عمان العلمي

شيخوخة النساء بلا نسيان

 

د مازن العبيدي -

جلست امرأة في الخمسينات من عمرها، عُرفت بذكائها الحاد وذاكرتها القوية، أمام مكتبها المزدحم بالأوراق. فجأة، انتابها شعور بـ (ضباب ذهني) غطى أفكارها. نسيت مكان مفاتيح سيارتها للمرة الثالثة هذا الأسبوع، وكافحت لتذكر اسم زميلة عمل التقتها بالأمس. صاحبت هذه الهفوات موجات مفاجئة من (الهبّات الساخنة) التي زادت من سرعة نبضات قلبها. تساءلت المرأة بخوف مكتوم، (هل هذا مجرد تقدم طبيعي في السن، أم أنه مؤشر لبداية شيء أكثر خطورة)؟ قصة المرأة الخمسينية ليست حالة معزولة، لكن هي مثالٌ لمعاناة ملايين النساء حول العالم اللواتي يواجهن تحولات بيولوجية جوهرية تؤثر على قدراتهن الإدراكية. فالعالم يشهد حاليًا تشخيص حالة خَرَف Dementia كل ثلاث ثوانٍ. الخرف هو مصطلح شامل يصف مجموعة من الاضطرابات الدماغية التقدمية التي تؤدي إلى تدهور الوظائف الإدراكية والقدرة على أداء المهام اليومية. تتسم هذه الحالة بمجموعة من الأعراض، أبرزها فقدان الذاكرة التدريجي (خاصة الذاكرة قصيرة المدى)، والارتباك الزماني والمكاني، وصعوبات في اللغة والتواصل، وضعف في الوظائف التنفيذية كالتخطيط وحل المشكلات، إلى جانب تغيرات سلوكية ونفسية مثل تقلب المزاج والاكتئاب. أما مرض الزهايمر (AD) هو أحد أنواع الخرف، ويُصنَّف كاضطراب دماغي تنكُّسي يسبب تلفًا دائمًا وغير قابل للعكس في خلايا الدماغ. يؤدي هذا التلف إلى تدهور الوظائف الإدراكية والقدرة على أداء مهام الحياة اليومية، ويتميز بتراكم لويحات بروتين (amyloid-β) وتشابكات (Tau) العصبية، ويشكّل حوالي 70% من جميع حالات الخرف. في عام 2020، بلغ عدد المصابين بالخرف أكثر من 55 مليون شخص حول العالم، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 153 مليوناً بحلول عام 2050. تشير الإحصاءات التقديرية الصادرة عن الجمعية العالمية للزهايمر إلى الواقع الصحي الذي يتطلب اهتمامًا خاصًا في سلطنة عمان؛ فقد سُجلت 11,960 حالة خرف في عام 2022، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد ليصل إلى 124,800 حالة بحلول عام 2050. وفي ظل هذا الارتفاع السريع، هنالك تحديات كبيرة أمام المؤسسات الصحية والاجتماعية وأسر المرضى، خاصة في ظل عدم توفر علاج شافٍ وفعال حتى الآن. في هذا السياق، يشدد الخبراء، ومنهم الدكتور السناوي، على أهمية تفعيل الخطة الوطنية الاستراتيجية بالاعتماد على توصيات منظمة الصحة العالمية لعام 2025، وذلك لضمان تقديم رعاية شاملة تشمل التشخيص والعلاج ودعم البحث العلمي. وتُظهر الدراسات العلمية الحديثة، ومنها تقرير لجنة «لانست» (Lancet Commission)، وجود فرصة واعدة تتمثل في إمكانية الوقاية ما يقرب من 40% من حالات الزهايمر عن طريق معالجة عوامل الخطر التي يمكن تعديلها.

وفي صميم هذه الأزمة، تقف المرأة في مواجهة كبيرة؛ حيث تمثل النساء حوالي ثلثي المصابين بمرض الزهايمر في الولايات المتحدة، وتصل مخاطر إصابة المرأة به عند سن 65 إلى امرأة واحدة من كل ست نساء، مقارنة برجل واحد من كل 11 رجلًا حسب منظمة الزهايمر في سنة 2025. لكننا كباحثين علميين نتساءل، لماذا النساء تحديدًا؟ وهل يعد الزهايمر قدرًا حتميًا مع التقدم في السن؟ تكشف لنا الأبحاث العلمية الحديثة، ومنها دراسة سردية شاملة نُشرت مؤخرًا (Edwin D. Lephart/ 2026)، أن الإجابة تكمن في أربعة محاور أساسية هي: الشيخوخة، تراجع هرمون الأستروجين، التغذية، والالتهابات العصبية.

يُعدّ التقدم في السن العامل الأكبر لخطر الإصابة بمرض الزهايمر، الذي يمثل نحو 70% من حالات الخرف. فمع التقدم في العمر، تمر خلايا الدماغ بتغيرات تدريجية تُضعف وظائفها وتزيد من قابليتها للتحلل العصبي. ورغم أن تباطؤ سرعة المعالجة العصبية يُعد أمرًا طبيعيًا مع التقدم في السن (وقد يبدأ في العشرينيات والثلاثينيات)، فإن الزهايمر ينطوي على تلف دائم وغير قابل للعكس في خلايا الدماغ. وبالنسبة للمرأة، فإن تجاوزها سن الخمسين يضعها ضمن الفئة العمرية التي تبدأ فيها الأعراض الإدراكية بالظهور بوضوح أكبر، مثل فقدان الذاكرة قصيرة المدى، والارتباك في الزمان والمكان، وصعوبة التخطيط وحل المشكلات.

الحارس الخفي لدماغ المرأة ضد الزهايمر (الأستروجين)

تكمن هنا القطعة المفقودة التي تفسر معاناة المرأة. فالأستروجين ليس مجرد هرمون تناسلي، لكنه هو (مايسترو) حيوي يؤثر على كل نسيج وعضو في الجسم، وخاصة الدماغ. يلعب الأستروجين دورًا محوريًا في الحفاظ على صحة الخلايا العصبية، وتعزيز اللدونة العصبية، وتنظيم استهلاك الجلوكوز كوقود للدماغ. حيث تُعرف اللدونة العصبية بأنها قدرة الجهاز العصبي والدماغ على التكيف، وتغيير هيكلية وروابط الخلايا العصبية، وتكوين مسارات جديدة استجابةً للتعلم، أو الخبرات، أو حتى الإصابات. تبدأ مستويات الأستروجين، وتحديدًا ) 17 (Estradiol β(وهو الأقوى تأثيرًا)، بالانخفاض التدريجي بعد سن الثلاثين، لتتسارع وتيرة هذا الانخفاض في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث (Perimenopause) التي تبدأ عادة بين سن 40 و45. هذه المرحلة، التي تعيشها ليلى حاليًا، أشبه بـ(الأفعوانية)، حيث تتقلب مستويات الهرمونات بشكل حاد، مما يؤدي إلى أعراض مثل الهبات الساخنة، وتقلب المزاج، والقلق، و(الضباب الذهني). عندما ينقطع الطمث نهائيًا (عادةً حوالي سن 51)، يفقد الدماغ حمايته الهرمونية، وهو ما يُطلق عليه العلماء (أزمة الطاقة الحيوية) في دماغ الأنثى. هذا الفقدان يجعل الدماغ أكثر عرضة لتراكم بروتين (amyloid-β) وتشابكات (Tau).

الالتهاب العصبي، الحريق الصامت

تكتشف المرأة من خلال القراءة أن ما تشعر به قد لا يكون مجرد (تعب). فالالتهاب العصبي هو استجابة بيولوجية معقدة يقوم بها الدماغ تجاه الضرر، ويُعدّ سمة أساسية لشيخوخة الدماغ. يعمل الأستروجين في الحالة الطبيعية كمضاد قوي للالتهابات ومحفز لإصلاح الحمض النووي. ولكن مع غيابه، تنشط الخلايا المناعية في الدماغ (Microglia) بشكل مفرط، وتتحول من خلايا مناعية ) منظفة (ومُصلِحة إلى خلايا تفرز مواد سامة تدمر المشابك العصبية. هذا الالتهاب لا يبدأ دائمًا في الدماغ؛ لكن قد ينشأ ايضًا من) الأمعاء (أو نتيجة لحالة التهابية عامة في الجسم، مما يضعف نفاذية الحاجز الدموي الدماغي، ويسمح للجزيئات الالتهابية بالتسلل إلى الجهاز العصبي المركزي وإحداث التخريب فيه. الحاجز الدموي الدماغي (Blood-Brain Barrier - BBB) هو نظام حماية وتنظيم حيوي يعمل كفصل بين الدورة الدموية والجهاز العصبي المركزي (الدماغ والنخاع الشوكي). وكما ذكرت في إحدى مقالاتي في جريدة «عُمان»، أن هناك ارتباطًا وثيقًا وحيويًا بين صحة الأمعاء وسلامة الجهاز العصبي عبر ما يُعرف بـمحور الأمعاء-الدماغ (Gut-Brain Axis)، وهو مسار تواصل ثنائي الاتجاه يربط بين الجهاز الهضمي والدماغ. 

التغذية، سلاح ذو حدين

عندما كانت المرأة تتناول الوجبات السريعة الغنية بالدهون والسكريات للتغلب على ضغوط العمل، لم تدرك أنها بذلك تغذي ما يسمى بـ (الحريق الصامت) في دماغها. تشير الدراسات إلى أن (النظام الغذائي الغربي)، المعتمد على الأطعمة المصنعة واللحوم الحمراء والسكريات، يزيد من الإجهاد التأكسدي والالتهابات. في المقابل، يمثل (نظام حمية البحر الأبيض المتوسط) منارة أمل؛ فقد أثبتت الدراسات أن هذا النظام، الغني بزيت الزيتون والفواكه والخضروات والبقوليات والأسماك، يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بالزهايمر. تعمل الأطعمة المضادة للالتهابات في هذا النظام، مثل الأوميغا-3 ومضادات الأكسدة، على حماية الميتوكوندريا (مصانع الطاقة في الخلية) وتعزيز قدرة الدماغ على التخلص من النفايات الضارة عبر الجهاز الغليمفاوي (Glymphatic System). يعمل هذا الجهاز كنظام تطهير ومسار فريد للتخلص من النفايات داخل الدماغ، ويعمل كآلية حيوية للحفاظ على صحة الجهاز العصبي المركزي.

هل تأخر الوقت بالنسبة للمرأة؟

هناك نقاش علمي مستفيض حول ما إذا كان ينبغي إعطاء النساء في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث العلاج الهرموني التعويضي (Hormone Replacement Therapy). هو نهج علاجي يهدف إلى تعويض الهرمونات التي يتوقف جسم المرأة عن إنتاجها بكميات كافية مع تقدمها في السن، لا سيما مع اقتراب مرحلة انقطاع الطمث. يُعرف هذا العلاج أيضًا في الأوساط الطبية الحديثة باسم العلاج الهرموني لانقطاع الطمث. لسنوات طويلة، ساد الخوف من هذا العلاج بسبب سوء فهم نتائج دراسات سابقة، مثل دراسة (WHI) عام 2002. ومع ذلك، تشير إعادة التحليل الحديثة لهذه البيانات، والتوجيهات الجديدة الصادرة عن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) وجمعية سن اليأس في أمريكا الشمالية (North American Menopause Society)، إلى أن البدء المبكر بالعلاج الهرموني (عند ظهور الأعراض وخلال السنوات العشر الأولى من انقطاع الطمث) قد يوفر فوائد وقائية كبيرة للقلب والعظام والدماغ. تقترح الدراسات أن استخدام جرعة منخفضة جدًا من الأستروجين عبر لصقات جلدية خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث قد يساعد في تثبيت مستويات الهرمون، وتخفيف الأعراض المزعجة، وحماية الدماغ من التدهور الإدراكي المستقبلي.

بعد استيعابها لهذه الحقائق، قررت المرأة ألا تترك مستقبلها للقدر. لم تكن بحاجة لانتظار معجزة، لكنها قررت بالقيام بتغييرات جذرية في نمط حياتها، مدعومة بالعلم، حيث بدأت بتبني حمية البحر الأبيض المتوسط؛ فاستبدلت الوجبات السريعة بالسلطات الخضراء والمكسرات والأسماك الغنية بالزيوت المفيدة. كما مارست الرياضة بانتظام، لأن النشاط البدني لا يعزز صحة القلب فحسب، لكنه يعمل على تحفيز إنتاج عوامل النمو العصبي التي تحمي الدماغ. علاوة على ذلك، أولت اهتمامًا بإدارة النوم والتوتر، إذ إن جودة النوم ضرورية لعمل نظام (تطهير الدماغ) من البروتينات الضارة. وأخيرًا، سعت للاستشارة الطبية المبكرة؛ فبدأت نقاشًا مع طبيبتها حول العلاج الهرموني التعويضي كخيار وقائي، مع إجراء الفحوصات اللازمة لضمان الأمان.

نحن اليوم أمام تحدٍ صحي عابر للحدود، حيث تبرز المرأة كأكثر الفئات عرضة للخطر. لذا، فإن حماية عقل المرأة ليست مجرد قضية طبية، لكنها حماية لعماد الأسرة والمجتمع. إن النظام الغذائي الغربي، الذي بدأ يتسلل إلى موائدنا، يُعد وقودًا لـ «الحريق الصامت» أو ما يُعرف بالالتهاب المزمن. وتحديدًا للمرأة في مرحلتي الأربعينيات والخمسينيات: مع تراجع هرمون الأستروجين الذي كان يحمي الدماغ، يصبح الغذاء هو خط الدفاع الأول. إن اهتمامك بما تتناولينه ينعكس مباشرة على صفاء ذهنك؛ فالأمعاء الصحية تضمن تقليل الالتهابات الجسدية التي تؤدي لاحقًا إلى تآكل الروابط العصبية. ندعو كل أسرة إلى العودة إلى جذورها وتبني (حمية البحر الأبيض المتوسط) التي أثبت العلم أنها توفر حماية إضافية ضد الزهايمر. اجعلوا مائدتكم خضراء؛ فالخضراوات الورقية غنية بالكاروتينات ومضادات الأكسدة التي تدعم (الجهاز الغليمفاوي) المسؤول عن تنظيف الدماغ من الفضلات السامة. استبدلوا السمن الصناعي بالدهون الصديقة للعقل (بشرط جودتها)، مثل زيت الزيتون البكر، واحرصوا على تناول الأسماك والمكسرات الغنية بالأوميغا-3، فهي تحمي (مصانع الطاقة) في خلاياكم العصبية. كما أن الحبوب الكاملة والبقوليات الغنية بالألياف تدعم البكتيريا النافعة في الأمعاء، مما يقلل من فرص وصول الالتهابات إلى الدماغ عبر (محور الأمعاء-الدماغ). وأخيراً، يجب الابتعاد الصارم عن (سموم) العصر، بتحديد السكريات المضافة والأطعمة فائقة المعالجة التي تزيد من خطر السمنة والسكري، وهما من أكبر محفزات الزهايمر. إن الاستثمار في جودة الغذاء اليوم هو استثمار في كرامة الشيخوخة غداً. فلنجعل من بيوتنا مراكز للوقاية، ولنبدأ بتمكين المرأة بالوعي الغذائي، لتبقى ذاكرتنا الجماعية نابضة بالحياة، بعيدًا عن ضباب الزهايمر.

قصة المرأة والتي اسمها (روان) تمثل نداءً قويًا لكل امرأة تقترب من منتصف العمر. مرض الزهايمر لا يقتصر على كونه مرضًا يصيب كبار السن، لكنه نتاج لتراكم عقود من التغيرات البيولوجية والالتهابات التي تبدأ في مراحل مبكرة جدًا. إن الفهم العميق للترابط بين الشيخوخة، وفقدان هرمون الأستروجين، وسوء التغذية، والالتهابات العصبية، يفتح آفاقًا جديدة للوقاية. على المجتمعات التوقف عن إهمال معاناة النساء في مرحلة انقطاع الطمث، وعلى الأطباء إدراك أن هذه المرحلة تمثل (نافذة فرصة) ذهبية للتدخل وحماية العقل الأنثوي. (روان) لم تعد تخشى الضباب المعرفي اليوم، فقد أدركت أن العلم يوفر لها الشعلة التي ستنير طريقها نحو شيخوخة واعية وصحية، محافظة على أغلى كنوزها وهما ذاكرتها وهويتها. 

د. مازن العبيدي أستاذ مساعد في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية