«الشادي» الذي رحل
الاثنين / 9 / ذو القعدة / 1447 هـ - 20:19 - الاثنين 27 أبريل 2026 20:19
رحل (شادي عُمان)، رحل صوتٌ أصيل، طالما كان قريبا من النفس، كان يغني بحب، يعشق الوحدة، ويهيم في داخل الذات، ويغرس شجرة العشق والوطن في قلوب محبيه، رحل (جاسم بن عبدالله الشقصي) الذي شدا بأغانٍ ستظل مغروسة في الوجدان الشعبي، ملونة بصوت رخيم، وإحساس دافئ، وأداء متمكن، كأغنية (يا ميمونة)، و(مركب الشوق)، و(يا ريحة الياسمين)، و(لك حبي يا بلادي..) وغيرها..
كان رجلا بسيطا، نقيا، يعيش على هامش الحياة، ويعشق الفن، وكانت بدايته التي سردها ذات لقاء تلفزيوني في البحرين، حيث أدى بعض الأغنيات لفنانين آخرين، واستطاع أن يدخل قلوب الجمهور من هذا الباب، وكتب اسمه كتاريخ فني مع إبراهيم حبيب، وجعفر حبيب وغيرهم من الفنانين البحرينيين، وحين عاد إلى بلاده، بدأ مشوارا آخر، مع فنانين آخرين كحكم عايل، ويعقوب نصيب، وعوض حمد حليس، وسالم راشد الصوري، ومسلم علي عبد الكريم، وملحنين مثل ابن الساحل، وشعراء مثل عبدالله بن صخر العامري، وعبدالله الصومالي، وصالح اليافعي وغيرهم..
تعرفتُ على جاسم الشقصي قبل أكثر من عشرين سنة في مهرجان (مجلس الشعر الشعبي العُماني)، الذي كنت أرأسه، ويشرف عليه صاحب السمو السيد فاتك بن فهر آل سعيد، و(كان شادي عُمان) رجلا دمث الخلق، متعاونا، وهادئا، ومبتسما، واستمرت علاقتنا ولقاءاتنا بعد ذلك، وإنْ كانت متباعدة، وعلى فترات، إلا أن الود بقي قريبا، وبعد سنوات من عدم اللقاء ـ لظروف كل منا ـ، التقيتُ به في إحدى المناسبات الاجتماعية قبل ثلاثة أشهر أو أقل، اقتربتُ منه بشوق، ولكن يبدو أن ذاكرته لم تسعفه على تذكّري!!، لم يتذكر حتى ملامحي، ورغم دهشتي، واستيائي في بادئ الأمر، إلا أنني عرفتُ السبب بعد ذلك.
ستظل أغاني الفنان (شادي عُمان) محفورة في الذاكرة، وصوته الدافئ الصدّاح حاضرا في الفن الشعبي العُماني، كواحدٍ من الجيل الأصيل الذي غنّى، فأبدع، فأطرب، وكوّن قاعدة جماهيرية واسعة حين بدأ رحلة الطرب، رحل ـ في السادس عشر من أبريل ـ بهدوء، كما عاش حياته بهدوء، رحل وأغنية أخيرة في فمه، تترنم بالحياة، وتسافر في القلوب، وتستدعي تلك الروحانيات التي لازمته بعد «اعتزاله» الغناء، ولازمت غربته الذاتية التي عاشها، دون تكلّف، ودون تزمّت، تاركا خلفه إرثا فنيا يستحق البحث، والبناء عليه.
رحم الله الفنان جاسم بن عبدالله الشقصي (شادي عُمان) الذي ظل محلّقا في سماء الجمال، والإبداع الروحي حتى آخر رمق، ومهما غابت الصور، وفنت الأجساد، سيظل الأثر حاضرا، والصوت شاديا على مر الأيام.