«مشروع العودة» ما بعد حرائق غزو الكويت
الأربعاء / 4 / ذو القعدة / 1447 هـ - 10:01 - الأربعاء 22 أبريل 2026 10:01
عبدالله الراشد -
في تاريخ 25 مارس 2026 وعند قيادتي في أحد الطرق السريعة الرئيسة شاهدت دخانا يتصاعد من جهة المطار، إثر هجوم طائرة مسيرة استهدفت خزانات وقود الطيران المدني، كما صرح حساب الرسمي لرئاسة الأركان للجيش الكويتي، استمر تصاعد الدخان ليومين قبل أن يتم إخماده، حتى الأول من أبريل تم استهداف خزانات وقود الطائرات أكثر من مرة، ووصل أثر دخان الحرائق بفعل الريح إلى منفذ النويصيب على حدود المملكة العربية السعودية.
ثمة تواريخ فاصلة تقسم الزمن إلى نصفين، تعيد تسمية الأزمان وتصنيف الأحداث لما قبله وبعده، وفي الكويت يعد الاحتلال العراقي ندبة ناتئة في تاريخها، وما تمر به البلاد اليوم من الاعتداء الإيراني يرجع الذكريات لمن عاش تلك الفترة.
يخبرني أخي أنّ في رمضان سنة 1991 حُجِبت الشمس، وخيم الليل في نهارها لعدة أسابيع، من تصاعد دخان الآبار المحترقة. هبت الرياح بعد ذلك وانتشر الدخان لأقاصي البلاد حتى أصاب إيران وتركيا بأمطار سوداء، بل قد امتد حتى وصل للهند كما بينت إحدى الدراسات.
تم تفجير أكثر من 700 بئر نفطي. مما أنتج أبشع جريمة بيئية، «كانت حرب الخليج أول صراع يلعب فيه الإرهاب البيئي (Ecoterrorism) دورا رئيسا في الخطط القتالية لأحد الأطراف المحاربة. ورغم أن القتال الفعلي لم يدم سوى 42 يوما، إلا أنها قد تُصنف كأكثر الصراعات تدميرًا للبيئة في تاريخ الحروب». فيليب إلمر-ديويت، «جحيم من صنع الإنسان على الأرض»، مجلة تايم، 18 مارس 1991.
بعد إعلان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مسؤولية دولة العراق عن جميع الأضرار الناتجة من غزو الكويت، بما فيها الأضرار البيئية، تم إنشاء لجنة الأمم المتحدة للتعويضات (UNCC)، وهي سابقة دولية كأول هيئة تمنح تفويضا لـ«تقصي الحقائق ولفحص المطالبات، والتحقق من صحتها، وتقييم الخسائر، وتقدير المدفوعات، وحل النزاعات المتعلقة بالمطالبات». ومن القضايا البيئية التي تناولتها اللجنة هي تلوث المياه الجوفية، يقدر خبراء منظمة الصليب الأخضر الدولية أن 40% من موارد المياه الجوفية في حقلي الروضتين وأم العيش قد تعرضا لتلوث نفطي دائم.
لفهم الصورة بشكل أوسع سأعرج بشيء من الإيجاز على تركيبة البئر النفطي، من الأعلى يبدأ ما يسمى بشجرة الكريسمس»X-mass Tree «، وهي عبارة عن منظومة من الصمامات تتحكم في كمية تدفق النفط، ويليه رأس البئر “Wellhead” وهو يعد قاعدة فوهة البئر وبه تعلق أعمدة الحفر وأنبوب الإنتاج، والفرق بينهم أن العمود “casing” هو ما يمنع الحفرة من الانهيار كبطانة للبئر من الداخل، أما أنبوب الإنتاج “Tubing” فهو أشبه بالعود الذي منه يخرج السائل الأسود. إن هذه الحادثة غيرت نظرة مهندسي البترول إلى تصميم الآبار، ففي السابق كان يعتمد على شجرة الكريسمس كصمام أمان، لكن بعد الغزو تم إضافة قطعة مهمة، كانت كفيلة بمنع جزء كبير من هذه الكارثة البيئية، اسمها يختصر بـ TRSSV وهي صمام سفلي بباطن الأرض نحو 100 متر أسفل سطح الأرض ومتصل بأنبوب الإنتاج، وهو مصمم بحيث يغلق تلقائيا إذا ما استشعر أي خلل أو أعمال تخريبية في السطح. هذه القطعة كانت تستخدم فقط في الآبار البحرية، كخط أمان ثان ومانع لأي تسريب ، لكن بعد الغزو تم اعتمادها أيضا في الآبار البرية.
يقول عبد الوهاب الهاشمي أحد أعضاء فريق الإطفاء الكويتي: إنه من بداية الغزو شاهد عمليات قوات عراقية بجانب الآبار، لتفجيرها في حال انسحابهم، وهذا ما حدث مع الدخول البري لقوات التحالف لتحرير الكويت، قامت القوات العراقية بوضع المتفجرات حول الصمام الرئيسي في «شجرة الكريسمس» وعلى صمامات الجناح لفوهة البئر، ثم وضعت أكياس الرمل فوق المتفجرات لتوجيهه نحو شجرة الكريسمس، في حالات محدودة كانت الشجرة تقتلع بالكامل دون أضرار أخرى مما يؤدي إلى حريق عمودي يلتهب النفط بالكامل. لكن لسوء الحظ لم تكن هذه الحال مع معظم الآبار الأخرى، فيكون انفجار الكريسمس ليس كاملا مما يسبب إلى عملية حرق غير مكتملة يصاحبها تدفق للنفط من الشقوق والكسور المتعددة، فيتكون حول فوهة البئر بحيرات من النفط يصل عمقها لعدة أقدام، وأحيانا تتكون مادة تسمى «الكوك» وهي تنتج بسبب الحرارة التي تبخر المواد الخفيفة ويبقى الكربون الثقيل الذي يتراكم بكميات كبيرة وبصورة صلبة حول فوهة رأس البرميل، مما تعيق عمليات الإطفاء، نعم يبدو حتى التدمير والتفجير تستطيع أن تقوم به بصورة متقنة.
بالإضافة إلى تدمير الآبار وإشعال الحرائق اقتحم جنود القوات العراقية وحدات التحكم لإجبار الموظفين على فتح صمامات تدفق النفط نحو البحر، كما أغرقت القوات خمس ناقلات نفطية في ساحل الخليج، أدت هذه الجرائم إلى سكب 11 مليون برميل في البحر، تأثرت الحياة البحرية من أسماك وسلاحف، لاحظ الصيادون تغيرا في نوعية السمك المصطاد وعانى صيادو الروبيان من قلة المحصول في أول سنتين بعد التحرير. امتد تلوث مياه البحر نحو 640 كيلومترًا مربعًا، أي أن المياه الملوثة وصلت من الكويت إلى مشارف حدود قطر.
أما في البر فقد كشفت الأقمار الصناعية بأن 10% من أراضي الدولة أصابها التلوث. قدرت كمية النفط المتسرب بنحو 50 مليون برميل، كونت 249 بحيرة نفطية مجموع مساحاتها 49 كيلو مترًا مربعا. مع أعمدة الدخان الناتجة عن حرق 826 ألف طن من النفط يوميا.
هبط رذاذ مستمر مزيج من النفط والسخام، حتى تبدل لون جلود الماشية وريش الحيوانات، قضت قشور القطران على النباتات ومساكن الحيوانات، نفق العديد من الإبل والدواجن والسحالي نتيجة الجوع أو التسمم النفطي. اعتقد العلماء في البداية أن عدم اختلاط الزيت والماء سيمنع قطرات المطر من غسل الدخان، لكن بسبب وجود نسب كبيرة من الكبريت بالسخام النفطي وهي مادة جاذبة للمياه، أصبحت العمليات الجيوفيزيائية كمكنسة طبيعية لمخلفات يد الإنسان الطاغية.
مع وجود دراسات عديدة تشير إلى عودة تلوث الهواء لمستوياته الطبيعية عقب إطفاء الحرائق، إلا أن الطفرة المسجلة في الإصابات السرطانية قد تكون دليلاً على أثر دخان الحرائق. صرحت عالمة الكيمياء الحيوية بجامعة الكويت، د. لمياء حياة، عن ارتفاع حاد في معدلات الإصابة، من نحو 50 حالة لكل مليون شخص قبل عام 1990، لتصل إلى قرابة 450 حالة لكل مليون في 2002، وتعزو الباحثة حياة هذا الارتفاع إلى المعادن الثقيلة التي كانت منتشرة بكثافة في الأدخنة النفطية.
أطلق اسم «مشروع العودة» لأكبر عمليات مكافحة حرائق نفط في التاريخ، لو نعيد تصور ذاك الوقت، أرض محروقة بلا مقومات للحياة فيها، عوضا عن مقاومة حريق هائل، تطلب انطلاقة المشروع أكبر جسر جوي مدني منذ حصار برلين حيث تم استيراد 200 ألف طن من المعدات من 12 دولة مختلفة، تم إنشاء الطرق للوصول للآبار بالاستعانة بأكثر من عشرة آلاف عامل من 35 دولة، ولطبيعة العمل القاسية تم إنشاء مستشفيات ميدانية ومنازل متنقلة وقاعات طعام تقدم أكثر من 30 ألف وجبة يوميا. لم يكن الأمر مجرد إطفاء نيران، بل كان عملية لبناء مدينة كاملة وسط وجود عوائق هائلة مثل الألغام والحرائق.
تم توفير كميات هائلة من الماء عن طريق تشييد 200 بحيرة مدعومة بشبكة من أنابيب وخراطيم بلغ مجموع طولها 394 كيلو مترا وهي مسافة شاسعة تعادل تقريبا المسافة من حدود الكويت إلى البحرين تقريبا. ضخ عبر هذه الشبكة 23 مليون لتر مكعب من مياه البحر وهذه الكمية تكفي لملئ أكثر من 9 آلاف مسبح أولمبي. من التقنيات التي نالت شهرة في المشروع هي معدة من المجر تسمى الريح الكبيرة «BIG WIND» وهي تتكون من محركين نفاثين يوضعان على هيكل دبابة ينتجان قوة دفع تطلق كمية كبيرة من المياه تساهم في إطفاء الحرائق بفعالية. ولم يكن الماء هو الوسيلة الوحيدة لإطفاء الحرائق، إذ تم استخدام النيتروجين لقدرته على خنق اللهب. كما اعتُمد أسلوب الإخماد بالمتفجرات، حيث يعمل الانفجار على عزل الأكسجين اللازم لاستمرار الحريق، ويتبع ذلك مدافع مياه ومواد مخمده لضمان عدم ارتداد النيران. وهذا يؤكد أن حتى العنف، إذا وُجّه نحو المسار الصحيح، يمكن أن يكون نافعا.
شاركت في عمليات مكافحة الحرائق 27 فريقاً دولياً من دول عدة، مثل كندا والولايات المتحدة وفرنسا وروسيا والصين، تشكل الفريق الكويتي باسم Kuwaiti Wild Well Killers الذي اطفئ 41 بئرا في منطقة أم قدير، كان الفريق الإيراني من الفرق المشاركة، الذي ساهم بإطفاء 21 بئرا. سجلت 11 حالة وفاة بعد الانتهاء من المشروع، تنوعت الإصابات بين تأثر بالحروق، وانفجار ألغام وحوادث الآلات الثقيلة في مواقع العمل.
. كانت التقديرات الأولية تشير أن مدة الأزمة لحل الكارثة هي 5 سنوات. يقول روبرت جريس الخبير التقني، ومنسق فرق الإطفاء لحقل برقان: « إن العالم يدين للكويتيين البواسل بدين كبير؛ فإخماد ما يقرب من 700 حريق في آبار النفط خلال ثمانية أشهر هو إنجاز مذهل، خاصة بالنظر إلى حقيقة أن الكويت بلد صغير جداً يسكنه 1.5 مليون نسمة فقط، وكان قد تعرض لعمليات نهب كاملة ووحشية. لم يعمل أحد بجهد أكبر أو لساعات أطول من الكويتيين؛ فالكثير منهم لم يروا عائلاتهم لشهور، وعملوا يوماً بعد يوم، من الصباح الباكر وحتى ما بعد حلول الظلام بوقت طويل، ولأيام وأسابيع وشهور، في سعيهم الدؤوب لإنقاذ وطنهم».
عقب انتهاء مشروع العودة، انطلق مشروع التعمير، الذي استهدف مستويات النفط لما قبل الحرب، وذلك عبر اصلاح الآبار ومراكز التجميع والمعالجة والخزانات ومنشآت التصدير، بالإضافة إلى استعادة ومعالجة النفط من البحيرات النفطية. نفذت عمليات الاستعادة بعدة طرق، قامت سفن skimmers بشفط النفط من عرض البحر بينما استخلص النفط العائم بالقرب من الشاطئ بواسطة مضخات شفط عملاقة، أما النفط المتجمع في اليابسة فتم سحبة باستخدام صهاريج شفط، تم تخزين النفط المستعاد في خزانات ضخمة تمهيدا لنقلها عبر شاحنات إلى المصافي لمعالجتها من المياه المالحة والرمال والشوائب، في النهاية تم استعادة 20% من النفط المتسرب في الخليج و95% من النفط المترسب في الصحراء. في فبراير من عام 1993، استعاد إنتاج النفط مستوياته لما قبل الحرب، مختتماً رحلة كفاح كلفت الدولة ما يقارب 50 مليار دولار. لقد كانت هذه التجربة شاهداً على ما يُمكن أن يقترفه الإنسان بحق أنفسهم وبيئتهم، كما كانت شاهداً على القدرة المنظمة للتعامل مع الكوارث والتعافي منها.
عبدالله الراشد مهندس في قطاع النفط