ثقافة

إهداءات الكتب والتوقيع عليها كرم ثقافي رفيع

 

محمد بن سليمان الحضرمي 

تصلني من بعض الأصدقاء الكُتَّاب، نُسَخًا من كتبهم الصَّادرة حديثًا، موقع على بعضها إهداءات أنيقة، تعني أنني حاضر في وجدانهم، وإلا ما وصلني منهم نسخة بالإمضاء، وقد أُوعِزُ أحيانًا إلى من يكرمني بنسخة من كتابه، ألا يغفل أن يكتب لي إهداءً، ليبقى الكتاب ذكرى حميمة منه، فبرأيي أن الإهداء كرم ثقافي رفيع، وبين كلماته فيضٌ من المحبة، وآخر ما وصلني، نسخة من الأعمال الشعرية للشاعر الراحل مبارك بن محمد العامري (ت: 2020م)، مرفقة بورقة مكتوب فيها: (غُرَباءُ في هذا العَالَم والحُبُّ مَوطِنُنا)، شكرًا جزيلًا لأسرة الشاعر على الهديَّة الثمينة والإهداء الأنيق، وكأنَّ روح العزيز مبارك تعود إلى الحياة من جديد.
في مكتبتي نماذج من هذا الكرم الثقافي، موقَّعة من مؤلفيها، توثق لحظة اللقاء بهم في المحافل الثقافية، أو تصلني منهم عبر المُراسَلة، وكأنَّ الكاتب يهدي لقارئه نسخة من روحه، ونفحة من بوح مشاعِره، وهذه الكائنات الورقيَّة الجميلة، تحمل ذوق مألفيها وأحلامهم، وفي ذلك المضموم بأوراقه والمسمَّى كِتاب، قطعة من عقل الكاتب وتفكيره، ويمكن منه استشفاف ثقافة الكاتب، وإلى أين يبلغ به تفكيره، وفوق أيَّ مَرْج أخْضَر تُحِلِّق شاعريته.
وبين الحين والآخر، أعود إلى تلك الكتب المُهداة، فأقرأ إهداءات مؤلفيها من جديد، لتتجدد بيننا روح الصَّداقة، وتزداد المحبَّة والصِّلة، وكأن في ذلك التوقيع ما يدفعني أن أقرأ الكتاب من جديد، وأدَبيًا ليس أقل من قراءة الكتاب، وليس أقل من أن تتقوَّى تلك الصِّلة الثقافية بين الكِتاب والكاتِب.
ويحدث أن أقرأ تلك الاهداءات الرَّقيقة، وأتذكر اللحظة التي جمعتني بالكاتِب، وأتساءل مع نفسي: هل لا تزال كلمات الإهداء نَديَّة كاللحظة التي كُتِبَت فيها؟ أم أن كاتبها غيَّرته صروف الزمان، وطوَّحت به الأيام، وأصبح شخصًا آخر؟ للأسف الشديد، قد تتغيَّرُ مشاعر الناس، فمن أهداك يومًا كتابه، ونمَّقه بكلماتٍ من شاعريته، قد تلتقي به في قادِم الأيام والأعوام، ولا يلتفت إليك، وكأنه لم يرك ولا يعرفك، وتتساءل مع نفسك: تُرَى ماذا حدث؟!
لكن الجميل في الأمر أنَّ كلمات الإهداء تأتي أشبه بقطرات النَّدى على وردة القلب، أو نسمة باردة تتسلل إلى الأعماق، فتلطِّف احتراقات الرُّوح، ونتذكر ذلك الإنسان الذي كتب لنا بحبر مشاعره، إهداءً رقيقًا في صفحات كتابه، حتى وإن لوَّثته الحَياة بغبارها القاتم، فإهداءات الكُتَّاب بلا شك كرَمٌ ثقافيٌ رفيع.
في لقاء بمسقط، مع الكاتب غازي عبدالرحمن القصيبي (ت: 2010م)، وَقَّع لي رحمه الله على كتابه «حَياةٌ في الإدارة»، كنت قد حملته إليه، وطلبت منه توقيعًا، فقال لي مُمازحًا: هذا الكتاب سيفسدك، ولا تزال كلماته راسخة في أعماقي، أتذكرها كلما تصفَّحتُ كتابه وقرأت إهداءَه، وفي لقاء آخر بمدينة الدوحة، مع العالم المصري الدكتور أحمد زويل (ت: 2016م)، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999م، وقَّع لي على كتابه «عَصْرُ العِلم»، ولحظة التوقيع كان يهمس لي أنْ أقرأ الكتاب، فقرأته باستمتاع، وعِشْتُ مع الكاتب في حَيواتِه وحَيويَّته، وتنقلاته ومشاغله، وكان الكتاب سيرة ذاتية لعالم كبير، جمع بين العلم وعِشْق الفن، وقد كان دائم الاستماع إلى أم كلثوم في لحظات غوصِه في التفكير، كان صوت أم كلثوم رفيقه في خلوته العلميَّة، ومع كل نغمة من غنائها، تنطلق منه ومضة تفكير في مشروع علمي.
وفي لقاء بالناشر والكاتب رياض نجيب الريِّس (ت: 2020م)، بمكتبه في بيروت، أهداني نسخة من كتابه «آخَرُ الخَوارِج»، وكتب لي موقِّعًا: (إلى الزميل العزيز محمد، مع تقديري لمغامرته الصَّحفية، في عصر لم يعد يتسع للحريات، مع صداقتي دائمًا)، كان هذا الإهداء حافزًا لي لمواصلة الكتابة، وملهمًا لأفكار كثيرة، وقد كنت سألته عن مادَّة الكتاب، كيف استطاع لملمتها وجمعها في كتاب واحد، فأخبرني أنَّ سِرَّ الكتابة يكمن في أكوام من القصاصات احتفظ بها، وأنَّ الأرشيف غذاء الصَّحفي بالكلمات والمقالات.
وفي مكتبتي المنزلية كتُبٌ كثيرة، موقعة من كبار الكُتَّاب، وبعضهم مجايلون لي في العمر، أصبحوا من الكتَّاب البارزين، فمن يسير في طريق التأليف، باحِثًا عن أسرار الكلمات، حتمًا سيبدع في سَرْدها، أصدقاء نتقاسم معهم الحياة والمشوار في طريق الكتابة، ونتبادل الكتب، لتبقى بيننا أجمل ذكرى، ولأننا راحلون عن هذه الدنيا الفانية، فلا أجمل مِنْ أنْ يترك الإنسانُ بصمة رائعة خاصة به، والكتاب من بين أجمل البصمات، كائِنٌ ناطِقٌ بلا كَلام، وصامتٌ يتحدَّث لقارئه بهَمْس، كائنٌ لا يحتاج منا أكثر من أن نحتويه في مكتباتنا، ونجدد اللقاء به بين حين وآخر، فتتجدد معه ذكرى اللقاء بمؤلفه.
ولا أنسى زيارتي للشاعر الرَّاحل هلال بن محمد العامري (ت: 2022م)، في منزله حين كان يسكن في مدينة القرم بمسقط، فقد أهداني مجموعة من إصداراته الشِّعرية، وتوقيعه بمَحبَّة على كل إصدار، شعرتُ لحظتها وكأنه يهديني قطعة من روحه، فالكتاب شكْلٌ من أشكال التواصل المعرفي مع روح الكاتب، وقد وقَّع لي على ديوانه «قطرَة في زمَن العَطش» فكتب: (علَّنا نجد سَحابَة في زمن الجَفاف نستظلُّ بها)، شعرت وكأنَّ الديوان لم يكنْ مكتملًا بغير هذا الإهداء، ووقَّع لي على مجموعته «رياحُ المُسافر بعد القصيدة»، فكتب: (لا تحملنا سِوى رياح المَحبَّة، عبر صَحاري الشِّعر)، وصِدقًا شعرت أنَّه بهذا التوقيع ختم الديوان، لكنه ختام خاص بهذه النسخة، وقد يختم نسخة أخرى من ذات الديوان بإهداء آخر، تتجدد معه دماء القصيدة، وحين خرجت من منزل الشاعر ومعي دواوينه، شعرت وكأني أحمل حياته الشِّعرية التي عاشها.
والأمثلة على ذلك كثيرة، وكثيرة هي التواقيع والإهداءات التي سَطَّرها الكُتَّاب في كتبهم أكثر من أن تستوعبها مقالة، وكنتُ قد كتبت حولها مقالة سابقة بعنوان: «تواقيعُ الكُتَّاب نصُوصٌ كُتِبَتْ عفو الخاطِر»، نشرتُها في جريدة عُمان، ثم في كتابي «أضاميمُ الأيام»، ولا بأس من الكتابة حولها من جديد، فمن يشُمُّ العِطر لا بدَّ أن يهيم برائحته، ضمنت تلك المقالة بعضًا من تلك الإهداءات، فقد رأيت فيها نصوصًا أدبية، خاصة وأنَّ «اليوم العالمي للكِتاب» يُحفِّزُنا على الاقتراب من هذه الينابيع الثريَّة، وأوعية العلم المهمة، التي تحمل إلينا تفكير عقول الكُتَّاب، ومشاعر الأدباء والشعراء والسَّاردين، ومؤلفي الرَّوائِع والذَّخائِر.
إنَّ كل توقيع في كتاب، توثيق للحظة جميلة لا تتكرر، وقد تأتي لحظات أخرى مع ذات الكاتِب بكتاب آخر، لكن لكل لحظة ميزتها وجمالها الخاص، اللحظات لا تتكرر وإن تشابهت مع أخرى، مثلما تلك الإهداءات بمثابة بوح محبَّة تنضح بها الكلمات، فلا أجمل من أن يرى الكاتب بوح قلمه، ينتقل إلى يَدٍ أخرى، ويسافر إلى مكان آخر، كما تنطلق الطيورُ من أوكارها، مُجنِّحَة إلى أفياءٍ ظليلة.
وكنت أسأل نفسي: هل حقًا ينتهي الكتاب بآخَرِ كلمة في صَفحتِه الأخيرة؟ لعله كذلك، ولكن كلمات الإهداء تضيف للكتاب زيادة جديدة على مادَّة الكِتاب، وهي برأيي آخَرُ الكلمات، تختلف من نسخة أخرى، وقد لا تنتهي، وهذا ما يجعل بعض الكتب نفيسَة، وذات قيمة ثقافية عالية، لأنها تحمل تواقع مؤلفيها.
في المكتبات المختصَّة ببيع الكتب المستعملة، يسعى أصحابها إلى الحصول على تلك النسخ من الكتب القديمَة، الموقعة من مؤلفيها، لذلك نرَى بعضهم يعرض نسخةً فريدة من أحد الكتب بسعرٍ مرتفع، فقد زادها توقيع مؤلفها عليها فرادة وتميُّزًا، مما يجعلها أكثر قيمة من غيرها.
في أحد المواقع، عرض أحد باعة الكتب المستعملة، كتابًا للأديب توفيق الحكيم، يتميز أنه يحمل في داخله إمضاءَ الكاتب، وحين سألته عنه علمت أنه ذهب إلى قارئ آخر، وقد اشتراه بالثمن المعروض، وكأنه حصل على تلك النسخة من المؤلف، وليس من بائع الكِتاب.
وتزداد الكتب التي تحمل تواقيع مؤلفيها قيمة بتقادُم الأيام، فهي نادِرة، وهي أيضًا تُعْرَضُ بأثمان باهِظة، يكفي أنَّ تلك النسخ كانت بين يدي مؤلفيها، مختومة بتواقيع منهم، تؤكد نسبها إليهم، وأنها من المؤلف مباشرة، إلى قارئ يأتي في المُستقبل البعيد.
إنَّ كل إهداء مهم لمن أُهدِيَ له الكِتاب، يكفي أنَّ لحظة من عمر الحياة، جمعت بين الكِتاب والكاتِب والقارئ، في لقاءٍ ما، في زَمَنٍ ما، وَثَّقَها إهداءٌ أنيقٌ من كلمات معدودة، لكنها ليست ككل الكلمات.