أعمدة

حتى لا تنفلت الأسعار

الأسعار فـي ارتفاع، واقع لا يمكن إنكاره، المواد الغذائية، والسلع الاستهلاكية زادت أسعارها بنسب متفاوتة، وأصبح المستهلك أكثر حرصا في شراء احتياجاته. ويعزو التجار ذلك الارتفاع إلى آثار الحرب الحالية في المنطقة، وإغلاق مضيق هرمز مما تسبب في موجة غلاء غبر مسبوقة منذ سنوات. وهو عذر قد يبدو واقعيا في ظل ظرف استثنائي، ولكن ما هو معروف عن واقع السوق أن السلع التي يزيد سعرها لا يمكن أن تعود إلى سابق عهدها، حتى وإن زالت الأسباب؛ فالتاجر حريص على استغلال الظروف التي تمكنّه من زيادة أرباحه، ويتمسّك بسياسة (الأمر الواقع) الجديد الذي فرضه على السوق حتى وإن تغيّر هذا الواقع فيما بعد.

ولا شك أن مهمة هيئة حماية المستهلك هي السيطرة على هذا الانفلات، ومراقبة السوق بشكل صارم، وحازم، وقطع جذور هذا الانفلات من جذوره قبل أن يستفحل الأمر، وتصعب العملية؛ فمعاقبة التاجر المورد قد تكون رادعا لتاجر التجزئة الذي يرجع ارتفاع السعر إلى المصدر، غير أن الحقيقة هي أن الموردين للسلع الغذائية وغيرها من السلع الاستهلاكية يحاولون الحفاظ على هامش ربحٍ عالٍ، ولا يكتفون أحيانا بهوامش الربح المعقولة مستغلين مثل هذه الظروف (المثالية) للزيادة، وهو ما يتحمله المستهلك في آخر السلسلة الشرائية، وبذلك يبقى السوق في حالة من عدم الاستقرار إلى أن تزول الأسباب، ويتم تثبيت السعر بما آل ليه الواقع الجديد، وليس بما كان عليه قبل الأزمة.

ارتفعت أسعار الخضراوات والفواكه، واللحوم، وكثير من السلع الاستهلاكية بنسب متفاوتة، وهي قابلة للزيادة إذا لم يُسيطر عليها منذ بدايتها، ورغم أن أسعار بعض هذه المواد الغذائية مرتبطة بمواسم الإنتاج، إلا أن الارتفاع العام للسلع يدعو للريبة، والتساؤل، كما يدعو في المقابل إلى إيجاد حلول لمواجهة الظروف الاستثنائية، مثل التوسّع في زراعة المحصولات الزراعية، والاتجاه نحو الصناعات الغذائية، حتى لا نكون تحت رحمة المنتجين الخارجيين، ولكي نصل إلى مراحل مقبولة من الاكتفاء الذاتي خاصة في المواد الأساسية التي ترتبط مباشرة بغذاء المستهلك، وتدخل في صميم غذائه.

ورغم الجهود المقدّرة والمشكورة التي تبذلها الهيئة العامة لحماية المستهلك، والتي تحاول كبح جماح السوق، وإيجاد التوازن بين العرض والطلب، والوفرة دون ضرر أو ضرار بجناحيّ العملية الاستهلاكية (البائع والمستهلك)؛ إلا أنها ما زالت بحاجة إلى المزيد من التمكين في عملية المراقبة، واتخاذ الإجراءات، وزيادة الكوادر البشرية، كما يمكن أن تلجأ في مرحلة لاحقة -إذا اقتضت الضرورة- إلى تفعيل المادة التاسعة من قانون إنشاء الهيئة والتي تنص على أنه (في حال ظهور أزمة أو جائحة طبيعية أو ظروف استثنائية أو وضعية خاصة غير عادية للسوق تترتب عليها زيادة غير طبيعية في الأسعار يجب على رئيس المجلس بعد موافقة المجلس اتخاذ إجراءات وقتية لتحجيم تلك الزيادة بعد موافقة مجلس الوزراء)، وهذا ما يجب النظر إلى تفعيله خلال هذه الفترة الاستثنائية؛ حتى لا ينزلق السوق إلى الفوضى، ويتجه إلى حالة انفلات غير متوقعة تؤدي إلى فرض أمر واقع جديد للأسعار، وحينها قد يصعب التراجع عن ارتفاع أثمان السلع، والمواد الاستهلاكية، وسيكون للتجار -دائما- ذرائعهم، ومسوغاتهم لزيادة الأسعار دون انقطاع، وهو ما يؤدي في النهاية إلى التضخم، ويؤثر على معيشة المستهلك، وميزانية شرائه.