هل يفتح الاجتماع المرتقب بين " ترامب وشي " فصلا جديدا في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين؟
تحليل
الثلاثاء / 3 / ذو القعدة / 1447 هـ - 19:51 - الثلاثاء 21 أبريل 2026 19:51
واشنطن 'د. ب. أ': رغم الاهتمام الدولي بتطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ينتظر العالم باهتمام كبير أيضا اللقاء المنتظر بين الرئيس دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج في مايو المقبل، لا سيما في ظل حالة عدم اليقين التي تحيط بالعلاقات الاقتصادية والسياسية بين بكين وواشنطن منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية في يناير 2025 ورغم تعدد الملفات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي يمكن أن تناقشها القمة الصينية الأمريكية المنتظرة، يمكن أن يصبح ملف تجارة الغاز الطبيعي المسال بين البلدين محوريا، ومؤثرا على باقي الملفات، في ظل اهتمام إدارة ترامب في تأمين أسواق واسعة لإنتاج بلاده من الغاز الطبيعي المسال، من ناحية ورغبة الصين في تأمين إمداداتها من مصادر الطاقة المتنوعة.
وفي تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية قالت جوكسي نور أتامان المحللة الاقتصادية المتخصصة في أسواق الطاقة وبخاصة الغاز الطبيعي المسال وأسواق الطاقة الأمريكية إن تجارة الغاز الطبيعي المسال بين الولايات المتحدة والصين أحد أبرز الأمثلة على البعد الجيوسياسي للطاقة خلال العقد الماضي.
فمع كل توتر في العلاقات الجيوسياسية بين البلدين تتراجع واردات الصين من الإنتاج الأمريكي. فخلال فترة الحرب التجارية بين عامي 2018 و2019 انخفضت تجارة الغاز الطبيعي المسال بين الولايات المتحدة والصين إلى الصفر تقريبا، حيث استوردت الصين أقل من 300 ألف طن من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة خلال هذه الفترة، وهو ما يمثل أقل من واحد بالمئة من إجمالي وارداتها من الغاز الطبيعي المسال.
وفي العام الماضي عندما قرر ترامب فرض رسوم جمركية باهظة على السلع الصينية، فرضت الصين رسوما جمركية على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، وهو ما جعله غير قادر على المنافسة تجاريا في السوق الصينية، في حين سعت الصين إلى تلبية معظم احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من خلال مصادر بديلة مثل أستراليا وقطر.
وأدى توقيع 'اتفاقية المرحلة الأولى التجارية' بين الولايات المتحدة والصين في عام 2020 إلى تحول جذري في تجارة الغاز الطبيعي المسال بين البلدين، حيث التزمت الصين بزيادة مشترياتها من السلع الأمريكية، بما في ذلك منتجات الطاقة.
وبحلول عام 2021، زادت واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة إلى حوالي 04ر7 مليون طن. ولم يقتصر هذا الارتفاع على العقود الفورية، بل شمل العقود طويلة الأجل بين الشركات الصينية والمصدرين الأمريكيين، حيث تراوحت الطاقة الإنتاجية المتعاقد عليها بين 20 و25 مليون طن سنويا.
ورغم ذلك ظل اعتماد الصين على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي محدودا، وشهدت الواردات تقلبات حادة. على سبيل المثال، انخفضت صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال إلى الصين مجددا بين عامي 2023 و2024، لتصل إلى حوالي 4 ملايين طن في عام.2024 ورغم استمرار ارتفاع إجمالي واردات الصين من الغاز المسال، ظلت حصة الغاز الأمريكي محدودة نسبيا، وهو ما يشير هذا إلى أن الصين عمدت إلى تنويع مصادر إمداداتها، ولم تجعل من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي مصدرا رئيسيا لها.
ومع عودة ترامب في عام 2025، انخفض إجمالي واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال إلى ما يقارب 65 إلى 67 مليون طن. وفي الوقت نفسه، تدهورت العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة مجددا. وانخفضت واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة بسرعة، وبعد آخر شحنات التسليم خلال العام، توقفت هذه التجارة فعليا.
وخلال العام الحالي أصبح الوضع أكثر وضوحا، حيث حافظت الصين على واردات الغاز المسال من الولايات المتحدة عند مستويات ضئيلة لفترة طويلة، لاعتبارات جيوسياسية واقتصادية، وليس لقيود فنية على الإمدادات.
في الوقت نفسه فإن هذا التراجع لا يعود إلى تعليق العقود أو الاختفاء التام لتجارة الغاز المسال بين واشنطن وبكين، بل إعادة توجيه الكميات التجارية بموجب اتفاقيات طويلة الأجل. فالشركات الصينية تواصل الحصول على شحنات الغاز المسال الأمريكي بموجب عقود طويلة الأجل، لكنها أغلب هذه الشحنات لا تذهب إلى الصين، بل تعيد الشركات الصينية توجيهها إلى أسواق ذات هوامش ربح أعلى، لا سيما في أوروبا.
ومن المتوقع أن يفتح الاجتماع المرتقب بين دونالد ترامب وشي جين بينج فصلا جديدا في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، مع ترقب دقيق من أسواق الطاقة، ولا سيما الغاز الطبيعي المسال. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يكون أي اتفاق محتمل ناتج عن هذا الاجتماع مشابها لـ 'اتفاقية المرحلة الأولى التجارية'. السيناريو الأرجح هو الاتفاق على إطار عمل يتناول تجارة الغاز الطبيعي المسال، ولكنه يظل محدود النطاق، ومرنا في هيكله، ومتوافقا مع الواقع التجاري.
في الوقت نفسه من المرجح أن يوفر أي اتفاق جديد إطارا يقلل حالة عدم اليقين السياسي والجمركي، بدلا من اتفاق يلزم الصين باستيراد الغاز الطبيعي المسال الأمريكي مباشرة. من شأن هذا الهيكل أن يشجع المشترين الصينيين على توسيع محافظهم الاستثمارية من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، مع ترك وجهة الشحنات النهائية لظروف السوق.
أخيرا يمكن القول إن قطاع تجارة الغاز الطبيعي المسال يتجه بشكل متزايد نحو نموذج يتسم بالمرونة على مستوى الشركات، وإعطاء الأولوية للاعتبارات التجارية وإعادة توجيه الشحنات إلى وجهات بديلة، بعيدا عن نموذج تعهد الصين بشراء كميات محددة من الغاز الأمريكي. وفي هذا النظام المتطور، ستظل أوروبا تلعب دورا محوريا، باعتبارها الوجهة المفضلة لفوائد تعاقدات شركات الصين من الغاز الأمريكي المسال.