الوظيفة نظام يُفرِط في تشييئِنا !
الاحد / 8 / ذو القعدة / 1447 هـ - 19:21 - الاحد 26 أبريل 2026 19:21
يتحوّلُ البشر إلى مقاعد ومشاجب للثياب، مفاتيح ومظلّات؛ بعضهم إشارات مرور، وآخرون حمّالون يحملون الناس على أكتافهم.
فئة أخرى تصير بوّابات.. تتجاور أجسادُهم وتتراصّ مناكبُهم وتفترقُ في محاكاة أبدية لوضعية الفتح والإغلاق، وقد يغدو البعض «ثقلا» يُساعد في رفع وإنزال المصعد!
هكذا ينهضُ فيلم التحريك الأرجنتيني، شديدُ التكثيف بفكرته الغرائبية.
الفيلم المعنون بـ«El Empleo» الوظيفة، الصادر عام 2008، ليضرب عصبَ يقيننا بفكرةٍ صادمةٍ وبسيطةٍ في آن.
فعبر سبع دقائق مُكثّفة تتجلّى «الوظيفة» التي لطالما حلمنا بها وناضلنا من أجلها ومن أجل الصعود في سلالمها، باعتبارها قوة تُحوّلنا جميعًا إلى أدوات.
إذ في غفلةٍ منا، تبدو الوظيفة نظامًا مُفرِطًا في تشييئنا، ويغدو التسلسلُ الهرمي -بكل ما يكتنفه من تبايناتٍ وطبقات- مبضعًا يُقزّمنا، فلا نصير إلا ترسًا في آلةِ إنتاجٍ متوحّشة متناسلة ومُلتهِمة.
في هذا الأنميشن السردي السوداوي الصامت، الحائز على العديد من الجوائز، يستيقظُ البطلُ ليجد من حوله وقد تحوّلوا إلى أشياء: الزوجةُ والأبناء، الناسُ في الشوارع وزملاءُ العمل. لكنه لا يستهجن الأمر، بل يبدو كمن اعتاده.. مشهدٌ طبيعيّ مألوف لا يثيرُ الريبة.
يبدو الأمر كاستعارة مكثّفة لواقع الوظيفة في حياتنا اليوم، ولعلّه يذكّرنا بذلك النمط الذي يسحقُ الإنسان ويمحو ذاته ويجعله مع الوقت نسخةً أخرى ممّا كان عليه؛ لا سيما تلك الوظائف التي تفرضُ ساعات عمل طويلة بأجورٍ مُجحفة، كالعقود التي تستقطبُ خريجي الجامعات والكليات في بداياتهم المهنية في القطاع الخاص.
فقد وجدت بعضُ الشركات -في ظلّ محاولات الحكومة الدؤوبة لضبط الأجور- سبيلًا إلى شرعنةٍ غير مباشرة لتبخيس الأجر، مستفيدةً من أطرٍ تنظيميةٍ تمنحها من حيث لا تحتسب، فرصة الاكتفاء بالحدّ الأدنى للأجور، أعني 325 ريالًا عُمانيًا، مهما كان العمل أو عدد ساعاته أو نوع الشهادات التي يحوزها الخريج!
فيغدو الشاب الغضّ جزءا من آلة الإنتاج الضخمة، لقاء أجرٍ لا يوازي الجهد المبذول. ثم يُكابد مأزقًا مزدوجًا: إمّا القبول بشروطٍ غير مُنصفة وإمّا انتظار فرصة قد لا تأتي!
غالبًا ما تكون هذه العقود قصيرة الأجل، محدودة المزايا، تُربط على نحوٍ صارمٍ بمشروعٍ بعينه؛ فيُسرَّح الشاب ما إن ينتهي، فيغدو عاجزًا عن اتخاذ خطوةٍ جادّة في حياته، إذ يظلّ مُهدَّدًا بانقضاء عقده أصلًا، فلا يُقدِم على زواج ولا شراء سيارة ولا بناء بيت ولا أخذ قرض! وهو ما يُدخل الطبقة الوسطى -النواةَ الصلبة التي تُراهن عليها المجتمعات لإنعاش اقتصادها وإدارة عجلاتها فوق المياه الراكدة- في حالة عجزٍ وجمود، إذ يُلقي هؤلاء الشُبان بظلال تعاستهم على المجتمع.
لا سيما عندما يتراجع شعورهم بالطمأنينة، فيدخلُ الفرد منهم في حالةٍ من القلق والحذر الدائم من أي مجازفةٍ غير محسوبة! يغدو هذا الإنسان مُزعزع الحواس، مُختزَلًا وشاعرًا باغترابٍ ممضّ بين احتياجه إلى الوظيفة وتوقه إلى كرامة العيش.
المريبُ في فيلم «الوظيفة» أنّ الناس هناك لا يصرخون من غرابة أدوارهم ولا من تحوّلهم إلى أشياء عديمة القيمة، تُلقى في أقرب سلّة مهملاتٍ ما إن يصيبها العطب؛ بل يُقدَّم الأمر كأنّه بدهيّ.
لا يُسجِّل الفيلمُ القصير موقفًا ممّا يحدث، إذ يهيمن الخنوعُ والجمود على الجميع. ولا أدري إن كان مخرجُ الفيلم سانتياغو غراسو، قد تقصد أن يقول لنا عبر فيلمه الصامت: إنّ الوظيفة قد تبلغ في ديناميكياتها الدفاعية حدَّ تعطيل صوت الإنسان وثورته واحتجاجه!
وهذا أخطرُ ما قد يخفق له الفؤاد؛ إذ تبدأ أشدُّ صور الانسلاخ حين نتقبّل الشاذّ عن طبيعتنا كأنّه العاديّ والطبيعيّ. عندئذٍ يُستلب منّا كلُّ شيءٍ على نحوٍ صادم، حتى الرجل «البطل» الذي خاض روتينه اليومي متفوّقًا على الآخرين، لم يكن سوى ممسحةٍ باليةٍ تحت أقدام سلطةٍ أشدّ وطأة!
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»