أعمدة

«ما تبقّى من العمر»

ليس لك وأنت تقف أمام ألوان وأصباغ وأشكال وظلال رسوم أنور سونيا، إلاّ أن تؤمن أنّ الرسم لم يكن يومًا نسخًا ولا نقلاً ولا محاكاة، وأنّ اللوحة لم تكن ظلاّ لمجتمع، وإنّما هي حيواتٌ تتحرّك وأنفُس تجري دماؤها في أنساغ الأصباغ وما يتأتّى للفنّان من رؤى وأفكار.

قادرٌ هو أنور سونيا على أن يبثّ اللون والشكل ما تعتمل به نفسه من مختلف الاضطراب والهدوء، وأن يُوزّع فكرَه ورؤيته على الألوان والظلال والمناظر، يُبْدي لك وإن كنت خالي الذهن تاريخًا وثقافةً وحضارة ويُظْهرُ لك عوالم سطحها مكشوف وعمقها مغمورٌ.

من وجْهِ عجوزٍ قرفصتُها دلالة، وتقاسيمُ وجهها التي تقصّد دقّتها حاملةٌ لأحداثٍ ولتاريخ من الحركة ومن الأفراح والأتراح، هي المكان والزمان، لوحة ما تبقّى من العمر تشي بدلالات جمّة وتحيل إلى عوالم، تحملك إليها الألوان المغروسة في العمق الثقافي الشعبي للملابس النسائيّة الأصليّة التقليديّة التي تتحوّل بتحوّل المكان والانتساب والمناسبة، وتدلُّك عليها المرأة القابعة في جِلْسة دارجةٍ مألوفة أتقن الرسّام تركيزها وتثبيتها، أمّا الملامح وتقاسيم الوجه وتجاعيده فنصوص مطروسة مطروزة تتضمّن ألوانًا من المعرفة والحكمة، ما تبقّى من العمر ليست لوحةً نسخًا لواقع وإنّما هي لوحة حمّالةٌ لمعانٍ ورؤى، هي العجوز القابعة خلوًا من اليأس والعجز، تنظر إلى أفق محدود، في فضاء مُسيَّج، وقد أفنت جميل العمر، ولم يتبقّ إلاّ النزر اليسير.

لوحةٌ حكايةٌ، منها نقرأ الوجه وما تَحمّله من سنواتٍ، ونظرة الأفق الحيرى، وجسدا انثنى من وقْع الزمن وتقاصَر غير أنّه ما زال مقاوِمًا، وجلسةً مميّزة أتقن الرسّام خطَّ تعاريجها، وألوانَ لباسٍ فيها حفاوة الحياة وعمق التراث العُمانيّ المحليّ، ترجع إلى أصْلٍ مميّز، لوحة ما تبقّى من العمر، صورة من مرحلة خاضها أنور سونيا باقتدار وانتقاءٍ، أخرج فيها أعمالاً شفّت عن بُعْد توثيقي تجسيديّ رسّخ به أجسادًا وهيئات وملابس وموانئ وأبنية، رسم الوجوه بوضوح وبتقاسيم بيّنةٍ، واحتفى بالملابس الملوّنة ورمق بعين الفنّان اللاقطة أبعادًا وحالات في المجتمع منغرسة.

بائعة الأدوية، وهي جالسة جلسة العُمانيات المميّزة وقبالتها امرأتان تقتنيان الأدوية الشعبية، والحوار قائم بين الثلاثة في محفلٍ تمثيليّ يُضمر رُكاما من الحكايا، وتاريخًا من التواصل النسائيّ والاعتقاد في الصيدلانيّة الشعبيّة العجوز، تعتيمٌ بيّن للمشتريتين وإضاءةٌ واضحة للفاعلة الأصل، الشخصيّة الرئيسة التي تُبَأَّر ألوانًا وحركةً واستقبالا، ورسْمًا لتفاصيل وجهها ولحركة كفّيها ولتخيّرها أدويتها ولتواصلها في حديث الإقناع بفاعليّة البضاعة وجدواها.

وتندرج لوحة السمّاك في الإطار ذاته، والمرحلة الفنيّة نفسها أداءً ووظيفةً وإعْمالاً للألوان وتوجُّها إلى رسْم اليوميّ المُختار من ظواهر اجتماعيّة قد لا يتنبّه إليها الإنسان العاديّ، المُحاط بلوحات فنيّة تثري وجوده الإنساني، إذ يرى الرسّام في سوق السمك صورة دالّة، وهيئةً معبِّرة ومعنى منغرسًا، يتجمّع في السمّاك، القابع في سوقه حاملاً تباشير السعادة، مقبلا على الحياة، حاملا دلالة مجتمع تنوّعت مظاهر الفرادة فيه، يرى الفنّان في السمّاك قيمةً من قيم البلاد وصورة ترشح عمقًا وتُخلِّد بشرًا.

كذا المشهد في صورة حصاد اليوم، تُبدي عاملا يعدّ نقوده ويستزيد، يُنقص بها من حاجاته، تتركّز فيه عين الرسّام ترسم ملامحه وتُبْدي لحظةً من فعلٍ يوميّ منه يكون الرضا والقناعة.

لم يكن أنور سونيا في هذه المرحلة التسجيليّة التي تتركّز فيها عينه على ملامح البشر وأعمالهم، يرصد من المجتمع دقائق الحياة فيه، مقتصرًا على إعْمال المحاكاة ونسخ مشاهد الواقع، وإنّما كان يضع في العينين لمسته التي تُبدي الذات المرسومة، ويضمِّن ملامح الوجه وقسماته دلالات تشي بالرضا أو بالبهجة أو بالحلم أو بالأمل، كل وجه هو حامل حكاية، وحمّال معان.

ولم يقتصر على البشر تدقيقًا في وجوههم وما تحمله من أثر الزمن، بل توسّع إلى فضاءات مكانيّة وأشيائيّة، وخاصّة منها مطرح يرصد هيجان مائها، ويُحمّل الألوان الداكنة العاصفة تاريخا من البحريّات العُمانيّة ومن حكايات السواحل وعواطفها وعواصفها.

مهمّة جدّا هذه المرحلة التي جال فيها أنور سونيا في مظاهر الواقع العُماني يرصده، ويسجّله حتّى لا يتآكل بفعل النسيان، يُسجّل الملابس مظهرَها وألوانها الزاهية واختلاف انتسابها قبل التحوّل إلى سيادة الظلام، يُسجّل المهن الشعبيّة قبل أن يأكلها الواقع المتحوّل، يُوثّق البنيان والأشياء في فضاء يغلبه التبدّل وإن كان ما زال مُحافظا على تقاليده وثقافته، ولكنّ الأهمّ من كلّ ذلك، أنّه يُحوّل المشهد إلى إحساس، إلى تعاطف، إلى حمولة دلاليّة، منها يُمكن أن نتبيّن التاريخ الأخلاقيّ والاجتماعي، ومنها أيضا نرى رؤية الرسّام وقد أسدل عاطفته ووعيه وإدراكه على المشهد المرسوم.

المرحلة التالية في الزمن وفي التجربة، تضمّنت نأيا عن التسجيل، واقترابا من التجريد، وابتعادًا عن رسم الوجوه، وعن التوجّه الانطباعي التوثيقي، وهي -في ظنّي- التجربة الأنضج فنيًّا ودلاليّا وتاريخيا، إذ يُعمل الرسّام فرشاته لعبًا بالأشكال والألوان والظلال، يمحو الوجوه قصْدًا ويلفت نظر الرائي إلى دلالة الألوان وبهجتها، إلى تنوّع الأشكال، إلى التصرّف في ظلال اللوحة، لوحة نساء تُبْدي قُدرة على الاحتفاء بتنوّع الألوان والمزج بينها في لمساتٍ تحتفي بالفنّ أكثر من المرجع، تنحو إلى خوض التجربة أكثر من تثبيت المرجع، وقس على ذلك لوحة عمانيات ولوحة السوق.

لا شكّ أنّ أنور سونيا لم يركد في منزلة الريادة الانطباعيّة وإنَّما كان فنّانًا حقًّا يُعمل فرشاته وألوانه حكايةً لواقعٍ وتمثّل لأبعاده، يستحضر التاريخ والإرث الثقافي، يهتمّ باليوميّ وبالاجتماعي وبالتاريخي، ويهتمّ أكثر بالفنّ تجربةً وإدراكًا ورحلة لا تسكن ولا تثبت في محلّ ولا تهجع في مضجع.