بانتظار ارتفاع الأسعار أكثر!
السبت / 7 / ذو القعدة / 1447 هـ - 21:57 - السبت 25 أبريل 2026 21:57
نشرت جريدة عمان الأسبوع الماضي تحقيقًا عن شكوى المستهلكين من ارتفاع أسعار الخضار والفواكه كإحدى نتائج الحرب الجارية. في الوقت نفسه فإن أسعار مواد البناء بدأت هي الأخرى في الارتفاع، هذا عدا شح المعروض أو نفاد الكميات لدى الموردين كما أخبرني صديق انطلق مؤخرًا في إعادة بناء منزله، ويبدو أن التوقيت غير مناسب عمومًا لمشاريع البناء؛ خاصة وأن الموردين يؤكدون أنهم لا يتوقعون شحنات جديدة قبل شهرين.
ولا يتوقف الأمر عند هذه الحدود؛ ذلك أن أسعار الأقمشة والخياطة بدأت هي الأخرى في الارتفاع بالتزامن مع موسم التجهيزات لعيد الأضحى القادم. ومن الواضح بشكل عام أن أضرار الحرب وشلل الاقتصاد العالمي بدأت تؤثر على حياة الناس اليومية، وهي مرشحة للتفاقم أكثر في الأشهر القادمة؛ فهل لدينا خطة لاحتواء هذه الآثار؟ وما الذي يمكننا فعله؟
أما في الحرب نفسها فإن الهدنة المعلنة تبدو شكلية وغير مستقرة بينما الحصار قائم، والمضيق إن لم يكن مغلقًا فهو شبه مغلق، وما زالت أسعار النفط والغاز مرتفعة، وحركة البضائع والشحن متقطعة، وتواجه صعوبات ومخاطر مباشرة، وهو الأمر الذي ستنعكس آثاره بالتأكيد على أسعار كافة السلع والبضائع المختلفة وعمليات الشحن والنقل التي توقف عدد كبير منها، وإن كان ذلك كله يعد من الآثار غير المباشرة للحرب نفسها، ولكنها هي الأضرار الطويلة الأمد، والتي يجمع الاقتصاديون أنها ستمتد ربما إلى نهاية العام، مما يعني نموًا متباطئًا واقتصادًا عالميًا أضعف، وقدرة شرائية متناقصة، لكن بالعودة إلى سؤالنا ما الذي يعنيه ذلك فعلًا على صعيدنا كأفراد وكمجتمعات ودول؟ وهل علينا إعادة وضع خططنا المالية لتتلاءم مع هذه الظروف المتوقعة؟
من الواضح أن الإجابة هي نعم. علينا كأفراد ترشيد استهلاكنا، وتنظيم احتياجاتنا واقتصارها على الأساسيات، فما زالت الآثار الاقتصادية في بدايتها، ومن المتوقع أن تستمر وتتفاقم، وستتأثر الحلقة الأضعف من المجتمع خاصة ذوي الدخل المحدود والمتدني، وكل ذلك يتطلب نمطًا استهلاكيًا مختلفًا عن نمط استهلاك الوفرة، والتحسب مسبقًا للتحول إلى نمط استهلاك الندرة، وهو النمط الذي يركز على توفير الأساسيات مع التحسب لظروف أصعب رغم أن الادخار المالي أصبح لعدد متزايد من السكان لدينا رفاهية صعبة المنال، وهو الأمر الذي يدفع بقطاعات من العاملين كالمتقاعدين مثلًا للبحث عن مصادر دخل إضافية كالعمل في القطاع الخاص ليتمكنوا من تسديد التزاماتهم الشهرية مع التضخم المتنامي، وهو التضخم الذي يبدو أنه سيزداد بالضرورة بسبب الحرب.
من جهة الدولة فإن الأرباح المنتظرة من ارتفاع أسعار النفط -التي حفزت رفع سقف الإنتاج للاستفادة من الأسعار المرتفعة- فإنها مهما بدت مغرية تحمل مخاطر ارتفاع أسعار السلع والبضائع والنقل، مما سيرتد أثره بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمجتمعات، وللدولة كذلك بطبيعة الحال بما أنها منخرطة في مشاريع كبرى، كما يهدد بشكل مباشر القوة الشرائية للعملة الوطنية.
كل ذلك يتطلب تدخلًا من الجهات المختصة المختلفة ابتداء من مجلس الوزراء إلى وزارة الاقتصاد بما في ذلك البنك المركزي لوضع خطة اقتصادية مرنة تتجاوب مع الآثار الاقتصادية المرتقبة، وتضمن قدرة الحكومة على ضبط الأسعار، والمحافظة على مؤشرات النمو عبر مختلف الإجراءات الاقتصادية المعروفة: كتسهيل الاستيراد، وخفض الضرائب وأسعار الفائدة إلى زيادة الإنتاج المحلي، وهي الإجراءات التي قد تخفف من حدة ارتفاع الأسعار المرتقب، ولو إلى حد ما.
ليست الحروب مجرد حوادث مؤسفة تقتل الناس بنيران الأطراف المتصارعة، وفي عالم يعتمد اعتمادًا كليًا على سلاسل التوريد والتصدير وتبادل السلع فإن مخاطر استخدام الاقتصاد كسلاح من أسلحة الحرب له آثاره المباشرة على حياة الناس اليومية وعلى الاحتياجات الأساسية للبشر في كل مكان.
وفي عالمنا الذي يعتمد اعتمادًا مفرطًا يكاد يكون كليًا على طاقة الوقود الأحفوري والغاز فإن الاضطراب الواقع اليوم في مضيق هرمز لاشك ستنعكس آثاره علينا وعلى العالم دون استثناء، وهو ما يتطلب بالضرورة سياسات اقتصادية متناسبة، وحكومات أقوى ذات قدرة على حماية اقتصادها وأفرادها، وهو المنتظر منها.
من جهة أخرى يطرح كثير من الخبراء فكرة أن الحرب رغم سوئها، ورغم آثارها الاقتصادية الخانقة، تفتح الباب أمام التحول العالمي نحو الطاقة الحيوية والوقود الأخضر، وأن الأفراد بدأوا بالفعل في كثير من دول العالم المتضررة من الارتفاع المباشر لأسعار الطاقة كباكستان مثلًا في التحول إلى استخدام حلول الطاقة الشمسية وغيرها. وهذا بلا شك اتجاه مبشر ومفرح؛ ذلك أن مثل هذه التحولات نحو حلول الطاقة الخضراء تنعكس آثاره على العالم ككل من تقليل الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية إلى توفير حلول رخيصة للطاقة، وإن كان ذلك لا يصب مباشرة في مصلحة الدول المصدرة للطاقة كعمان ودول الخليج، لكنه مع ذلك يصب في مصلحتها على المدى الطويل.
إن الطاقة الخضراء وحلول الطاقة الحيوية هي المستقبل المنشود لعالم أقل اضطرابًا وتوترًا واختناقًا.
وكما يجادل عبدالهادي الساعدي من شركة حلول الهيدروجين الأخضر في مقاله المنشور في الملحق العلمي قبل الأخير بهذه الجريدة، وهو يتساءل: كم من الألم تحتاجه الحكومات كي تسرع اتجاهها نحو الطاقة الخضراء؟ بينما توجد آراء معارضة لذلك ترى أن الحاجة ستبقى مستمرة للوقود الأحفوري كما يكتب سعيد المحرمي في العدد نفسه. ولا شك أن التوازن مطلوب، لكن ذلك لا يلغي ذلك حجم الأضرار البيئية والمخاطر الاقتصادية والسياسية المرتبطة بهذه الصناعة، وهي المخاطر التي يجب تحرير حاضر بلداننا ومستقبلها والعالم من ثقلها ووطأة قبضتها الخانقة.
إن كل الآثار الاقتصادية والانهيارات المترتبة على الحروب المختلفة منشأها نموذج الاقتصاد العالمي المعتمد اعتمادًا لا ينفك على طاقة الوقود الأحفوري، وهو الأمر الذي يجعل صدمة ارتفاع أسعار النفط والغاز تؤثر مباشرة على مختلف أسعار البضائع بما فيها الغذاء.
والحل يكمن فعليًا في فك هذا الارتباط القاتل عبر تقنيات ووسائل آمن وأقل إضرارًا بالبيئة. ولا شك أن التحول للطاقة الخضراء سيستغرق وقتًا طويلًا، وإذا تمكن العالم من ذلك في نهاية هذا القرن فإن ذلك سيعتبر إنجازًا عظيمًا؛ لأن كل خطوة في هذا الاتجاه تصنع فعلًا عالمًا أقل توترًا واضطرابا، بل تصنع عالمًا أقل طواعية للهيمنة والتحكم الأحاديين، كما نشهده في هذا التطرف الدولي المتنامي الذي يجري اليوم على أرضنا وبحرنا بأيدٍ أمريكية وإسرائيلية.
وإذا كانت اللحظة تفرض علينا البحث عن حلول مؤقتة فإن ذلك يجب ألا ينسينا أن علينا البحث كذلك عن حلول مستدامة طويلة الأجل.
إن المعضلة الأساسية التي تطرحها صورة العالم اليوم وسط هذا الحرب تشير فعلًا إلى مفترق طرق حاسم، لكن علينا ألا نتخلى عن مبادئنا الإنسانية العليا المرتبطة ارتباطًا لا فكاك له ببناء الأرض وعمرانها لا بخرابها، وبالحفاظ على الطبيعة ونموها لا بدمارها على الأقل إلى أن يعود هذا العالم إلى صوابه، وإلى أن يهدأ هذا السعار الحربي والجشع الاقتصادي الذي تفضحه أفعاله ومواقفه في كل مكان.
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني