عمان العلمي

حين تُرى الحرب من الفضاء: قراءة علمية في الكوارث البيئية

 

د. إسحاق بن يحيى الشعيلي -

قبل حوالي عشر سنوات تقريبا وبالتحديد في عام 2016 نشر عالم الفيزياء الفلكية ستيفن هوكينج مقال في صحيفة The Guardian مقال بعنوان «هذا هو الوقت الأخطر على كوكبنا» وجه من خلاله نداء استغاثة عاجلة حول ما يهدد الكوكب الأزرق من مخاطر صنعها تفوقنا التقني الذي منحنا القدرة على تدمير كوكبنا بأساليب متعددة من أسلحة فتاكة وتغير مناخي وتدمير للنظام البيئي في حين نقف عاجزين على إدارة هذه القوة.

ويلخص هوكينج ذلك بقوله: «نحن الآن نمتلك التكنولوجيا اللازمة لتدمير الكوكب الذي نعيش عليه، لكننا لم نطور بعد القدرة على الهروب منه. ربما في غضون بضع مئات من السنين، سنكون قد أنشأنا مستعمرات بشرية بين النجوم، ولكن في الوقت الحالي، ليس لدينا سوى كوكب واحد، ونحن بحاجة إلى العمل معا لحمايته».

 هذه العبارة تلخص لنا الخطر الذي أصبح واقعا نتعايش معه، ويتفاقم الأمر مع مرور الوقت دون إصلاح للأضرار التي يصنعها الانسان، وتؤثر بشكل كبير على أساليب الحياة في الأرض ومستقبل العيش على هذا الكوكب، إن الأضرار الجانبية للحرب من دمار واستهداف لمنشآت الطاقة التي (ومن المفارقات) أن الإنسان شيدها وسعى للحصول عليها من أجل لتيسير أمور حياته، والزحام في المدارات الخارجية للأرض يعكس بشكل كبير حجم التسارع في البصمة الكيميائية والضوئية التي أصبحت ترصد بواسطة الأقمار الصناعية المتخصصة في هذا المجال التي أصبحت تقود كوكب الأرض إلى مصير مشابه لما آلت إليه كواكب المجموعة الشمسية الميتة مثل كوكب الزهرة وكوكب المريخ اللذين فقدا غلافهما الخارجي واصبحا جحيما لا يحتمل العيش فيه. وفي هذا المقال نناقش التناقض المرعب بين القوى التكنولوجية والمعرفية التي يمتلكها الإنسان والعجز عن إيجاد الحلول لما تخلفه هذه المعرفة من تدمير مستمر لموارد في كوكب الأرض.

السموم العابرة للحدود

إن تأثير الكوارث مهما كان مصدرها سواء أكانت طبيعية أم نتيجة سلوك بشري على هذا الكوكب ومنها الحروب لا تعترف بأي حال من الأحوال بالحدود بين الدول، لذلك فإن تأثيرها يمتد ليشمل نطاقات جغرافية واسعة، فالسلوك البشري من هيمنة عسكرية إلى تسابق نحو الفضاء وأصبح الازدحام في المدارات كبيرا جدا حتما لن يكون بلا ثمن بل إن التغير الكيميائي للغلاف الجوي للأرض أصبح واقعا يزداد يوما بعد يوم وهذا ما كشفته ورقة بحثية نشرت في عام 2022 في دورية Scientistic Reports للباحث كريستوفر مالوني بالتعاون مع فريق من جامعة كولورادو بعنوان «تأثيرات الانبعاثات الكربونية الناتجة»

عن إطلاق الصواريخ على المناخ وطبقة الأوزون التي كشفت أن انبعاثات الكربون الأسود الناتج من عوادم الصواريخ والتي تخلفها في الطبقات العليا للغلاف الجوي قادرة على حبس الحرارة في الغلاف الجوي بمعدل 500 مرة أكثر من أي مصدر كربون أرضي (مثل المصانع أو السيارات).

مما يؤثر بشكل مباشر على التغير المناخي في الأرض، كما أشارت الدراسة إلى أن هذه العوادم تطلق عناصر (كالأمونيا وأكاسيد النيتروجين) من شأنها أن تُسرِّع من عملية تفكيك جزيئات الأوزون O3، وبالتالي تدميرًا بطيئًا للدرع الوحيد القادر على حماية البشر من مخاطر الإشعاعات الضارة كالأشعة فوق البنفسجية، وهو ما بدا ملحوظًا بشكل كبير في التغيرات المناخية الحالية، والتي تتوقع الدراسة أن يكون تأثيرها أكبر في السنوات القادمة مع تزايد وتيرة إطلاق الصواريخ والأقمار الصناعية، والتي تضاعفت بشكل كبير مع تحول الحرب التقليدية إلى حروب تُدار من الفضاء، والاعتماد على الأقمار الصناعية العسكرية وأقمار التجسس، وهذا يُسرِّع بدوره من استنزاف الأوزون بمعدل يقارب 4% في السنوات القادمة إذا لم يكن هناك معالجة فعلية لما يحدث في المدارات الخارجية للأرض، وربما إذا ما استمر الحال على ما هو عليه حاليًا قد نصل في الأخير إلى المصير الحتمي للفناء كما حدث قبل ملايين السنين لكواكب ضمن المجموعة الشمسية ككوكب المريخ، غير أن الفارق هو أن المريخ فقد غلافه الجوي نتيجة لعوامل طبيعية، في حين أن ما يحدث على الأرض هو نتيجة لتآكل كيميائي متعمد من قبل الإنسان لتدمير هذا الكوكب.

وهذا ما خلصت إليه أيضًا ورقة روبرت رايان من جامعة كوليدج، والتي نُشرت في عام 2022، والتي أثارت ضجة واسعة في الأوساط العلمية، من حيث إن التركيز في الدراسات السابقة كان ينصب على الصواريخ المغادرة دون الإشارة إلى النفايات والحطام الفضائي وتأثيرها على الطبقات العليا في الغلاف الجوي للأرض؛ فالتلوث لا يحدث فقط عند الانطلاق كما تشير إليه هذه الدراسة، بل عند العودة أيضًا، فاحتراق آلاف الأطنان من الحطام الفضائي والمعادن الناتجة عن الأقمار الصناعية المتهالكة يُحوِّل غلافنا الجوي إلى «مختبر كيميائي» مشبع بالمعادن النانوية، مما يهدد بتعطيل تعافي طبقة الأوزون لأجيال قادمة.

كما أشارت الدراسة إلى أن احتراق المعادن مثل الألومنيوم والليثيوم والنحاس يضخ جسيمات نانوية في الستراتوسفير بمعدلات تتجاوز ما يُخلِّفه الغبار النيزكي، وهو ما يُغيِّر بشكل جذري من تركيز المعادن في الغلاف الجوي ويزيد من الخطر الذي يهدد الحياة على هذا الكوكب، ويخلص رايان إلى أننا بصدد صنع غلاف جوي معدني غريب حول الأرض، يشبه الأغلفة الجوية القاتلة التي نراها في الكواكب التي فقدت اتزانها البيئي منذ ملايين السنين، وهو المصير المحتوم الذي قد نصل إليه إذا ما استمر الدمار البيئي الذي يصنعه الإنسان بسبب الحروب والتنافس على الموارد الطبيعية.

إن رحلة فضائية واحدة أو إطلاق صاروخ عسكري عابر للقارات يترك بصمة حرارية تعادل آلاف الرحلات الجوية التجارية، ولأن التلوث يُحقن مباشرة في طبقات الجو العليا، فإمكانية التخلص منه تبدو ضئيلة جدًا، إذ لا توجد أمطار لتنظيفه. وفي الوقت الذي نسعى فيه إلى الوصول إلى المريخ والكواكب المجاورة، فإننا نُسرِّع من عملية تدمير الكوكب الوحيد القابل للعيش فيه.

حرائق الحروب ترى من الفضاء

لا ينسى العالم الصورة التي كانت تُلتقط من الأقمار الصناعية للدخان المتصاعد من احتراق آبار النفط في حرب الخليج الثانية عام 1991، والتي ظهرت كسحابة كبيرة غطت مساحات شاسعة. هذه الأحداث وغيرها من الكوارث التي خلّفتها أحداث لاحقة من حرائق للغابات في مناطق النزاع وثّقتها أنظمة استشعار للبصمة الحرارية، أو من خلال التصوير بالأشعة تحت الحمراء، كنظامي المقياس الطيفي ذو الدقة المتوسطة MODIS ومجموعة مقياس إشعاع التصوير بالأشعة تحت الحمراء المرئية VIIRS.

ويُعد نظام المقياس الطيفي ذو الدقة المتوسطة، والمحمول على القمرين الصناعيين Terra وAqua التابعين لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا، الأقدم بين الأنظمة، ويمتلك إمكانية رصد تصل دقتها إلى كيلومتر واحد، كما أنه قادر على قياس الانبعاثات الحرارية الشديدة وتمييز الحرائق الضخمة، وبالتالي فهو يمتلك قاعدة من البيانات تعود لأكثر من 26 سنة يمكن من خلالها مقارنة الزيادة في وتيرة الحرائق نتيجة النزاعات أو التغير المناخي.

أما مجموعة مقياس إشعاع التصوير بالأشعة تحت الحمراء المرئية، المحمول على الأقمار الصناعية Suomi NPP، والذي أُطلق عام 2011، والقمر الصناعي NOAA-20، والذي أُطلق عام 2016، واللذان يدوران في مدار قطبي بمعدل 14 مرة في اليوم، فهي الأحدث في مراقبة الحرائق في مناطق النزاعات وانبعاثات الغازات، وتهدف إلى تعزيز دقة التنبؤات الجوية قصيرة وطويلة المدى، ومراقبة الظواهر المناخية القاسية بدقة عالية.

إن الأهمية العلمية لهذه المنظومة ليس فقط في دقة الصور المأخوذة لمناطق النزاع، والتي تُحوِّل جزءًا كبيرًا من الأراضي إلى مناطق ميتة يصعب إعادة تأهيلها لسنوات طويلة، بل في القراءة الفيزيائية التي تقدمها من خلال هذه الصور، التي تعطي مؤشرات لمدى تأثير الانبعاثات الكربونية الناتجة من هذه الحرائق والعمليات القتالية، والتي تُخلِّف ضررًا كبيرًا يظهر جليًا في البيانات التي ترصدها هذه المنظومة، الأمر الذي يقودنا إلى الأبعاد العلمية المتضررة من هذا الجانب.

فالتصوير والرصد الفلكي للتلسكوبات الضوئية داخل الغلاف الجوي للأرض يعتمد بشكل كلي على رصد وتحليل الطيف القادم من النجوم، ومعالجة الامتصاص والتشتت في هذه الأطياف، ووجود هذا الكم الهائل والمتزايد من الجسيمات النانوية والحطام والملوثات في الطبقات العليا للجو يحد من جودة الصور الملتقطة من هذه التلسكوبات، كما أنه يخفض من شفافية السماء، وبالتالي ينعكس بشكل كبير على البيانات المأخوذة ويقلل من النتاج المعرفي المرتبط بدراسة المجرات والسدم والفضاء الخارجي، ويعزل الفضاء الخارجي عن الرصد في نطاق الضوء المرئي بشكل كبير.

 إن العصر الجليدي الصغير (The Little Ice Age) الذي شهدته الأرض بين القرنين 15 و 17 وما أحدثه من تغير كبير في نمط الحياة على الأرض، وما خلفه من دمار تام لبعض المحاصيل ورغم الكثير من الأوراق البحثية التي حاولت تفسير هذه الظاهرة الا انه لم يتم الكشف بدقة عن السبب الجوهري لحدوثها الا أن التشابه بينها وبين الجحيم الذي يصنعه الانسان اليوم على هذا الكوكب كبير جدا، فلو قدر وجود أقمار صناعية في تلك الحقبة لرصدة مساحات بيضاء شاسعة بسبب الجليد في حين أن ما ترصده الأقمار الصناعية اليوم هو سحب كثيفة من الغازات والأدخنة ناتجة من حروب تستهدف مصادر الطاقة وتدمر البيئة في الأرض وتسبب احترار غير مسبوق لهذا الكوكب وربما نشهد تغيرا مشابها وتأثيرات اكبر اذا ما استمر هذا التأثير لعقود قادمة. 

إن التعبير الأنسب لما يحدث من دمار في الأرض يمكن تلخيصه بما قاله عالم الفلك كارل ساجان في كتابه « قطة زرقاء باهتة» والذي نشر في عام 1994 حيث يقول في معرض حديثه عن الأرض أن على هذه النقطة الزرقاء الباهتة، كل تلك الحرائق التي نراها من الفضاء ليست إلا صراعات بين كائنات تعيش على ذرة غبار تحرق منزلها الوحيد في محاولة عبثية لامتلاك لحظة زائلة.

وتبقى التقنية في علوم الفضاء سلاحًا ذا حدين؛ فهي الوسيلة لرصد الأخطار التي تهدد الأرض من الداخل أو الخارج، وهي المصدر للتلوث في الطبقات العليا في حالات الحروب والتنافس الشديد في كسب السيطرة الفضائية بين الدول. 

د. إسحاق بن يحيى الشعيلي رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للفلك والفضاء