

وهكذا، نصل إلى إدراك حقيقة الحياة تحت نوع من الفئات. تبقى أعمال المؤلفين، الكامنة في أعلى درجات الإبداع، راسخة في أذهاننا مثل المخططات الأساسية التي تجعلنا نُدرك الحقيقة الأكثر حيوية، حقيقة الصراعات المحيطة بنا، صراعاتنا نحن أنفسنا. وهذه تُمثّل الأسس الأولية/القَبلية لوجودنا، وإدراكنا، وفهمنا.

من بين عدد لا يُحصى من المؤلفين الذين يملؤون صفحات كتب تاريخ الأدب، قليلون هم مَنْ يصلون إلى العالمية، من أولئك الذين تصبح أعمالهم، إلى جانب كونها مصدر متعة، أدواتٍ، وطرائق للمعرفة، ورموزًا وتجسيدًا لعصر، وأحيانًا لشعب كامل، وللحظة في تاريخ مجتمع ما. تبرز سمتان في أعمال هؤلاء المؤلفين العظام، هما: الاستحالة؛ ذلك النوع من الحضور الدائم الذي، كما يقول فلوبير -ويبدو أنه تعلم ذلك من ثربانتس- يكون فيه المؤلف حاضرًا في كل مكان من دون الظهور في أي موضع؛ فبدل أن نصطدم بالمؤلف مباشرة، ندخل إلى “عالمه الخاص”، كما لو أنه “الواقع الحي” الأكثر وضوحًا من الواقع الذي يحيط بنا.

ومن السمات الأخرى لهذه الأعمال الكلاسيكية الحقيقية أنه مهما بلغ إلمامنا بها، حتى لو بلغنا حدّ المعرفة التحليلية التي استنفذت العمل، يبقى فيها عمق من الغموض. فالشخصيات، مهما كانت محددة المعالم، لا تتحول أبدًا إلى مخططات جامدة، ولا إلى مفاهيم ثابتة، بل تبدو وكأنها تتغير وتتجدد باستمرار، كما لو أنّ سر التنفس، ورمز الحياة، يكمنان فيها.

وهكذا هو ثربانتس -وليس كالديرون على الرغم من عظمته، وقوة أثره، ووضوحه- المؤلف الذي يُعدّ، من بين الجميع، مؤلف الحياة الإسبانية. فعالم ثربانتس كلّه نابض بالحياة، و”دون كيخوته” هو بطل حقيقي، أكثر من سيغيسموندو العقلاني في مسرحية “إنما الحياة حلم”. في المقابل، فإنّ حججه وجيهة، بل إنّ فيها من الحياة أكثر من الشخصية نفسها. وبالتالي، يبدو، من المناسب، أن يكون كالديرون لاهوتيًا.

يتمتع هؤلاء المؤلفون بميزة الحفاظ على غموض مخلوقاتهم، مع جعلها عالمية في الوقت نفسه. فهم يجسدون أكثر جوانب الحياة حميميةً وقربًا إلى البشر، ليستمر وجودهم عبر العصور. ولا يُصنّفُ المرء ضمن هذه الفئة لمجرد وجود مزايا أدبية أكبر؛ فالأمر لا يتعلق بكونه كاتبًا ناجحًا، بل بأن «يكون» أو «لا يكون».

يُعتبر لويجي براندتيلو، من دون شك، أحد الكلاسيكيين، ومن أولئك المؤلفين الذين يبدعون عالمًا جامعًا بين الخصوصية والعالمية. ويتجلى ذلك عند التعرّف إلى حياة الشعب الإيطالي، لا سيما عند استشعار تفاصيل الحياة اليومية في “روما”، المدينة التي عانى فيها لسنوات طويلة، وكتب فيها معظم أعماله، إن لم يكن جميعها. وهو صقلي من مدينة أغريجنتو، وبالتالي، هو من نفس موطِن إمبادوقليس، الفيلسوف الأكثر تراجيدية في العصور القديمة. ولا يُعبِّرُ براندتيلو عن تراجيديا الحياة في أعماله الدرامية فقط، بل في قصصه التي يبلغ عددها 370 قصةً.

عاش براندتيلو في روما، ودرّس اللغة اليونانية لطلبة الثانوية العليا، وكان هذا العمل هو الاتصال الوحيد له بالعالم الخارجي. وكان بعد دروسه، يعود إلى الانعزال في الجحيم المنزلي، حيث كانت إلهاماته المجنونة تحرسه بغيرة، وتعزله عن عالم الأحياء. وبهذه الطريقة، حقق ما بدا أنّه الشرط الأساسي لكل شاعر تراجيدي، والمُمثل بـ: النزول إلى الجحيم.

وفي هذا الجحيم المنزلي زارته شخصياته، تلك الشخصيات المشهورة في عمله المسرحي المشهور “ست شخصيات تبحث عن مؤلف”، التي بقيت تطارده، حتى اضطر إلى تجسيدها على خشبة المسرح بحياتها الخاصة، وبوصفها شخصيات لم تولد بعد ولادةٍ تامة، تلك الشخصيات التي طلبت أنْ تولد وهي تئنّ؛ فبكاؤها وارتجافها هو فعل الميلاد نفسه، ذلك البكاء الذي يرافق دخول البشر جميعهم إلى الحياة، كما لو أننا جميعنا ندخل الحياة في كرب عظيم، في كرب خالص يسبق الكلمات، ولا يمكن التعبير عنه كلّه من خلالها. ولهذا، عندما نمتلك الكلمة لا نستطيع تذكّرها. كما لو أننا عند ولوج الحياة الوعية، نترك شيئًا ما محبوسًا في أعماقنا، تلك الحياة التي تمُثّل أيضًا عالم الأحلام، المحكوم عليه بالصمت.

تنفتح للكاتب التراجيدي أبواب هذا العالم الخفي، والكامن في أعماق النفس، واللاواعي. يمتلك هذا المؤلف القدرة على إدراكه خلف القناع الذي يحمي ويقمع كل فرد في آن واحد. إنّه يشعر بصراخ هذا الواقع المسلوب، ليضطر إلى الاستجابة لمطلب ذلك الواقع الذي يتوق إلى الانكشاف.

والرجل الذي يسير وحيدًا، غير معروف للآخرين ولنفسه، هو بطل أعمال بيرانديلو جميعها، سواء التراجيدية منها -وتُعتبر مسرحية “ست شخصيات تبحث عن مؤلف” العمل التراجيدي الناجح والوحيد في الأدب الحديث- أو في أعماله المسرحية والكوميدية، أو في أعماله القصصية، أو في روايته الوحيدة الاستثنائية، الموسومة بعنوان “الراحل ماتيو باسكال”.

ومن دون مواربة، يُجسد فنّ بيرانديلو هذه التراجيديا الكونية للوحدة؛ وحدة مَنْ لا يستطيع الوجود بكامل كيانه. وهو لا يُدركُ وجوده إلا لأنه يتألم، وهذا الرجل هو “البطل”، الذي يشغل مكان الذي خرج من المسرح اليوناني، وهو واقف على الكوتورنو، والذي أصبح الآن، في عالمنا المعاصر، الذي نعيش فيه، “رجلًا عاديًا”؛ لقد أصبح رجل الشارع، الذي لا تستطيع تمييزه عن أي شخص آخر.

تكمن عظمة المؤلف التراجيدي بيرانديلو في أنْ يرى ويرسم البطل التراجيدي في الرجل الذي يسير في الشارع، ويبدو منغمسًا في مهمته، وفي شؤونه البسيطة، ليستقبل شخصيات الحكاية، الحكاية الأبدية في تراجيديا كونه إنسانًا لا أكثر، أي إنسانًا لا يحقق وجوده كاملًا.

(2)

ثمة مصادفات غريبة يمكن أن تجد تفسيرها في ضوء “نظرية الأجيال”، التي صاغها أورتيغا إي غاسيت، ولتوضيح هذه النظرية أقول: ينتمي أونامونو وبيرانديلو إلى الجيل نفسه، وكلاهما، وإنْ بدرجات متفاوتة، كانا أستاذين للغة اليونانية، وهذا هو الرابط المشترك الوحيد بينهما. ولم يجد الذين يؤمنون بمسألة العِرق، أو بمسألة العوامل البيئية، تفسيرًا لهذه المصادفة العميقة بين هذين الكاتبين، واكتشافهما المشترك الذي تمّ بشكل منفصل. فـ أونامونو رجل شماليّ، ليس من شمال إسبانيا فقط، وإنما من شمال أوروبا أيضًا. أما بيرانديلو فهو من أقصى الجنوب، من تلك الجزيرة المتوسطية: صقلية، ذات الأرض القاحلة، التي أنهكتها رياح أفريقيا، وبحر الانعكاسات التي لا حصر لها.

وقف أونامونو ضد الفلسفة، ولكن، مثل كل الذين فعلوا ذلك، انتهى به المطاف ليصبح فيلسوفًا.

وفي الوقت الذي لم يهتم به بيرانديلو في الانخراط في جدل مع أي شيء، ولم يكن ذلك الضمير المُتحمّس الذي لا يلين تجاه وطنه، فإنّ دون ميغيل كان مهتمًا بإسبانيا. إنّ شخصية أونامونو أكثر تعقيدًا، وتعددًا، مع أنها، في كل الحالات، واحدة. فهو نفسه شخصية تتجلى وُتعبّر عن ذاتها من خلال أعماله، ولا يقتصر الأمر على جنس أدبي بعينه؛ فالأمر متعلق بالوجود، بوجوده هو، ومن معه... إسبانيا، والإسبان، والشخصيات المتخيلة التي تستظل بظله كمؤلف... كالعالم كلّه.

لا يبدو أنّ بيرانديلو مستغرق في ذلك التعطش للوجود، فهو ينسى نفسه، ومنعزل في عالمه المنزلي، إذ يرى نفسه بأنه موجود فقط لاستقبال أصوات الشخصيات المتعددة التي تطرق بابه. ويُقال بأنه في إحدى الأيام، وقد أثقلته كثرة الشخصيات التي زارته، اضطر إلى تعليق لافتة على باب مكتبه، كُتب عليها، ما معناه: “يُرجى من كل الشخصيات، من جميع الأعمار والأجناس والظروف، أن تنتظر دورها، وتترك مؤلفها بهدوء وسلام في هذه الأثناء”.

تأتي كلّ الشخصيات، وهي تحمل الهمَّ نفسه، بصورة مختلفة: الالتباس الذي يبدو حاضرًا في كل وجود فردي، بلا استثناء. فالتراجيديا الكلاسيكية تُشكّلُ جوهر الالتباس، وسوء الفهم، ومثال ذلك: أوديب، الذي يقع في ما يسعى إلى تجنّبه، والذي -رغم براءته- يغدو أكثر النّاس إثمًا. لكن في ذلك الوقت، بدا الالتباس مصيرًا خاصًا بالكائنات الاستثنائية، من الناحية الشعرية، على الأقل.

كشفت الفلسفة، تدريجيًا، عن طبيعة الإنسان المُلتبسة. ومع ذلك، فإنّ القديس بولس وحده هو القائل: “لا أفعل الخير الذي أريده، بل أفعل الشر الذي لا أريده”. ويبدو أنّ تراجيديا بيرانديلو مبنية على هذا الالتباس التراجيدي؛ بسبب خطأ المرء نفسه أحيانًا، أو بسبب أخطاء الآخرين أحيانًا أخرى. البطل هو البريء المتورط دائمًا في التباس براءته، الممثل بـ “الجهل”، وفي براءة الآخرين، وفي شغف جامح، وفي التفرد الأسمى، وفي الزمن.

إنّ مجرد مرور الزمن، يكشف زيف ما كُنّا نطمح إليه، وما كُنّا عليه، وما اعتقدنا أننا كُنّا عليه. ويُعجّل بيرانديلو في الكشف عن هذه التراجيديا، وهذا الالتباس الناجم، بكل بساطة، عن خضوعنا للزمن. إلى جانب التباس آخر، يتقاطع مع ما يعتقد الآخرون أننا عليه، وما يجعلوننا عليه. ولذلك، كل إنسان، دون أن يكون بطلًا استثنائيًا، لمجرد كونه إنسانًا، يبقى وحيدًا مع ذاته، محكومًا عليه بعزلة أبدية.

يُقدّم أونامونو، بأسلوب أكثر عمقًا وتفصيلًا -وربما أكثر فلسفية-، الاكتشاف نفسه. ففي مقدمة روايته “ثلاث روايات نموذجية”، يتحدث عن خوان، الذي أنا عليه، وخوان الذي أعتقد أنني أنا عليه، وخوان الذي أنا عليه بالنسبة للآخر. وهكذا، يصبح “الآخر”، أي وجود الآخر، موضوعًا محوريًا في مخيال أونامونو.

اكتشف كلٌّ من أونامونو وبيرانديلو استقلال الشخصية عن مؤلفها. ففي عام 1924، تقريبًا، ظهرت الشخصيات الست لأول مرة، أي في الوقت نفسه الذي نُشرت فيه رواية أونامونو “الضباب”، وبين أعمال الكاتبين هناك فرق: فشخصيات بيرانديلو تُطالبُ بالوجود، بينما يُطالب بطل رواية أونامونو بتفسير لوجوده، وهذان الموقفان هما اللذان يحددان مَنْ هو الإنسان. فمَنْ منا لا يشعر باليأس، في الوقت الذي يتوق فيه إلى أن يُولدَ كاملًا، وإلى الأبد؟

ومن المؤسف أن القومية ما زالت مهيمنة على الأدب، حتى في أوروبا التي تتطلع إلى الوحدة. فلو اجتمع بيرانديلو وأونامونو، لكان بإمكانهما أن يكونا مؤلفًا واحدًا، مؤلفًا ندًا حقيقيًا وجديرًا بمنافسة كبار كُتّاب التراجيديا في العصور القديمة.

ماريا ثامبرانو كاتبة وفيلسوفة إسبانية، ولدت في مدينة ملقا، وتُعتبر من الأصوات النسوية المهمة في إسبانيا، وهي تلميدة الفيلسوف الإسباني أورتيغا إي غاسيت.

حسني مليطات أستاذ النقد والأدب المقارن المساعد في جامعة صحار