لبنان ما بعد "خميس واشنطن": "هدنة" من ورق.. وجنوب مشتعل!
الاحد / 8 / ذو القعدة / 1447 هـ - 20:03 - الاحد 26 أبريل 2026 20:03
بيروت- وفاء عواد
مفاوضات تحت النيران.. والنيران الإسرائيلية قتلت في الساعات الماضية عشرات اللبنانيين الذين ارتقوا شهداء في غارات للطيران الحربي والمسيّر، شملت عشرات البلدات في مناطق الجنوب تحديداً.. تفجير في مدينة الخيام. قصف مدفعي إستهدف بلدات حولا وبيت ليف وياطر. غارات متنقّلة بين بلدات تولين وكونين وبرج قلاويه وكفرتبنيت. مسيّرة تحلّق بشكل منخفض فوق قرى الزهراني. إستهداف بلدة يحمر- الشقيف. إنذار الى بلدة دير عامص، الواقعة خارج 'الخطّ الأصفر'، بمسافة نحو 11 كلم عن الحدود. دمار هنا وهناك وهنالك، لا يحتاج الى لغة ليشرح نفسه بها. حجارة متراكمة تروي حكاية 'تسونامي' من نار مرّ من هنا، تاركاً خلفه هياكل خرسانيّة كانت حتى الأمس القريب بيروتاً عامرة.. وتكرّ سبحة الإنتهاكات الإسرائيلية، قتلاً وتفجيراً وتدميراً وقصفاً وتهجيراً، ليتلوها مجدّداً 'إنذار عاجل' الى سكان جنوب لبنان، يقضي بعدم الإقتراب من منطقة نهر الليطاني، كما من وادي الصلحاني والسلوقي، مرفقاً بتذكيرهم بعدم العودة الى نحو 58 قرية جنوبية، فيما بقي الهدوء مخيّماً على البقاع وبيروت وضاحيتها الجنوبية، في ما يشبه 'الهدنة غير المعلنة'.
'هدنة' هي بالنسبة للبعض بمثابة 'الفاصلة' في جولة حرب لم تكتمل، وهي بالنسبة للبعض الآخر أشبه بـ'النقطة المتردّدة بين طلقة وأخرى'. وعلى إيقاعها، تتوزّع حركة النازحين بين قرار مؤجّل وعودة مشروطة. فمن بيروت الى صور، وعلى وقع أصوات مسيّرات لا يتوقف، يبدو الطريق سالكاً: سيارات تتجه جنوباً، وأخرى تغادره. وذلك، وسط حركة مزدوجة، وحالة انتظار جماعي، يتحرّك فيها النازحون على إيقاع الإحتمالات أكثر ممّا يتحرّكون على إيقاع قرار حاسم. وعلى وجوههم، يبقى الترقّب حاضراً، كظلّ لا يغادر المكان. هي حالة 'عدم يقين' عامة، تعبر من قرية الى أخرى، ولسان حال الجميع يسأل: هل تضع الحرب أوزارها حقاً هذه المرّة؟.
فاصل بين 'هدنتيْن'
هذا ما كان عليه مشهد لبنان عشيّة انتهاء هدنة الـ10 أيام، التي أتاحها الإجتماع المباشر بين سفيرَي لبنان وإسرائيل لدى واشنطن، ندى حمادة معوّض ويحيئيل ليتر، والذي استضافته وزارة الخارجية الأمريكية في 14 من الجاري، وبدء 'هدنة' الأسابيع الثلاثة الإضافية، اليوم (الأحد)، التي تمّ الإعلان عنها خلال الإجتماع التمهيدي الثاني للمفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية، على مستوى السفيريْن في البيت الأبيض، في 23 من الجاري، والذي رعاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحضور نائبه جي ديفانس ووزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو. علماً أن المعلومات الواردة من دوائر القرار الأميركي أفادت أن واشنطن تسعى الى أكثر من ذلك، وأن الرئيس ترامب يريد أن تتجاوز الإجتماعات الأمور التفصيلية، وأن يتمّ الإنتقال من البحث في وقف لإطلاق النار الى إطلاق مفاوضات مباشرة بين البلدين، والتي قد تكون الثانية بينهما منذ 43 عاماً، وتحديداً منذ عام 1983، تمهيداً للبحث في عقد 'اتفاق سلام شامل' بين الجانبين.
وكانت الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل إنتهت إلى تمديد لوقف إطلاق النار لمدة 3 أسابيع إضافية، لكنّها 'هدنة' مشروطة بتعقيدات كبرى وخطيرة، وضعها الرئيس الأمريكي على لبنان، مانحاً إسرائيل مجدداً حرية الحركة تحت مسمّى 'حرية الدفاع عن النفس'، عبر ما وصفه بـ'العمليات الجراحية الدقيقة'. أما الشرط الثاني، فهو سياسي، يصرّ ترامب على تحقيقه، وتمثّل في تكرار دعوته إلى لقاء يجمع رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض خلال مهلة الأسابيع الثلاثة من الهدنة، فيما البند الأصعب في إعلان تمديد المهلة، أميركياً، فتمثل في ما أعلنه ترامب ووزير خارجيته، من أن واشنطن ستقدّم دعماً للبنان من أجل 'حمايته من حزب الله'.
وما بين انتهاء الهدنة الأولى ودخول لبنان في هدنة ثانية، كانت القرى لا تزال تدلي بأسماء شهدائها، وكانت مواقف 'حزب الله' السياسية تعلَن، على لسان رئيس 'كتلة الوفاء للمقاومة' النائب محمد رعد، أن 'لا معنى للتمديد، في ظلّ الأعمال العدائية المستمرة'، داعياً السلطة اللبنانية لـ'الإنسحاب ممّا سُمّي بمفاوضات مباشرة مع العدو'. وعلى المقلب المكمّل لهذا الإعلان، فإن ثمّة إجماعاً على أن أيّ هدنة ناجزة تتطلّب فقط 'لا' حاسمة لإطلاق النار، يطلقها ترامب باتجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بدلاً من ساعة تلفزيونية لإعلان قابل للخروقات اليوميّة. أمّا على المقلب الآخر من الصورة، فتردّدت معلومات مفادها أن السفير الأمريكي لدى لبنان ميشال عيسى سيبلغ الجميع ضرورة تسريع وتيرة المفاوضات وتفعيلها، وأن الأيام القليلة المقبلة ستشهد تحديداً لموعد مفاوضات جديدة، بعد الإنتهاء من تشكيل الوفد اللبناني المفاوض برئاسة السفير سيمون كرم، وحسم المكان الذي سيحتضن التفاوض المباشر مع إسرائيل، مع الأرجحيّة بأن يكون واشنطن.
وحتى يُصبح الخبر على جولة جديدة من المفاوضات، غير ظاهرة حتى الآن، كثرت الطاولات ولا حلول، بل مجرد أوراق تشتعل فيها النار تحت مسمّى 'وقف إطلاق النار'. وعلى إحدى ساحاتها الملتهبة، بات مؤكداً، بالوقائع، أن منطقة 'الخطّ الأصفر' هي عملياً خارج نطاق اتفاق وقف النار، حيث إن الإستهدافات تتصاعد أكثر فأكثر، وتتركز على تدمير وجرف القرى والبلدات داخل تلك المنطقة. وبهذا المعنى، لا يزال مؤشر لبنان مؤشر لبنان متأرجحاً بين طاولتين وتصعيد واحد إنتهجته إسرائيل في اتفاق 27 نوفمبر 2024، وزادت من وتيرته بعد تمديد مهلة وقف إطلاق النار في أبريل، وردّت على جلسة المحادثات الثنائية الأخيرة في واشنطن بالنار والدمار وتفجير مربعات سكنية في قرى الجنوب، ومعها لامست أعداد الشهداء والجرحى عتبة الـ10 آلاف. وعليه، أجمعت مصادر مراقبة على أن التطورات الميدانيّة وضعت 'الهدنة'، التي أعلنها الرئيس ترامب أمام اختبار حقيقي، بل إنّ هذه الهدنة صارت واقعياً 'حبراً على ورق'، ويمكن القول إنها 'هدنة نسبية'، لأنّ الحرب مستمرة فعلاً، ولو بوتيرة ومساحة جغرافية أضيق.
وما بين 'الهدنتيْن'، تردّدت معلومات من إسرائيل، مفادها تعزيز الحشود العسكرية بـ5 فرق أرسلها الجيش الإسرائيلي الى الجنوب اللبناني، وهو فصل بذلك المسار العسكري عن مسار التفاوض. وتزامناً، نشرت إحدى المنصّات الإخبارية الإسرائيلية غير الرسمية صورة الخريطة التي تظهر القرى الأماميّة جنوب لبنان، والتي سبق أن تضمّنها التهديد الإسرائيلي، وبدأت خبرها بعبارة: 'القرى المخصّصة للمحو في منطقتنا في شمال إسرائيل (سابقاً جنوب لبنان)'!
وفي السياق، أتى طرح وزير الأمن القومي الإسرائيلي رون ديرمر ليزيد المشهد تعقيداً، من خلال اقتراحه تقسيم الجغرافيا اللبنانية إلى 3 مناطق أمنية، تبدأ بشريط بعمق 8 كيلومترات يخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، تتبعه منطقة انتشار للجيش اللبناني، وصولاً إلى العمق اللبناني حيث تطالب الدولة بتنفيذ عملية نزع سلاح 'حزب الله' كاملاً. وهذا المسار، وفق القراءات المتعدّدة، يعني: إمّا القبول بالأمر الواقع، لجهة خسارة الجنوب لمصلحة احتلال مقنّع بمنطقة عازلة دائمة، وإمّا الإستجابة للشرط الإسرائيلي بالصدام المباشر مع 'حزب الله'، وهو ما يعني إمكان دفع البلد نحو منزلق المواجهة الأهلية مجدّداً. وبمعنى أدقّ، إحتلال مديد يبتلع الجنوب حتى إشعار آخر، أو صدام داخلي قد يبتلع ما تبقّى من هيكل الدولة.