الاقتصادية

كيف أسهمت التقنيات الحديثة في استحداث مهن جديدة خارج الإطار التقليدي؟

 


قادت الثورة التقنية الهائلة إلى استحداث وظائف ومهن جديدة خارج الإطار التقليدي، لا سيما للشباب المهتمين بالتقنيات الحديثة، في ظل تنامي الاعتماد على المنصات الرقمية والتجارة الإلكترونية، حيث أصبحت التقنيات الحديثة محركًا رئيسيًا لإعادة تشكيل سوق العمل وخلق أنماط جديدة من الوظائف خارج الأطر التقليدية مع تسارع وتيرة التحول الرقمي عالميًا.
ومع هذا التحول المتسارع، ظهرت فرص واسعة أمام الشباب للدخول إلى مجالات مهنية مبتكرة تعتمد بدرجة كبيرة على المهارات التقنية والإبداعية بدلًا من المسارات الوظيفية التقليدية.
وفي سلطنة عُمان، يظهر هذا التحول بشكل متزايد، حيث أسهمت الثورة الرقمية في فتح آفاق اقتصادية جديدة، مكنت الأفراد من تأسيس مشاريعهم الخاصة أو العمل ضمن منظومات رقمية مرنة تمتد من التجارة الإلكترونية إلى إدارة المحتوى والتسويق الرقمي، دون أن يشكل الموقع الجغرافي أو رأس المال المرتفع عائقًا أساسيًا، بقدر ما أصبحت المهارة الرقمية والقدرة على التكيف مع المتغيرات عنصرًا رئيسيًا في النجاح.
وأجرت 'عُمان' استطلاعًا صحفيًا مع عدد من العاملين في هذه المهن المستحدثة للوقوف على طبيعة التحولات التي يشهدها سوق العمل، واستكشاف الفرص التي أتاحتها التقنيات الحديثة، إلى جانب التحديات التي تواجه العاملين في هذه المجالات.
وقال زاهر بن زهران الصارمي، مورد سيارات عبر المنصات الإلكترونية: إن التقنيات الحديثة، لا سيما المنصات الرقمية المتخصصة، أسهمت في إحداث تحول جذري في آليات العمل بقطاع استيراد وتصدير السيارات، وفتحت المجال أمام أنماط جديدة من فرص العمل خارج الإطار التقليدي.
استحداث وظائف متخصصة
وأوضح الصارمي أن وسائل التواصل الاجتماعي لم يكن لها تأثير مباشر على عمليات التصدير ذاتها، بقدر ما برز دور المنصات الرقمية المتخصصة في المزادات والتجارة الإلكترونية التي أعادت تنظيم عملية شراء السيارات من الخارج.
واستطرد بقوله: 'قبل انتشار هذه المنصات، كانت العمليات تعتمد بشكل كبير على العلاقات الشخصية، حيث يلجأ المشترون إلى معارفهم في الخارج لإجراء المزايدات نيابة عنهم، وهو ما كان يفتقر إلى الشفافية ويكتنفه قدر من المخاطر'.
وأضاف أن التحول الرقمي أوجد بيئة أكثر موثوقية وانسيابية، إذ توفر المنصات الحديثة خدمات متكاملة تشمل المزايدة المباشرة وإتمام إجراءات الشراء وصولًا إلى الشحن والتسليم داخل الدولة، ما أسهم في تبسيط العمليات وتقليل المخاطر والتكاليف.
وأشار الصارمي إلى أن هذا التحول انعكس بشكل واضح على سوق العمل، حيث أدى ارتفاع حجم الطلب وتزايد العمليات إلى استحداث وظائف متخصصة مثل 'موظف المزايدة'، الذي يتولى متابعة المزادات والتنسيق مع العملاء وترتيب إجراءات الشراء والشحن، بعد أن كانت هذه المهام تُدار بشكل فردي من قبل التاجر.
ولفت الصارمي إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا محوريًا في التسويق والترويج، إذ تُنجز نسبة تتجاوز 90% من عمليات البيع عبر هذه القنوات، بما في ذلك منصات مثل 'سوق عُمان' و'السوق المفتوح'، التي أصبحت في كثير من الأحيان أكثر فاعلية من المعارض التقليدية.
وبيّن أن هذا التحول أتاح للشباب دخول السوق بتكاليف أقل من خلال إنشاء منصات رقمية خاصة لعرض السيارات دون الحاجة إلى معارض فعلية، ما أسهم في خفض التكاليف التشغيلية وتوسيع قاعدة العملاء، إضافة إلى فتح المجال أمام وظائف جديدة في مجالات التسويق الرقمي وإدارة المحتوى والتصوير وخدمات تجربة العملاء.
وأكد أن المنصات الرقمية وسّعت النطاق الجغرافي للنشاط التجاري، حيث لم يعد التسويق مقيدًا بموقع جغرافي محدد، وإنما أصبح بإمكان التجار الوصول إلى مختلف ولايات سلطنة عُمان والتوسع نحو الأسواق الخليجية، ما يعزز فرص التصدير ويزيد من مرونة الوصول إلى العملاء.
وفيما يتعلق بالتحديات، أشار الصارمي إلى أن أبرزها يتمثل في تراجع مستوى الثقة لدى بعض المتعاملين بسبب صعوبة التحقق من مصداقية الإعلانات، إلى جانب تعدد الاشتراطات التنظيمية والتحديثات المستمرة التي قد تفرض رسومًا أو تصاريح جديدة، كما أن غياب التنظيم الكامل للسوق يفتح المجال أمام منافسة غير منظمة تؤثر على استقرار القطاع.
ونوّه الصارمي إلى أن هذه التحديات تظل محدودة مقارنة بحجم الفرص التي أتاحها التحول الرقمي، مؤكدًا أهمية تعزيز الأطر التنظيمية وتحقيق التوازن بين تنظيم السوق ودعم التجار بما يسهم في استدامة النمو وتوفير المزيد من فرص العمل.
آفاق غير محدودة للاستيراد
وفي سياق متصل، قالت فاطمة الحديدي، وسيطة مواقع إلكترونية عالمية: إن التقنيات الحديثة أسهمت في فتح آفاق واسعة وغير محدودة أمام استيراد سلع أكثر تنوعًا، بما يلبي احتياجات المستهلكين خارج نطاق المعروض في الأسواق التقليدية وبأسعار أكثر تنافسية.
وأوضحت أن هذه المنصات أتاحت كذلك إمكانية التعامل المباشر مع مصانع ذات جودة عالية، إلى جانب التعرف على علامات تجارية جديدة غير متوفرة محليًا، ما يعزز تنوع الخيارات ويرفع مستوى المنافسة في السوق.
وفيما يتعلق بالتحديات، أشارت وسيطة مواقع إلكترونية عالمية إلى أن التعامل مع العملاء يمثل أحد أبرز التحديات، خاصة فيما يتعلق بتأخر عمليات الدفع أو ضغط بعض العملاء لتسريع تسليم الطلبات رغم طبيعة الشحن الدولي التي قد تستغرق وقتًا، لا سيما في الشحن البحري في ظل الأوضاع الراهنة وإغلاق مضيق هرمز، مما يضع الوسيط في موقف حرج أمام توقعات العملاء.
وأضافت أن ارتفاع تكاليف الشحن بشكل ملحوظ يمثل تحديًا إضافيًا، إلى جانب مشكلات تتعلق بجودة خدمات بعض شركات الشحن، حيث قد تتعرض الشحنات للتلف نتيجة سوء المناولة أو ارتفاع درجات الحرارة أو ضعف التغليف، في حين ترفض بعض شركات التوصيل تعويض الخسائر في حال عدم الاشتراك في الخدمات المميزة، كما أن بعض المنصات لا تتحمل مسؤولية استرجاع المنتجات، ما يؤدي إلى تكبد خسائر مباشرة.
وأفادت فاطمة الحديدي بأن التعامل مع هذه التحديات يتطلب اتباع إجراءات احترازية من بينها اختيار شركات شحن موثوقة وذات خبرة، والحفاظ على تواصل مستمر معها لضمان سلامة الشحنات، إضافة إلى الاشتراك في الباقات السنوية التي توفر مزايا في التكلفة والخدمة، فضلًا عن الحرص على التغليف الجيد خاصة للمنتجات القابلة للكسر لتقليل احتمالات التلف.
وفي نظرتها المستقبلية، وصفت فاطمة الحديدي قطاع التجارة الإلكترونية بأنه واعد ويشهد نموًا متسارعًا، مما يدفع شريحة متزايدة من المواطنين إلى التوجه نحو هذا القطاع، نظرًا لانخفاض تكاليفه التشغيلية وسهولة إجراءاته مقارنة بالمحلات التقليدية، وهو ما يعزز دوره في خلق فرص عمل جديدة خارج الأطر التقليدية.
مصدر دخل مستدام
من جانبه، قال محمد بن راشد الصوافي، كاتب محتوى ومدير حسابات وسائل تواصل اجتماعي: إن التحول الرقمي أسهم في إعادة تشكيل مفهوم إدارة الحسابات الرقمية، لتتحول من مجرد نشر محتوى بسيط إلى منظومة متكاملة قائمة على أسس علمية واستراتيجية.
وأوضح أن إدارة الحسابات اليوم تبدأ من الصفر من خلال تطوير الفكرة وتحويلها إلى مشروع رقمي له أهداف واضحة، لافتًا إلى أن الحسابات لم تعد مجرد وسيلة تواصل، وإنما أصبحت تمثل واجهة المشروع وصوت العلامة التجارية، وفي كثير من الأحيان مصدرًا رئيسيًا للدخل.
وأشار الصوافي إلى أن هذا التحول فرض الحاجة إلى كوادر متخصصة تمتلك مهارات متعددة تشمل بناء الاستراتيجيات الرقمية وتحديد الجمهور المستهدف وتحليل الأداء، مؤكدًا أن 'الأرقام أصبحت لغة النجاح' في هذا المجال.
وأكد أهمية التكامل بين عناصر صناعة المحتوى من كتابة وتصوير ومونتاج وإخراج بصري، إلى جانب إدارة الهوية البصرية والحفاظ على شخصية واضحة ومتسقة للعلامة التجارية.
وأوضح أن التحدي الأكبر يتمثل في القدرة على التميز في بيئة رقمية مزدحمة وسريعة التغير، حيث يتخذ الجمهور قراراته بشكل لحظي، ما يفرض على صناع المحتوى العمل على جذب الانتباه والحفاظ عليه في آن واحد، مشيرًا إلى تحديات أخرى من بينها الاستمرارية في تقديم محتوى جديد دون فقدان هوية العلامة التجارية، والتعامل مع مختلف فئات الجمهور بما في ذلك التعليقات السلبية وإدارة الأزمات بشكل احترافي.
وأكد ضرورة الابتعاد عن العشوائية في إدارة المحتوى من خلال وضع خطط واضحة وربط كل محتوى بهدف محدد سواء كان زيادة الانتشار أو التفاعل أو تحقيق المبيعات أو بناء الثقة، مشيرًا إلى أن أي محتوى لا يستند إلى هدف واضح يعد إهدارًا للوقت والموارد.
وأوضح الصوافي أن هذا المجال فتح آفاقًا واسعة أمام الشباب، خاصة في ظل حاجة مختلف الأنشطة حتى الصغيرة منها إلى حضور رقمي قوي، وأسهم ذلك في خلق فرص وظيفية متنوعة في مجالات إدارة الحسابات وصناعة المحتوى والتصوير والمونتاج والتسويق الرقمي وتصميم وتطوير المواقع.
ولفت إلى أن هذا القطاع لا يعتمد بشكل أساسي على المؤهلات الأكاديمية بقدر ما يرتكز على المهارات والإبداع والقدرة على تحقيق نتائج ملموسة، ما يجعله مصدر دخل مستدامًا لمن يحرص على تطوير ذاته ومواكبة التغيرات وبناء علامة شخصية قوية.
وأفاد محمد الصوافي أن نموذج العمل في هذا المجال يشهد تطورًا نحو تقديم حلول متكاملة، حيث يفضل بعض المتخصصين تقديم حزمة خدمات تشمل إدارة المحتوى وتصميم الهوية والإنتاج المرئي وتطوير المواقع الإلكترونية، بما يوفر على العميل الوقت والجهد ويضمن تحقيق نتائج أكثر كفاءة.