جسد الأسير: حين يصبح الجسد وثيقة
الثلاثاء / 3 / ذو القعدة / 1447 هـ - 20:27 - الثلاثاء 21 أبريل 2026 20:27
«نحن نتعامل مع مخلوقات كان يجب أن تُباد لولا الاعتبارات الدولية. إن أمن إسرائيل لا يُمس. ولهذا فإن علينا أن نكسر عظامهم كي يبوحوا ما لديهم من نوايا وشرور».
مسرحية الاغتصاب لسعد الله ونوس
بهذه الافتتاحية القاسية يروي سعد الله ونوس في مسرحيته «الاغتصاب» حكاية عائلتين: فلسطينية وإسرائيلية.
«تروي الحكاية الأولى على صعيد المضمون قصة المناضل الفلسطيني إسماعيل وأفراد أسرته الذي اعتُقل وخصي في السجن، ثم اغتُصبت زوجته دلال على مرأى من عينيه مما جعلها تدرك وحشية الاحتلال وتتحول إلى فدائية تشارك في مقاومة الصهاينة، أما الحكاية الثانية، فإنها تحكي قصة إسحاق الضابط في الأمن الداخلي الإسرائيلي الذي أُصيب بمرض نفسي أفقده رجولته من جراء ارتكاب الجرائم المقززة بحق أفراد الشعب الفلسطيني».
الناظر إلى سياقات الحوار الذي كتبه ونوس، يجد نصًا دراميًا داميًا، لا يفضي إلا إلى السير في طريق كله آلام وتضحيات وشهداء، وحتى إمكانات الأمل التي صاغها على لسان شخصية إسماعيل كالاعتقاد بوجود دولة واحدة تتسع للإسرائيليين والفلسطينيين يتمتعون جميعًا فيها بحقوق متساوية وحريات مكفولة، تبدو أقرب ما يكون إلى وهم العالم الآمن منه إلى الواقع السياسي القاسي.
وما طرحه ونوس فنيًا، لم يبقَ في حدود المسرح، بل امتدّ في صور مختلفة إلى الواقع السياسي الراهن.
حيث أثبت الواقع منذ عام 1948م وإلى اليوم، اتساع دوائر القبح في هذا العالم؛ فإسرائيل في مسرحية «الاغتصاب» هي كيان يمارس سياسات يصفها منتقدوها بأنها تمييزية وعنصرية، ولديها طموحات توسعية من المحيط إلى الخليج، لا يمكن إزالتها في القريب العاجل، وهو ما يجعل كثيرين يرون أن مقاومة الاحتلال ضرورة أخلاقية وسياسية، قبل أن تكون خيارًا سياسيًا.
يأتي عنوان هذه المقالة في سياق يوم الأرض الفلسطيني، الذي يُحييه الفلسطينيون في الثلاثين من مارس من كلّ عام، «... وتَعود أحداثه لآذار 1976م بعد أن قامت السّلطات الصهيونية بمصادرة آلاف الدّونمات من الأراضي ذات الملكيّة الخاصّة أو المشاع في نطاق حدود مناطق ذات أغلبيّة سكانيّة فلسطينيّة، وقد عمَّ إضرابٌ عام ومسيرات من الجليل إلى النقب واندلعت مواجهات أسفرت عن سقوط ستة فلسطينيين وأُصيب واعتُقل المئات «...» ويُعدّ ذلك اليوم محطة مفصلية في الوعي الوطني الفلسطيني داخل الأرض المحتلة عام 1948، حيث نظم فيها العرب احتجاجات منظمة للمرة الأولى، ردًا على السياسات الصهيونية بصفة جماعية وطنية فلسطينية».
وإذا كانت الأرض عنوان الصراع، فإن الأسير هو تجسيد كلفته الإنسانية. وتزامنًا مع يوم الأرض يُحيي الفلسطينيون في السابع عشر من أبريل/ نيسان من كل عام يوم الأسير الفلسطيني، تضامنًا «مع آلاف الأسرى في سجون الاحتلال، وتسليط الضوء على معاناتهم وظروف اعتقالهم القاسية، وتذكيرًا بما يتعرضون له من اعتقال طويل، وإهمال، وعزل، وانتهاك للكرامة الإنسانية.
وبغض النظر عما تُطلقه إدارة سجون الاحتلال من توصيفات قانونية على الأسرى الفلسطينيين «بالسجناء الأمنيين»، وتستند أحكام الأسرى الفلسطينيين عادةً إلى اتهامهم بأنهم «أعضاء في منظمات غير قانونية» (أي منظمة التحرير الفلسطينية سابقًا، والآن حماس أو الجهاد الإسلامي)، وأنهم يخططون، أو يشاركون، في أعمال ضد المحتلين، أو يرفعون العلم الفلسطيني»، فإن تخصيص الثلاثين من مارس 2026م كما أقرَّ الكنيست الإسرائيلي لإعلان قانون عقوبة الإعدام شنقًا على الفلسطينيين المُدانين بقتل إسرائيليين إذا اعتُبر الفعل عملًا إرهابيًا من قبل المحكمة العسكرية أو كان دافعه «إنكار وجود دولة إسرائيل»، يُعد عملًا ممنهجًا، وحرصًا تاريخيًا قديمًا يتصل بظاهرة التطهير العرقي للفلسطينيين ومحوهم من على الأرض والذاكرة معًا.
في هذا السياق، أعود إلى سؤال الجسد: ما الجسد؟ وكيف يُحاصر من أجل أن يُهان؟ وكيف يتحول من كيان بشري له حرمة وكرامة، إلى ساحة تُمارَس عليها السلطة بأقصى صورها خشونةً وقسوة؟
هناك شهادات واعترافات صادمة تكشف ممارسات من العنف الجسدي والجنسي وفنون التعذيب، فهي لا تقع في دوائر الحوادث العرضية أو السلوكيات الفردية المنعزلة، بل تشكل منظومة متكاملة من الانتهاكات والجرائم الدولية الأشد خطورة بهدف الإبادة؛ وقد خلصت بعض التقارير الحقوقية والدولية إلى وجود أسباب جدية تدعو للتحقيق في جرائم جسيمة ارتُكبت بحق المدنيين والمعتقلين، كتقرير (فرانشيسكا ألبانيز) التي قدمت تقريرًا رسميًا بعنوان «تشريح إبادة جماعية»، خلصت فيه إلى وجود «أسباب منطقية» للاعتقاد بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة.
يقول المعتقل: «أجبروني على النوم ليعتلي فوقي كلب، ويحاول...، لم أستوعب في البداية ما حدث معي، ولكن الصاعقة كانت أن ما يحدث هو عملية اغتصاب...».
يقول معتقل آخر: «خلال التحقيق عندما أجبت عن أسئلة وجهوها لي بـلا أعرف، ضغط المحقق على ... بقوة، وحاول إدخال جسم... شعرت بألم هائل. في إحدى المرات عندما جرى الضغط ...، أُغمي علي، وعندما أفقت وجدت نفسي في المستشفى مقيدًا، وعلمت لاحقًا أنهم أجروا استئصال...».
في هذا السياق لا تهم أعمار الأسرى إن كانت تتراوح بين 35، أو 48، أو 43، أو 37، حيث مكث بعضهم سنوات في السجون، أو بين من أُفرج عنهم بعدما أمضوا 9 أشهر، أو آخرون خرجوا في صفقة تبادل.
إن وسائل التعذيب كأساليب إذلال منظم، تلجأ إلى تعرية الجسد، وتكبيله وحصاره في مكان ضيق، أو ممر بين الأقسام، ويقوم بالفعل فرد أو جماعة، لا وجود لفارق مهم بين معتقل يُساق إلى المستشفى مقيدًا بعد استئصال شقفة من بين فخذيه، أو معتقل يُغتصب من مجندات إسرائيليات يلهون، ويضحكن بسخرية واستهزاء كأنهن في حفل بدائي يتلذذن بتعذيب المعتقل بالعصا، حيث ينبغي أن توجه إلى مكان محدد في جسده.
تقول المعتقلة: «أُجبرت على التجرّد الكامل من ملابسي، وتعمّد الجنود كشف عينيَّ وهم يصورونني.... اقتادني أربعة جنود ملثمون إلى غرفة ضيقة وبها طاولة معدنية، تم تكبيلي بالطاولة ثم تناوب جنديان... بينما صورني الآخران». هل يكتب الجسد نفسه؟ هل يسجّل دورانه واستدارته ضمن حدود الجغرافيا؟ نعم، يكتب ندوبه، وارتعاشه، وصراخه، ووجعه، وصمته، وانكساره، كما يكتب صموده ومقاومته. يكتب جسد الأسير ما لم تكتبه المواثيق الدولية الرسمية التي عجزت عن حمايته.
الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي (مجلة إبداع، العدد 7 يوليو 1996م) يكتب في هذا السياق متأملًا علاقة الجسد بالسلطة والمعنى: «... حينما كان الرجل البدائي يقارن بين جسده وجسد المرأة كان يرى أن جسد المرأة زائد عن جسده، وهو بهذه الزيادة ضعيف مثير. وكان يرى أن جسده ناقص عن جسد المرأة، وهو بهذا النقصان قوي قادر متسلّط. النقص، في جسد الرجل طاقة وعقل، والزيادة في جسد المرأة مادة وإثارة».
المشهد ليس ليلًا ولا نهارًا، لا صباحًا ولا ضحى. المكان قد يكون غرفة أو ممرًا. كيفما أرادت عدسة المُعتدي أن تكون واقفة، تبحث عن إذلال موّثق، وعن خوف يُعاد إنتاجه.
«جاء ستة جنود وسحبوا معتقلًا إلى نهاية الغرفة التي كنا نتواجد بها، وجردوه من ملابسه الداخلية، وتناوبوا جميعهم على اغتصابه لمدة تزيد على 40 دقيقة، وسط صرخات الضحية الذي كانوا يضربونه كلما صرخ. انتهوا من اغتصابه وأرجعوه بجوارنا وكان يصرخ، ثم دخل في حالة انهيار وبكاء هستيري». انتهى المشهد.
ثم يظهر رمز آخر: دبوس المشنقة. ذلك الرمز الذي ارتبط بتيار متطرّف، ليس دبوسًا عاديًا؛ لأننا سنراه في محلات الأزياء كماركة عالمية يُزين به الذكور والإناث لباسهم أو حقائبهم أو ساعاتهم. صار الدبوس علامة وشارة، وإعلانًا صريحًا عن ثقافة المحو لكل ما هو فلسطيني.
الدبوس والجسد متضادان، يختزلان قضية فلسطين وجسد الأسير الفلسطيني معًا. كلاهما مُغتصب؛ الأرض والوطن والإنسان. التاريخ والإبداع سيكتب كلٌّ سرديته بوثائقه عن الجسد غير المُضحك، ولا عن جسد الإنسان البسيط في أعياد المناسبات الدينية والاحتفاليات الرسمية أو الشعبية.
بل سيكتب عن جسد الأسير الفلسطيني الذي يعاني الامتهان في عصر الحداثة المدجج بكل أنواع الجنود، والشهود، والطغاة، ومحللو نشرات الأخبار، ومعدو التقارير، وبعض الأصوات التي تبرر أو تتجاهل هذه الانتهاكات.
أمام هؤلاء جميعهم، يخجل جسد الأسير من حداثة تتغنى بالحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ثم تقف عاجزة عن حماية كرامته حين تُهان.