ثقافة

«فيلم الحامية».. محاربة المارينز في صعودها واندحارها

 

طاهر علوان

من المعتاد أن تكون السينما أكثر قربا من الواقع ومن المتغيرات اليومية ومن الأحداث الكبرى ابتداء من مهمة كاتب السيناريو في البحث عن الموضوعات الأكثر واقعية والأكثر تأثيرا في الحياة الاجتماعية وانتهاء بمهمة المخرج في إنجاز فيلم ناجح ومتماسك.

هذا الرصيد الموضوعي هو الذي يدفع الجمهور العريض إلى إعادة اكتشاف ذلك الواقع من زاوية أخرى وحيث تعمل الشاشات على تقديم ما هو غير معتاد كما تكشف حقائق وأسرارا ربما تكون غائبة أو مطموسة.

في هذا الفيلم للمخرج أدريان غرونبيرغ، هنالك الكثير من واقع الحياة الأمريكية، فأمريكا مشغولة بصراعات وحروب في العديد من الأماكن كما تظهر المشاهد الافتتاحية للفيلم، صور وثائقية لتحشيد جنود وطيران مروحيات وهبوطها وتدريبات وعمليات قتال وإنزالات برية وبحرية وكل ذلك من وجهة نظر راو، امرأة نسمع صوتها دون أن نراها في المقابل هنالك صورة مجتمع يعاني من ظواهر عديدة ومنها تفشي الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر.

على وفق هذين المقتربين سوف تتشكل صورة المحاربة الأمريكية الشجاعة القادمة من ساحات الحروب تؤدي الدور الممثلة ميلا جانوفيتش، وقد تركت من خلفها زوجها الذي وجدته أسير الفراش بسبب إصابته بمرض السرطان ومن ثم رحيله المبكر وترك ابنتها التي صارت في سن المراهقة وإذا بها تتمرد عليها بحجة أن الأم تركت حياتها العائلية لتحارب في أماكن أخرى لتخرج الفتاة بلا رجعة، إذ تلتقطها عصابات الاتجار بالبشر ومن هنا تبدأ رحلة الصراع الذي لا ينتهي ما بين الأم وبين العصابات التي خطفت ابنتها من جهة وبين السلطات التي تلاحقها بوصفها قاتلا خطيرا.

هذه الأرضية من العنف والعنف المضاد هي التي سوف تبنى عليها أحداث الفيلم الذي ينتمي بالكامل إلى نوع أفلام الحركة والعنف والجريمة، وحيث تقوم ايكي بمهمة الانتقام بلا هوادة ولا رحمة وتصطاد خصومها ببراعة تراكمت لديها بسبب خدمتها الطويلة في قوات المهمات الخاصة.

في الجانب الآخر لن نجد وضعا اجتماعيا طبيعيا يمكن الاعتداد به، فكل شيء مشوه من حول الأم التي تجد نفسها وهي تسابق مدة الاختفاء القسري التي أمدها 72 ساعة على قاعدة انه ما لم يظهر من أثر للمخطوف أو المختفي فإن المهمة تصبح عسيرة أو شبه مستحيلة، ولهذا فعلى ايكي أن تلاحق كل خيوط الجريمة وتقتص منهم تباعا وصولا إلى ابنتها التي تم تعذيبها والمتاجرة بها بلا رحمة.

من جانب آخر، يقدم الفيلم صورة سلبية بالكامل لأجهزة إنفاذ القانون بكونها مجموعة مستفيدة من اذرع المافيات سواء مافيات الاتجار بالبشر أو الجريمة المنظمة والمخدرات وذلك بحصولهم على رشى وهو ما يجعل الأم تستجمع قوتها وتقرر الثأر لابنتها .

يعتمد الفيلم على صعيد البناء السردي وفي سياق المعالجة الإخراجية لفيلم الحركية على ثلاثة خطوط متوازية، ويتمثل الخط الأول من خلال ما ترويه وتعيشه ايكي من صراعات وتحولات درامية وكان ما تتكلم به من تعليقات قد عمق مسار الفيلم. وأما الخط الثاني، فهو الذي يقوده رئيس الشرطة الذي ترك العصابات وتفرغ لملاحة أيكي وإيجادها حية وميتة ويكمل ذلك قوة درامية في شكل أخطبوط يتمثل في العصابات المتشعبة وهي الخصم اللدود لأيكي.

حرص المخرج خلال ذلك على التنويع في المشاهد الفيلمية سواء في أوقات التصوير أو الأماكن مع أن بعض المشاهد كانت شديدة الغموض لكونها كانت تصور في عتمة شديدة، بحيث يصعب تمييز ما يجري لكنها في المحصلة ليست إلا عمليات قتال وكر وفر ودماء وانتقام.

تناول كثير من النقاد هذا الفيلم في مقالات نقدية ومن ذلك ما كتبته الناقدة مونيكا كاستيلو في موقع روجر ايبيرت اذ تقول:»يمزج المخرج مشاهد الحركة مع حبكة متصاعدة تدور حول الاتجار بالبشر، مع أن قناعتي انه لا يوجد ما يمكن أن استمتع به في أحدث أعمال المخرج أدريان غرونبيرغ وحتى الممثلة جانوفيتش نفسها كانت قناعتي المسبقة أنها سوف تجد صعوبة في تقديم أداء متميز في هذا الفيلم، تذكرنا مثلا بالممثل ليام نيسون في فيلم «مأخوذ»، إلا أن ما شاهدته هو أن لديها مجموعة مهارات خاصة قد هيأتها للمهمة الشاقة التي قامت بها، وهو ما خدم معالجة المخرج وأخرجه من مأزق التكرار».

في المقابل، هنالك بعض مشاهد القتال التي تفتقر إلى الإيقاع أو لا تبدأ في الوقت المناسب، وتبدو بعض المشاهد مظلمة جدًا بحيث لا يمكن فهم ما يحدث بالضبط.

أما الناقدة سارا فينسنت، فقد كتبت عرضا نقديا عن الفيلم في موقعها الشخصي قالت فيه:

يطمح كاتب السيناريو بونج - سيوب مون، في أول تجربة له في كتابة السيناريو، إلى أن يكون كاتبا متمكنا لسيناريو أفلام الحركة ومع ذلك يمكنني القول إن الفيلم لم يكن رديئًا كفيلم مشاهد أكشن وعنف ذي مغزى ظاهري مباشر ومتكرر

ولهذا لم تكن هنالك حاجة حتى إلى المونولوج أو الحوار الداخلي بلسان أيكي في معظم أحداث الفيلم، إذ يكفي ربط مجموعة من مشاهد الحركة حتى النهاية، باتجاه حبكة رصينة تتعلق بعملية الاختطاف لكان الفيلم أفضل.. لقد كان متوقعا أن تكون هنالك مواجهات أكبر ومشاهد إثارة، لكن لا شيء يضاهي جرأة تلك المواجهة بين أيكي والعصابات من حيث السرعة والأداء والفعالية. عندما تكون مشاهد القتال سريعة كالبرق، كلما زادت السرعة كان ذلك أفضل، ويبقى التصوير والمونتاج هو المفتاح .

برز خلال أحداث الفيلم بالطبع الدور المتميز للممثلة ميلا جانوفيتش فهي ممثلة محترفة، تجيد أيضا أدوار الحركة، وسبق وشاهدنا سلسلة أفلام «ريزدنت إيفل»، وفيلم «ألترافيوليت» (2006)، أو دور الشرير في فيلم «بارادايس هيلز» (2019) ومن حسن الحظ أن ملامحها لم تتغير كثيرا، وكذلك لياقتها البدنية لأن مشاهد الحركة التي أدتها في هذا الفيلم كانت متواصلة، ومتقنة فضلا عن كونها قد أدت دور الراوية، التي كمن يسجل يومياته وانطباعاته عما يجري من حوله وهي نقطة تحسب إيجابيا لكونها كسرت النمطية في كون الفيلم مجرد فيلم مطاردات وقتل وانتقام إلى كون الحياة اليومية هي اقرب إلى الذات وما تشعر تجاهه وما تتخذ نحوه من ردود أفعال لا تمر مرور الكرام.

الإشكالية الأخرى التي تكمل ما قلناه بصدد تلك المواجهة الشرسة تتمثل في عامل الزمن، فكما ذكرنا هنالك فاصلة زمنية أمدها 72 ساعة يجب خلالها إنجاز المهمة وإنقاذ الفتاة وبذلك يتحول الزمن الداخلي والإحساس به مختلفا وذلك من خلال قرار الأم أن تبقى متيقظة طيلة ذلك الزمن من أجل إنقاذ ابنتها وما سوف يصحب ذلك من تدخل سلطات الجيش لإنقاذ محاربتهم الجسورة من براثن الشرطة المحلية المخترقة والمرتشية.

بالطبع هنالك توقع بنهايات سعيدة وتكريس صورة محاربة المارينز الشجاعة وهي تتوج فائزة في ذلك الصراع، لكن هيهات فقد كانت ابنتها قد قتلت بينما هي لا تزال تعيش وهم الاستمرار في مهمة الإنقاذ غير قادرة على تصديق أنها فشلت في المهمة وبذلك بقيت أسيرة ذلك الحطام العائلي والاجتماعي الذي ظلت تعيشه إلى النهاية.

إخراج/ أدريان غرونبيرغ

سيناريو / بونغ سيوب مون

تمثيل/ ميلا جانوفيتش، ايزابيل ميرز، شين ويليام،

مدير التصوير/ فيرن نوبلز

موسيقى دون شيري