ثقافة

حين يصون الأدب التراث الفلسطيني والهُويّة

تحسين يقين

 

الأدب من الحياة، وهو يغرف منها ما شاء له الأديب أن يفعل، ولما كانت عناصر هذه الحياة متنوعة، وتحوي الأزمنة في المكان الواحد، فإنّه من الطبيعيّ أن تتواجد تلك العناصر في أبعاد الشخصيات الواردة في الأدب، أكان شعرا أو سردا. ولأن بعد الزمن جزء أساسيّ في حياة الإنسان، فإنه يحضر في الحاضر كما الماضي، نحو المستقبل. وهو منسجم تماما في شخصية الكاتب، والشخصيات التي يكتب عنها.


لذلك كلّه، فإن من العاديّ أن يظهر التراث في الأدب. وهو يحضر في مستويات مختلفة وحيوية، أكان في بناء الشخصيات، أو في صراعاتها، وعليه، فإنها في ظل خصوصية الحالة الفلسطينيّة تظهر بوضوح في ظل الصراع مع الاحتلال بشكل خاصّ.


في هذا السياق، فإننا ننظر بعين العناية للندوة الثقافية التي نظّمتها وزارة الثقافة بالتعاون مع جامعة القدس المفتوحة، التي حملت عنوان: 'حين يستعيد التراث صوته: الأدب وصناعة الخلود الثقافي'. ولعلّ العنوان الدالّ هنا، يغني عن الكثير من الكلام، خصوصا للوعي على أن التراث ميّزة لاكتساب الخلود، والذي يعني في أحد مستوياته، الاهتمام بكل ما هو محليّ، والذي هو شرط من شروط العالميّة.


جميل أن تستكشف الندوة الجدلية بين الأدب والتراث، 'وتسليط الضوء على الدور الحيوي الذي يؤديه السرد والشعر في حفظ الموروث الشعبي، وإعادة إنتاجه برؤى معاصرة تعزّز حضوره واستمراريته في الوعي الجمعي' وجميل هو ما أشار له وزير الثقافة الفلسطيني عماد حمدان من كون المقترح الجماليّ يشكّل 'أداة فاعلة في حفظ الذاكرة الجمعية، وإعادة إنتاجها برؤى معاصرة، تستجيب لتحولات الزمن وتحدياته، كما يشكّل 'منظومة معرفية متكاملة، تعكس إدراكاً عميقاً لدور الثقافة في صون الهُوية الوطنية، وحين يستعيد التراث صوته، فإنما يستعيد الإنسان جذوره، ويؤسس لمستقبل يستند إلى ذاكرة حية، قادرة على البقاء والتجدد'، وهو ما يحتاجه الفلسطينيون في طريقهم نحو البقاء الإبداعيّ والتحرر.


لقد سررنا بالتعاون ما بين المؤسسة الرسمية للثقافة، وبين الأكاديميّة الفلسطينية، في العديد من الفعاليات، من منطلق تشجيع الطلبة والأساتذة على تعميم هذا الجهد الثقافي الوطني؛ ففي كلمة رئيس الجامعة د. إبراهيم الشاعر تأكيد على هذا الهدف، كون 'الجامعة تولي اهتماماً خاصاً بالتراث الوطنيّ، وتسعى من خلال برامجها الأكاديميّة وأنشطتها الثقافيّة إلى تعزيز ارتباط الطلبة بهُويتهم، وتنمية وعيهم بأهمية صون الموروث الشعبي باعتباره أحد أعمدة الصمود الثقافي'، ولعلّ ناظم هذا التعاون الثقافيّ الأكاديميّ وفقا للدكتور عباس مجاهد مدير عام الآداب والنشر والمكتبات الذي أشار إلى 'تكامل الجهود الثقافية لحماية التراث الفلسطيني من الاندثار، ومشدّدًا على أن الأدب يشكّل وعاءً حيًّا لذاكرة الشعوب ومرآةً لهُويتها'.


تثير ورقة البروفيسور صلاح الهودلية، مدير المعهد العالي للآثار في جامعة القدس والخبير في التراث حول 'حضور المفردة الشعبية في النص الأدبي' أهميّة إسهام اللغة في نقل التراث وتعزيز أصالته، مذكرنا بمقولة الشاعر محمود درويش حين قال 'أنا لغتي'، وهو الذي يجيء في مقدمة الشعراء في توظيف التراث الشعبي داخل الشعر، بجعل وجود التراث مقاوما داخل الشعر المقاوم.


وعلى اللحن نفسه، نتعرّف على 'تجليات التراث في السرد الفلسطينيّ من خلال الحكاية الشعبية والرواية'، والتي قدمها نبيل علقم أحد أعمدة الحكاية الشعبية الفلسطينية. أما الشاعر المعروف خالد جمعة، والذي كتب الكثير من الأغاني المعاصرة، فكانت له إضافة هامة في قراءة الأغنية الشعبية في قطاع غزة بشكل خاص، ما يؤكّد على ضرورة تعزيزها في ظل حرب الإبادة التي تجري في قطاع غزة، ما يعني أن التمسّك بها أحد طرق إفشال مخطط الغزاة.


في قراءة الروائي المميّز صافي صافي، صاحب واحد من أهم مشاريع الرواية الفلسطينية التي تعنى بالذاكرة والتراث، على امتداد رواياته، خصوصا رواية 'اليسيرة'، فقد كان إبداعيا ككتاباته، في توظيف التراث الدلاليّ والجماليّ معا في النصّ الروائيّ، بشيء من الابتكار، بما يعيد النظر في العناصر المشكلة للهُوية وطنيا وإنسانيا.


لقد نحت الندوة منحى تأصيليا كما في ورقة د. إحسان الديك في قراءته التأصيلية في النماذج البدئية في الأدب الشعبي الفلسطيني، مبرزًا جذورها التاريخية ودلالاتها الثقافية، ومنحى توثيقيا كما في ورقة د. زاهر حنني، حول أهمية التوثيق الأدبيّ للتراث المهدّد، ودور الباحثين في حفظه للأجيال القادمة.


ويبدو، والحالة الفلسطينية تتعرض للاستلاب، كان لا بدّ من إيلاء الأجيال الجديدة، في المدارس الفلسطينية، وليس فقط في الجامعات، بحين يصبح التأسيس للتربية على التراث مبكرا مقدمة واعية للانتقال به إلى مدى رحب في التعليم العالي. لذلك نقدّر توصية إدماج المفردة الشعبية والتراث المحلي في المناهج التعليمية لتعزيز الهُوية الثقافية لدى الطلبة، ودعم الكتّاب والباحثين لإنتاج أعمال أدبية توظّف التراث وتعيد تقديمه بأساليب حديثة، وإنشاء منصات رقمية وأرشيفات مفتوحة لحفظ وتداول المواد التراثية، التي ذكرها إبراهيم علوان مدير عام التراث، والذي دعا لإطلاق مشروع وطني لتوثيق التراث الشفهي (حكايات، أغانٍ، أمثال)، وتوجيه الجهود البحثية نحو توثيق التراث في المناطق المهمّشة والمهددة بالاندثار، كون التراث يصبح في هذه المناطق مهددا، كما البشر والشجر والحجر.


ليس التراث نوستالجيا الحنين، بل وجود ثقافيّ عميق للبقاء والتحرر والعودة إلى الوطن، كون الوطن، هو المكان بأزمنته جميعا، والتي تتكامل في سعيها لغد مشرق، يمتلك البشر خصوصياتهم في حياتهم المعاصرة.


في الوقت الذي يوظّف الأدب التراث الشعبيّ بأنواعه المختلفة، فإن من المهمّ أيضا الانتباه إلى ما يمنحه التراث للأدب من حيوية وجمال، بما يستدعي الحياة التي كانت هنا، والتي تعني استعادة وطن يتعرض للسلب من بدايات القرن العشرين، حين 'منح من لا يملك من لا يستحق'، لأجل توطين زائف لغزاة، على حساب شعب عريق، يتجلى في تراث غنيّ ما زال صامدا أمام ريح الإبادة.