ندوة "منخفض المسرّات" .. أرقام ورسائل قوية وتأكيد على ردع الاستهتار
الاثنين / 9 / ذو القعدة / 1447 هـ - 18:20 - الاثنين 27 أبريل 2026 18:20
قدمت ندوة (منخفض المسرّات.. الاستجابة والأثر) ، التي نظّمتها هيئة الدفاع المدني والإسعاف، تحت رعاية معالي الدّكتور عبد الله بن ناصر الحرّاصي وزير الإعلام، بحضور اللواء سليمان بن علي الحسيني رئيس هيئة الدفاع المدني والإسعاف رسائل قوية، واستعرضت الدروس المستفادة والجهود المبذولة خلال الحالة الجوية الاستثنائية، منخفض المسرات، وشهدت الندوة كشفًا صريحًا عن أرقام صادمة، حيث تم تسجيل 515 بلاغًا و14 حالة وفاة، وبين 'حرمة التهلكة' شرعًا و'صرامة القانون' قضائيًا، وضعت الندوة النقاط على الحروف في مواجهة ظاهرة المجازفة بالأودية التي كلفت أرواحًا، ففي الوقت الذي أكد فيه فضيلة الشيخ الدكتور كهلان الخروصي أن عبور السيول 'مخالفة شرعية وترويع للآمنين، كشف سعادة المدعي العام عن إحالة مجازفين للمحاكم دون إفراج، مؤكدًا أن 'الترسانة التشريعية' قيد المراجعة لتشديد العقوبات، لضمان عدم تكرار ما وصفه بـ 'الاستهتار وسوء التقدير' الذي شهدته الحالة الجوية الماضية، ونجحت فرق الإنقاذ في التعامل مع 95% من البلاغات رغم الظروف المعقدة، في حين استقبلت المؤسسات الصحية نحو 500 حالة إصابة بكسور وإصابات أخرى، ودقت الندوة ناقوس الخطر حول كلفة 'المغامرات غير المسؤولة' التي استنزفت موارد الدولة وأرواح المواطنين.
تشريعات وعقوبات
وقال سعادة نصر بن خميس الصواعي، المدعي العام: إن الحالات التي ضُبطت وحُوّلت للادعاء العام نتيجة المجازفة في الأودية تتجاوز 9 حالات خلال منخفض المسرات نتيجة الاستهتار وسوء التقدير وأيًا كان الباعث سواء حب الاستعراض أو الثقة الزائدة، وهذه الحالات للادعاء العام لم يُفرج عنها وأغلبها موقوفة إلى المحاكم وقد صدر في أغلبها أحكامًا باستثناء حالتين أُفرج عنها في بداية المنخفض لأسباب قُدرت للمصلحة الأوجب بالرعاية.
وأضاف سعادته: 'إننا بدأنا خلال الخمس سنوات الأخيرة امتحان النصوص التشريعية، وإذا استمرت حالات تعريض الناس أنفسهم ومن معهم في المركبات، وتعريض رجال الدفاع المدني والمسعفين والمنقذين لهم لهذه المغبة، أعتقد أن النصوص التشريعية لن تبقى كما هي، وقد نحتاج إلى مراجعة بعض النصوص باتجاه التشديد سواء بالعقوبات الأصلية، أو العقوبات التكميلية والتبعية.
الجانب الشرعي
وقال فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي، مساعد المفتي العام لسلطنة عمان: إن الجانب الشرعي في هذه القضية لا يخفى على أحد، وهذا جزء ما نقصده من هذه الندوة، أن نستعد كلنا إلى ما نحتاج إليه، كالإحصائيات والأرقام، والثقافة القانونية والحصانة التشريعية تعيننا في فهم الموضوع، وبيانات وزارة الصحة، ومزيد من التبين فيما يتعلق بالجانب الشرعي.
وأكد فضيلته أن مسألة الدخول في الأودية والمجازفة بعبور السيول وقت جريانها، هو ارتكاب لمخالفات شرعية، ولا يقف الأمر عند حد الإثم من جانب واحد، وإنما هناك جوانب شرعية يقف فيها هذا يجازف بعبور الأودية متعمدًا استخفافًا أو مغامرة أو مخاطرة أو عدم تقدير لخطورة الوضع، فهو أولًا يعرّض نفسه للتلف وربنا عز وجل يقول: 'ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة'، ويقول: 'ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما'، ثم إنه يعرّض حياة غيره للخطر ممن كان معه، أو ممن سيسعى إلى إنقاذه ومساعدته، وهذا داخل في نفس الأدلة الشرعية المتقدمة، فمعنى قوله تعالى: 'ولا تقتلوا أنفسكم' أي لا تتسببوا في قتل أنفسكم ولا في قتل بعضكم بعضًا لما هو معهود من أن النصوص الشرعية تخاطب المجتمع، وتخاطب المكلفين خطاب النفس الواحدة، وكذلك يدخل في ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعل قاعدة شرعية فقهية قانونية 'لا ضرر ولا ضرار'، لا ضرر يلحقه المرء بنفسه متسببًا بإهمال وبتقصير وبتعمد وبخطأ واستخفاف، ولا ضرار يمكن أن يتسبب به في إصابة الغير بالأذى والضرر، وهذا باب آخر، والباب الثالث ما يتعلق بحفظ المال، وهو كحفظ الأنفس من الكليات والضروريات الخمس التي جاءت بها الشريعة لحفظها وصيانتها وتنميتها، لا بهدمها والتسبب فيما يؤدي إلى إهلاكها، لذلك استرعانا الله تبارك وتعالى هذه الأموال والممتلكات فقال جل وعلا: 'ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا' فالمال قوام الحياة، وهذه المخاطر إذا كان لا يبالي بنفسه قد لا نتوقع أنه مبالٍ بماله لكنه مؤاخذ كذلك بإهلاكه نفسه والتسبب في إيذاء غيره، وهو مؤاخذ بإتلاف المال الخاص والعام، كما أن هناك جانب آخر لا يُنتبه إليه وهذا الجانب يتعلق بترويع الآمنين وهي مخالفة شرعية كبيرة ورد فيها وعيد شديد، وهذا الذي يجازف وهو قائد مركبة معه أسرته قد يظن أنه يدخل بهم في مغامرة لكن الصحيح أنه يحدث فيهم ترويعًا.
وقال فضيلته أننا بحاجة اليوم إلى المزيد من البرامج والخطط المحددة والهادفة، تسعى إلى رفع الوعي ونشر هذه الثقافة وتبيان هذه الأحكام الشرعية وإيجاد ثقافة عن الفاعل والناقل والمتلقي، والفاعل هذا الذي يجازف لابد أن تبين له هذه الأحكام الشرعية، فهو مسؤول عن مخالفة النظام العام، ومخالفة ولي الأمر.
المنظومة الصحية
من جانبه قال سعادة الدكتور سعيد بن حارب اللمكي، وكيل وزارة الصحة للشؤون الصحية: هناك دروس كثيرة نستخلصها من منخفض المسرات، فالوفيات والإصابات الكثيرة شكلت ضغطًا كبيرًا على المرافق الصحية، إذ غُلق الكثير من المراكز الصحية وذلك نتيجة وقوعها ضمن نطاق الأودية والفيضانات، وهذا تتطلب عمل المنظومة الصحية المتكاملة في المحافظات ذات التأثير المباشر بالمنخفض الجوي وتحريك المعدات الطبية والأدوية إلى تلك المحافظات المتأثرة، ومعظم الحالات التي تم استقبالها في أقسام الطوارئ من إصابات من صغار السن من العشرينيا قاربت 500 حالة مصابة بكسور وإصابات، وهذه الحالات تحتاج إلى التنويم ورعاية طبية مكثفة.
515 بلاغًا
وقال العقيد مهندس علي بن سيف الهنائي، مساعد رئيس هيئة الدفاع المدني والإسعاف: إن الهيئة استقبلت خلال منخفض المسرات 515 بلاغًا منها 261 بلاغًا مرتبطة مباشرة بالحالة الجوية و 179 بلاغًا لاحتجاز أشخاص بمركباتهم في مجاري الأودية و 55 بلاغًا لاحتجاز أشخاص في منازلهم بالإضافة إلى 26 بلاغًا احتجاز في مواقع مختلفة، كما تم تسجيل 4 حالات غرق في الأودية والبرك، وحالتا وفاة أثناء فتح الطرق، ومن المؤسف أن حالات الوفاة أثناء المنخفض بلغ 14 حالة وفاة وهو رقم كبير إذا ما قورن بالأعاصير والحالات المدارية السابقة، مؤكدًا أن نجاح عمليات الإنقاذ أثناء المنخفض بلغ نسبة 95%.
وأضاف: نوجه من هنا رسالة بأن المغامرة في مجاري الأودية ليست مغامرة بحياة الشخص بنفسه وإنما مغامرة بحياة أسرة ورجال الدفاع المدني وشرطة عمان السلطانية وكافة المواطنين والمقيمين الذي يحاول الإنقاذ في مثل هذه الحالات الجوية، ونحن نعول كثيرًا على وعي المجتمع العماني المعروف بتكاتفه في مثل هذه الحالات الجوية، إذ لم نشهد مثل هذا العدد من حالات الاحتجاز في الأودية مما يمثل سابقة لم نشهد لها مثيلا.
9 أيام من الأمطار
وبيّن العقيد زايد بن حمد الجنبي، رئيس المركز الوطني لإدارة الحالات الطارئة، أنّ الحالة الجوية 'منخفض المسرّات' كانت استثنائية، تمثلت في أمطار غزيرة استمرت قرابة 9 أيام، ما أدى إلى كثافة في البلاغات وعمليات الاستجابة.
وأوضح أنّ اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، وبالاعتماد على بيانات المركز الوطني لإدارة الحالات الطارئة والمخاطر المتعددة، اتخذت عددًا من القرارات الاحترازية، من بينها تحويل الدراسة إلى التعليم عن بُعد في بعض المحافظات، وكذلك تطبيق العمل عن بُعد لمدة يوم واحد في مناطق محددة، وفقًا للتوقعات الجوية.
وقال العقيد أحمد بن محمد الشجبي، مدير عام العمليات بهيئة الدفاع المدني والإسعاف: إن مركز العمليات في هيئة الدفاع المدني والإسعاف مجهز ومهيأ لتدفق المعلومات سواء المعلومات التي تأتي من جهات الاختصاص أو المعلومات التي ترد من المواطنين والمقيمين، وهناك خطط موضوعة مسبقًا للتدخل في الأزمات، للبدء بها قبل الأزمة وأثناءها وتقييمها، وهناك عقيدة راسخة لدى رجالات هيئة الدفاع المدني والإسعاف أيتما وُجد خطر في سلطنة عمان نصل إليه ولو كان ذلك في أحلك الظروف، ونجد رجالات الهيئة موجودين في المواقع التي يصعب الوصول إليها قبل وصول الحالات الجوية لتقديم الخدمة للقاطنين، وأثناء الحالات المطرية تجدهم على مجاري الأودية والتجمعات المائية لحماية الروح البشرية وهي الهدف الأسمى لمنتسبي الهيئة، وإن المعلومات المتدفقة إلى مركز المعلومات يتم من خلالها تحليل ووضع الأطر العملياتية المنظمة لهذا الجانب، وتوزيع هذه الأعمال للفرق الميدانية وفقًا للاختصاص، ويتم تقييم البلاغات التي ترد إلى غرفة العمليات.
وبين أن أصعب عمليات الإنقاذ هي تلك التي تجري في مجاري الأودية كونها مياه عكرة وظروف تلك الأماكن مع نزول الغواصين إلى قعر الأودية أثناء عمليات الإنقاذ، كون الأودية تكون محملة بالكثير من الأخشاب وغيرها من المواد، ورغم ذلك نؤكد أن الغواص متدرب على التعامل مع مثل هذه الحالات، ويبقى رجل الهيئة إنسان، فكم فقدت الهيئة من رجالاتها نتيجة المنخفضات الجوي أثناء المجازفات غير المسؤولة.