أعمدة

جائزة اليونسكو- السلطان هيثم للتراث غير المادي وأهميتها الثقافية

تمثل الجوائز الدولية التي تمنحها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) اعترافا وتقديرا للمانح والدور المشهود له في المجال المتعلق بالجائزة، ولذلك فإن إعلان جائزة اليونسكو - السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي، تُعد احتفاءً بالإنسان وإبداعاته المُعبّرة عن الإنجاز البشري على مر التاريخ، خاصة أنها الجائزة الدولية الوحيدة التي تمنحها اليونسكو في المجال المعني بثقافة الإنسان الشفوية وذاكرته ومعارفه وخبراته الحياتية، المهددة بالانقراض والنسيان أو الزوال.

والذي يُعد فقدانها خسارة بشرية لقيم ثقافية أسهمت في تشكيل الوعي الإنساني وفهمه للذات والمحيط. في المقابل فإن الجائزة التي تحمل اسم صاحب الجلالة ما هي إلا اعتراف دولي بالجهود التي بذلها جلالته في المجال الثقافي بشكل عام، والتراث الثقافي غير المادي بشكل خاص، ويمكن التدليل على ذلك من خلال عدة أمثلة، منها أنه بعد توليه مقاليد الحكم في البلاد أصدر جلالته المرسوم السلطاني رقم (46/ 2020) بانضمام سلطنة عمان إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن يطّلع على القوانين المتعلقة بحقوق الإنسان يجد بأن الحقوق الثقافية تُمثل كافة أشكال التعبير والتي تنسجم مع التراث الثقافي غير المادي، والتي تُدعّم بالقوانين والأنظمة لصونها وحمايتها.

وقبل ذلك صدر قانون التراث الثقافي، وفق المرسوم السلطاني رقم (35/ 2019) والذي نظّم التراث الثقافي غير المادي سواء من حيث التعريف «التراث الثقافي غير الملموس، ويشمل الممارسات أو العادات أو التقاليد أو أشكال التعبير أو المعارف أو المهارات، وما يرتبط بها من آلات أو قطع أو مصنوعات أو فضاءات ثقافية، المتوارث جيلا عن جيل، وتبتدعه الجماعات أو المجموعات أو الأفراد».

كما عرّف القانون بالتراث الثقافي العماني العالمي وهو «التراث الثقافي العماني المدرج على قائمة التراث العالمي أو القائمة التمهيدية وفق اتفاقية منظمة اليونسكو لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لعام ١٩٧٢م، أو القائمة التمثيلية للتراث غير المادي للبشرية أو قائمة الصون العاجل أو قائمة أفضل الممارسات وفق اتفاقية منظمة اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي لعام ٢٠٠٣م». هذا القانون نظّم عمليات جمع وتسجيل القائمة المعنية بحصر التراث العماني غير المادي.

يُمكن الكتابة عن الجائزة ذاتيا وموضوعيا، ذاتيا حينما رشحتني الموسوعة العُمانية عام 2009 لتمثيلها في تشكيل أول فريق عُماني لإعداد القائمة الوطنية للتراث غير المادي، برئاسة السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي، وعضوية عدة جهات حكومية منها وزارات الشؤون الرياضية، والتنمية الاجتماعية، والإعلام، وجامعة السلطان قابوس، والموسوعة العمانية، والهيئة العامة للصناعات الحرفية، واللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم. وتشكل الفريق بالقرار الوزاري رقم (54/ 2009) الذي أصدره جلالته حين كان وزيرا للتراث والثقافة (سابقا).

ولذلك فإن اهتمام جلالته بالتراث الثقافي غير المادي ليس وليد اللحظة بل نابع من إيمان جلالته بالبعد الثقافي اللامادي الذي شكّل الشخصية العُمانية المعتزة بأصالتها وهويتها.

تبلور عن ذلك الفريق كُتيب عن البرعة -الذي أسهمت في إعداده- وتم إدراج فن البرعة في قائمة التراث الإنساني الثقافي اللامادي عام 2010. بالإضافة إلى تنظيم ندوة ثقافية عن الأمثال وأشكال التعبير الثقافي، أقيمت في النادي الثقافي عام 2010.

لا يخفى على أحد بأن التراث الثقافي غير المادي يُمثل رافدا مهما في الثقافة العُمانية التي أسهمت عدة عوامل تاريخية وجغرافية وطبيعية في تشكيلها، وقد تناغمت تلك العوامل في بروز تنوع ثقافي فريد في المنطقة تعكسه الآداب والفنون والعمارة. أسهم التنوع في تشكيل الهوية العمانية المتسامحة والمنفتحة على الآخرين، والقادرة أيضا على التكيف مع الظروف والأزمات التي مرت على البلاد.

نأمل من المؤسسات الأكاديمية والعلمية والثقافية، والجهات ذات العلاقة العمل على ترجمة أهداف الجائزة إلى مشاريع وطنية تعمل على الحفاظ وصون التراث غير المادي، عبر بعث أقسام في كليات الآداب والعلوم الإنسانية في سلطنة عمان لتسجيل مفردات التراث الشفوي، والعمل على إصدار أطلس وطني للغات واللهجات العمانية المنتشرة على امتداد الوطن، وتوظيف التراث العماني غير المادي في برامج التقنية الحديثة، وخاصة الألعاب الشعبية لتبقى حاضرة بين أيدي الأجيال والشباب، والانتفاع منها اقتصاديا وثقافيا.