أفكار وآراء

العلوم الإنسانية جدل لا ينتهي

قبل عدة سنوات ثار جدل في الكلية التي أدرس فيها، عندما تساءل أحد الدارسين في مادة الفكر السياسي: لماذا لا يحصل على الدرجة الكاملة، مع أن الأستاذ اعترف بأن إجابة الطالب كانت نموذجية وصحيحة مائة في المائة؟ وانبرى الأستاذ شارحا ذلك بقوله: إن الإجابة عن الأسئلة في العلوم الإنسانية شيء، ومسألة الحصول على الدرجة الكاملة شيء مختلف، العلوم الإنسانية ليست كباقي مواد العلوم الأخرى التي تقوم على معادلات ومسائل رياضية ورموز واضحة، وبمجرد ما تحل يمكن للطالب الحصول على الدرجة الكاملة، لأنه ببساطة لا يمكن أن يقوم رأي مخالف يشكك في الإجابة. وأضاف الأستاذ موجها كلامه للطالب: هذا فكر إنساني، وليس جدول ضرب.

ما أعادني بالذاكرة لهذه الواقعة هو الجدل الذي تصاعد في الأيام القليلة الماضية في بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، عن إلغاء إحدى الجامعات العربية بعض الكليات التي تدرس مواد العلوم الإنسانية، كلية اللغات وعلومها، كلية برامج اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا، وعلم الاجتماع، وكلية الآداب.

وفي الحقيقة إن ذلك الجدل والنقاش ليس بجديد، ما أن يخمد حتى يثور مرة أخرى، ولا يقتصر على دولة دون غيرها، ولا على الدراسات الجامعية، بل يشمل مراحل مبكرة جدا في التدريس. وما إلغاء القسم الأدبي في الثانوية العامة إلا مدخل لإلغاء العلوم الإنسانية في مراحل متقدمة من التعليم.

وبدواعي الاهتمام بدراسة العلوم والتقنية عملت دول كثيرة على تهميش وإقصاء العلوم الإنسانية، بحجج كثيرة ومتعددة، منها على سبيل المثال، أنه لم يعد منها جدوى ولا تضيف جديدا للطالب، ولا تساعده في الولوج لسوق العمل والمستقبل الوظيفي، وأن المعرفة في هذه المواد يمكن أن تؤخذ من عدة مصادر، ليس بالضرورة عن طريق المدارس والجامعات، وأن تدريس الطب والهندسة والفيزياء والحوسبة، والذكاء الاصطناعي، وأن هذه التخصصات هي الركائز الأساسية في التنمية والتطور المستقبلي.

كلنا يدرك أهمية العلوم الأخرى، كالطب والهندسة والفيزياء وغيرها، إلا أن تدريس العلوم الإنسانية مهم جدا.

وتكمن الأهمية في التفكير المعمق، والنقد البناء، وتهذيب النفس، وسمو الأخلاق، والبعد عن الماديات، وكذلك في قدرة هذه العلوم على تحويل الآليات الفكرية والعقلية لابتكار حلول عملية، وإنتاج أفراد ذوي معرفة رصينة تمكنهم من تدبير حل للمشكلات وفهم الواقع واستشراف المستقبل.

إن إهمال وإقصاء هذه العلوم صورة أخرى من إضعاف الفكر والتربية النقدية وتعميم السطحية، وتغييب الذاكرة الوطنية والهوية، وترسيخ الجهل.

فقد كان للعلوم الإنسانية دور رائد في النهوض بالأمم والتقدم الحضاري، وما وصلت إليه الحضارات الأخرى كالحضارة الغربية من تطور ورقي هو ثمرة الأفكار التنويرية التي أفضت إلى ثورة فكرية ونهضة على جميع الأصعدة، ثقافية، سياسية، واجتماعية.

وبرزت أسماء شهيرة في مجالات إنسانية، مثل جون جاك روسو، كانط، مونتيسكيو، ميكيافيلي، ساهمت أفكارهم في إرساء دعائم التطور والتقدم، وبناء أوطان تنعم بالديمقراطية والحريات، والحقوق.

وكانت للعرب مساهمات جليلة على مر التاريخ، فيكفي أن ابن خلدون يعد مؤسس علم الاجتماع، وأحمد بن ماجد، والفارابي، في علم الفلك واللغات والكثير من المفكرين والفلاسفة.

يقوم علم الاجتماع الأنثروبولوجيا كأحد العلوم الإنسانية بدراسة الذات الإنسانية ومعرفة الآخر، وهو الشيء الذي أدركته الدول الاستعمارية مبكرا، وانتهجته عندما شرعت بدراسة بنية وثقافة المجتمع العربي انثروبولوجيا وسيكولوجيا، واستخدمتها كآليات استعمارية، ولعب الاستشراق أدوارا مهمة في ذلك، وطوعها في خدمة أهدافه الاستعمارية، مترجما ذلك بسياسة فرق تسد، التي لا تزال مؤثرة حتى اليوم في تسهيل التحكم والسيطرة على العالم العربي، وتفريقه مذهبيا وعرقيا وسياسيا ومناطقيا.

وفي نفس السياق، تعرضت العلوم الإنسانية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، في مرحلة جديدة من الإقصاء والإلغاء ولا زالت مستمرة، عندما اتهمت هذه القوى الغربية أن المناهج العربية والإسلامية وهي علوم إنسانية لا تنتج إلا التطرف الديني.

فقد مارست ضغوطها لحث هذه الدول على أقصاء ومراجعة مناهجها التعليمية وإلغاء بعض المواد، وبإعادة هيكلة العلوم الإنسانية وحذف بعض المفاهيم والمصطلحات، تحت ضغط من دول استعمارية لإدراكها أن هذه العلوم كفيلة بنهضة الإنسان العربي.

إن ما يعيشه العالم العربي من تراجع على جميع الأصعدة، لهو راجع في جزء منه إلى تهميش وإلغاء العلوم الإنسانية، وعدم الإدراك لأهمية هذه العلوم التي تعتبر الترياق والمضاد الحيوي الفعال للإنسان من الوقوع في براثن الجهل والتخلف.

الآن، تمر أكثر الأوقات العصيبة على الأمة العربية، وقد تقتضي الضرورة إعادة التفكير في تطوير ودراسة العلوم الإنسانية والاهتمام بها وإعطائها زخما قويا، والاهتمام بعلوم اللغة والأدب وعلوم الدين، والفلسفة.

وما الأديان السماوية، إلا ثورات فكرية عميقة عملت على تغيير الإنسان وقادته إلى التفكر في الكون والنفس، والبعد عن تحويل هذه العلوم الإنسانية لتكريس التبعية والإخضاع للغرب.لذلك لن تقوم للعرب قائمة إلا من خلال إعادة الاهتمام بالعلوم الإنسانية، والتمكن من النظر للآخر ودراسة وعيه وفهمه وسسيولوجيته ليحسن التعامل معه.

يطرح المفكر التونسي فوزي البدوي وصفة تمكن العرب من الخروج من أزمتهم، ويذكر أن الوعي العربي قاصر، ويحتاج إلى بناء من جديد، والمراهنة على التعليم والإعلام والدين.

ويرى أن العرب يعتقدون أن السيادي في التعليم هو الطب والفيزياء والرياضيات، وهذا جيد وضروري، ولكن هناك شيء لا يقل أهمية، وهو أننا لا ندرس التاريخ بشكل جيد وهو المسؤول عن الوعي التاريخيّ والذاكرة.

والمواطن العربي الجديد يحتاج إلى وعي فلسفي، ووعي تاريخي، ووعي ديني، وهذه كلها ركائز أساسية في العلوم الإنسانية، يمكن من خلالها بناء المواطن العربي القادر على مواجهة الآخر والمستقبل.