عمان الثقافي

التّوثيق من خلال الفن التّشكيلي

 

بسمة شيخو -

ما هي رسالة الفن أو ما هو هدفه أو غايته، ما المسؤوليّة التي يحملها على ظهره، هل وجود رسالة بحدّ ذاتها مهم أم فحواها هو من يحدث فرقًا، هل غياب الرّسالة يغيّر نظرتنا للعمل الفنيّ، ويرسم مسارًا محددًا للتّلقي؟

كلّ هذه التفاصيل أسئلة مشروعة للمتلقي لكنّها تلحّ على الفنان أكثر وتنقر رأسه مع بداية كلّ عمل ومع نهايته، تتباين الآراء حول هذا الموضوع وتتباعد وجهات النظّر عن بعضها بُعد السّماء عن الأرض، فهناك من يتبنى فكرة (الفن لأجل الفن) ويجعل الفن خفيفًا رشيقًا كريشة لا يحمل على عاتقه أي التزامٍ فكريّ، فلسفيّ، أيديولوجيّ وما إلى ذلك، وهنا نتلاقى مع نظرية «اللّذة غير المهتمّة Disinterested pleasure» التي صاغها إيمانويل كانط فوجد أنه الجمال بحدّ ذاته غايّة، فأنْ تُنتج عملًا فنيًّا جميلًا فذاك هدفٌ كافٍ ووافٍ لتبرير عملية الإنتاج، فالفن يزيد قيمةً جماليّةً للعالم، ولا يعنيه ما يحصل خارج مساحة عمله، مفترضًا أنّ المساحة التي تتحرّك ضمنها عناصر عمله الفني بنية معزولة عن الواقع الخارجي المحيط به ويعتبر مشروعه الفنيّ يمشي بالتّوازي مع حياة المجتمع دون تقاطعاتٍ تغيّر مساره كما تفترض المدرسة البنيويّة التي تولي اهتمامًا بالبني والعلاقات الدّاخلية ضمن العمل الفنيّ ولا تلقي بالًا للمسار التاريخي أو الشّخصي للفنان.

على الضّفة الأخرى نشأ تيار الفن الهادف كردّ فعل على نظرية «الفن لأجل الفن»، فنجد فيكتور هوغو يطالب الفن بأن يكون اشتراكيًّا وجان بول سارتر في كتابه «ما الأدب» يعبّر عن ضرورة انخراط الكاتب في قضايا عصره، فالفن هو مرآة العصر ومن خلاله يعبّر الفنّان عن القضيّة التي يؤمن بها ويعبّر عن المبدأ الرّاسخ في عقيدته ويصير الفن أداة إعلانٍ وإعلام، وإلى هنا تنتمي الأعمال الفنيّة التي تملك جانبًا توثيقيًّا والتي تحفظ لنا مدنًا وأحياءً وبلدانًا بالكامل، وتحبس الزّمن ضمن عملٍ فنيٍّ توثيقي، فلا يستطيع الحدث العبور من خلال هذا العمل الفني ومثل سيزيف يستمر بالمحاولة ويخسر ويبقى أبد الدّهر حبيسًا في عمل توثيقي.

نستطيع أن نعتبر أن أقدم ما وصلنا من تاريخ البشريّة كان عن طريق رسوم لسكّان الكهوف يرسمون حياتهم اليوميّة ومن دون أن يعرفوا أنّهم أول من وثّق الحياة الاجتماعية باستخدام الفن.

فرسم الحياة اليوميّة بتفاصيلها المكانية مع أحداثها وشخوصها يعتبر جانبًا من جوانب التوثيق، والتّعبير عن حدثٍ ما له أهميّة تاريخيّة، دينيّة أو اجتماعيّة وحفظ ذاكرته في عملك الفني جانبٌ آخر للتوثيق فتجمّد الزّمن الذي يسيل من بين أصابعنا لأجل أناسٍ في أماكن بعيدة والأزمان اللاحقة. وعلى الرّغم من أن أول ما يخطر في البال عند سماع كلمة «توثيق» هي الأفلام الوثائقية التي تعدّ لأجل أن تكون وثيقة مستقبلية، تُمثّل أحيانًا لتحاكي حقبة معينة أو تجسّد حدثًا بعينه أو تسجّل تفاصيل شخصيةٍ ما، وفي الكثير من الأحيان تتضمن فيديوهات حقيقيّة وأوراق وصور والكثير من التواريخ والأرقام والأصوات، وفي الدرجة الثانية يحضر الأدب بسيره الذّاتيّة التي يكتبها الأديب عن نفسه أو عن شخص بذاته وقد يؤخر نشرها لما بعد الوفاة لما تحمله من أسرار، وفي المرتبة ذاتها يحضر أدب الرّسائل الذي يملك الكثير من المصداقيّة لدى المهتمين فالرسائل عفويّة وخاصة وصادقة لم تكتب لتكون متاحة للعامة وهذا ما يكسبها المصداقيّة، وبعدها الرّوايات التي من الممكن أن تتخذ جانبًا توثيقيًّا يكون في الإطار الزّمني أو البيئة المكانيّة وضمنها تسير شخصيات خياليّة، ومثل هذا المنحى تنحو الأفلام السينمائية والمسرحيات التي توثّق لأحداث سياسية أو تاريخيّة وما إلى ذلك، وفي المرتبة الأخيرة ننتبه بأنّ في الرّسم واللّوحات جانبٌ توثيقيّ قد يوثّق الأحداث التاريخيّة، أو الاجتماعيّة، أو السياسيّة ويولي اهتمامًا خاصًّا في الحروب بطريقة مباشرة فتسمى الأمور بمسمياتها وترسم آلات الحرب والدّمار والضّحايا

عن طريق الاعتماد على استخدام إشارات ورموز وعلامات ذات دلالة معينة في الذاكرة الجمعية في مرحلة ما، والاعتماد على ما يسمى الإزاحة يعود لثقافة الخوف التي تجعل الفنان يبحث عن طريقة ما ليوصل رأيه وفكرته بعيدًا عن أعين الرقباء وبلا أن يكون عمله الفني دليلًا عليه، وأول ما يخطر ببالنا في مجال التوثيق العسكري نجد أنّ ما يمكن أن يسمى فن الحروب المختص بتسجيل تفاصيل الحروب ومشاهدها ومعاناة الناس خلالها فن قديم ظهر في الفنون الآشوريّة في شكل نقوش تظهر انتصارات الملك في حروبه بشكل أساسي ومثلها كان في فنون مصر القديمة ثم ظهرت في الفن اليوناني والروماني، ولكن في العصر القريب نجد تجربة

مثل لوحات الفنان الإسباني غويا الذي صوّر ما أودى إليه الهجوم الفرنسي بالمدافع على إسبانيا فاشتعلت انتفاضة شعبية وقاوم الإسبان بأبسط الأدوات (حجارة وسكاكين) وانتشرت المجاعات وقد تمكّن غويا من توثيق هذا الأسى ونقل صورة دقيقة عن هذه الفترة وما حلّ خلالها من موت وجوع وخوف ودمار من خلال رسم لوحات مثل لوحته الشهيرة «الثالث من مايو» والتي تصوّر الجنود الفرنسيين يوجهون بنادقهم نحو مدنيين، الشخص المحوري في اللوحة، والذي سلط عليه الضّوء مستسلما يرفع يديه عاليا وجثث صحبه محيطة به، عنوان هذه اللوحة أكده جانبها التوثيقي فكأنها آلة زمنية أعادتنا للثالث من مايو وسمحت لنا بأنّ نكون شهودًا على المجزرة.

وكذلك مجموعته «كوارث الحرب» التي كانت رسوما تخطيطيّة تصوّر الخوف والرّعب تمنحهما تكوينًا يُرى بعد أن كانوا أفكارًا مجردة، ومن أكثر لوحات هذه المجموعة شهرةً لوحة بعنوان «الرجل المخنوق» وفيها قسيس خُنق حتى الموت، مستندًا لجدار وقد جُمدت يداه إلى صليب عليه صورة المسيح مصلوبًا.

وفي إسبانيا أيضًا نجد لوحة باسم قرية وهنا بداية التوثيق المكاني، أما ما تحويه «الغرنيكا» فهو توثيق للمجزرة التي حلّت بها أثناء الحرب الأهليّة بعد أن أمطرتها الطائرات النّازيّة بالقنابل وحصدت أرواح أهلها، خلافًا لأسلوب غويا المباشر في التوثيق يعمد بيكاسو إلى الترميز في جداريته التي حفظت المجزرة ومن الرموز الموجودة: الثور الهائج بقرونه المعقوفة نحو الأعلى يمثل الطيارين الألمان، الحصان الجريح المتألم من الحربة التي تخترق فكه هو رمز للأرض الإسبانية، الامرأة الخارجة من بين الرّكام وفي يدها مصباح ترمز للضمير البشري. ولم تدخل لوحة الغرنيكا إسبانيا إلا بعد تخلصها من الحكم الفاشي وتم استقبالها استقبالًا عسكريًّا بإطلاق ٢١ طلقة، كيف لا لم يكن أحدٌ ليسمع عما حصل في تلك القرية الصغيرة.

وخلال الثورة السّورية عمد الفنانون إلى الترميز في أغلب الأحيان، مثل استخدام البراميل في لوحاتهم أثناء الثّورة فكانت تمتلك دلالة خاصة تتمثّل باستخدام البراميل المتفجرة في قصف المدن والقرى السّوريّة وعند الفنان عمران يونس نجد البراميل حاضرة في عددٍ من لوحاته مكتوب على بعضها TNT لإيصال الفكرة المرادة من استخدام البرميل في اللّوحة، وله لوحات أخرى تحوي كلابًا متوحشة وبشرًا مشوّهين ومسوخًا في محاولة لتوثيق ما كابده السّوريون خلال سنوات.

وهناك نوع آخر من الفن التوثيقي يتعلّق بالطبيعة أو بالطقوس الاجتماعيّة التي تقام في مكان معين فتوثّق الأمكنة والأشخاص وطرق لباسهم وتفاصيل حياتهم، كان هذا النوع منتشرًا بشكل كبير في عصر النهضة حيث كان الفنانون يرسمون ما حولهم لتصبح عوالمهم الفنية فيما بعد وثائق غير رسمية لتلك الفترة من الزّمن وهناك لوحات أخرى رسمت سيدات ذاك العصر ولباسهن مع التفاصيل الدّقيقة فكانت توثيقًا للباس وللشخصية مثل الفتاة ذات القرط اللؤلؤي لفيرمير، ولوحة الموناليزا لدافنشي التي ما زالت لليوم سرًّا يحتاج لحل، وحتى في القرن العشرين كان هذا النوع من التوثيق حاضرًا فزنابق الماء لكلود مونيه حفظت مشهدًا من حديقة منزله، ولليوم ما إن تلمح زنبقة الماء حتّى تتذكّر اللّوحة.

وهناك توثيقٌ للأساطير بالطّبع فلوحات تصوّر زيوس والآلهة وهناك لوحة «ولادة فينوس» للفنان بوتيتشيلي، وهناك توثيق للروايات الدينيّة فنجد رسومًا للسيد المسيح وللعذراء وتعتبر لوحة العشاء الأخير لدافنشي من أشهر لوحاته تبدو للمتلقّي من اللّحظة الأولى تصويرًا بسيطًا لفكرة دينية؛ طاولة تجمع حولها عددًا من الأشخاص، لكن بعد التدقيق نجد أنّها تبوح بالتّفاصيل من خلال التكوينات الموجودة في العمل واتجاهاتها وحتى أنّها توثق الحالة النفسية بما تحمله من شك وريبة من خلال الاشتغال على ملامح الشّخصيات وإيماءاتهم والهدوء والسكينة للمسيح ويوحنا بجانبه، نجد بطرس يحمل خنجرًا وهنا توثيق لقصة تتعلق ببطرس عندما قام بقطع أذن خادم رئيس الكهنة في دفاع عن المسيح الذي يعيد الأذن في معجزة، أما يهوذا فيمسك صرة للنقود ونجد وجهه الأكثر عتمة من بين التلامذة، وبهذه الطريقة يحكي بتفاصيل الشخصية وحركتها الحدث المرتبط بها والذي أراد توثيقه من خلال اللّوحة.

خطوط منظور اللوحة تلتقي عند السّيد المسيح فكونه مركز اللوحة يعكس أنه مركز الحدث، تكوينه هرمي يمنح شعورًا بالثبات والاستقرار واللون الأحمر في ثيابه هو لون الدم الذي سيرتبط بالمسيح طويلًا.

وتعد الأيقونات من الفنون التوثيقيّة للأشخاص فهي عنصر مميّز بجانبه الفني التزيني والتوثيقي معًا ومن أهم الشخوص التي تم رسمها «العذراء»، «الطفل يسوع»، «بطرس»، «بولس»، «لوقا» وغيرهم الكثير ممن حفظوا مئات السّنين على جدران الكنائس. 

وختامًا لا بدّ من الانتباه للغط الذي يمكن أن يحصل للمتلقّي ما بين التّوثيق والفن «المناسباتي» الذي يكون في الكثير من الأحيان أقرب إلى «الكيتش»، وغالبًا ما يكون الفن حينها مبتعدًا عن رسالته وجماليته ومنصرفًا لتمجيد سلطةٍ ما أو شخصٍ أو دولةٍ معينة، فيرسم القائد البطل ويوثّق حروبه وانتصاراته، وقد يقلب الحقيقة من خلال رسمه المتخيل أو الرّوايات الكاذبة التي يريد ترسيخها في الوعي العام على أنّها أحداث حقيقيّة وهذا ما يجعل هذا الفن «المناسباتي» غير ذي مصداقية لأن الفنان لا يرسم وفق قناعته أو رغبته بل يرسم مقابل مال أو امتيازات، مما يفقده احترامه ويفرّغ فنه من كلّ المعاني التي من الممكن أن يحملها، إذا ما افترضنا جدلًا بأن أعماله هي نتاجٌ فنيّ.