عمان العلمي

الحرب الإيرانية تُنذر بعواقب ضارة مزمنة على الإنسان والطبيعة

ناتالي مولر -

تُهدد تداعيات القتال في الشرق الأوسط، من احتراق مصافي النفط إلى غرق السفن، بآثارٍ طويلة الأمد على صحة سكان المنطقة، وموارد المياه والغذاء، والنظم البيئية. وتُثير الضربات الجوية على منشآت النفط ومنصّات الصواريخ في الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران مخاوف الخبراء من إرث سامٍّ على صحة الإنسان والبيئة قد يستمر طويلًا بعد انتهاء القتال.

منذ بدء النزاع، رصدت منظمة «مرصد النزاعات والبيئة» (CEOBS) البريطانية غير الربحية أكثر من 300 حادثة ضرر بيئي محتمل، من ضربات على منصّات الصواريخ إلى هجمات على ناقلات النفط في الخليج العربي. لكن الباحثين يقولون إن هذا الرقم لا يُمثل على الأرجح سوى جزء ضئيل من الضرر.

صرّح دوج وير مدير منظمة «مرصد النزاعات والبيئة»، لـموقع دويتشه فيله أن «هذا غيض من فيض. فالولايات المتحدة تزعم أنها استهدفت 5000 موقع. لذا، فنحن الآن في بداية الطريق فقط». كما حذرت الأمم المتحدة من أن الضربات الأخيرة على منشآت النفط قد تُنذر بعواقب بيئية وخيمة في جميع أنحاء المنطقة، مع احتمالية حدوث آثار فورية على المياه النظيفة والهواء النقي والغذاء.

ومن دلائل هذه المخاطر هطول «المطر الأسود»، وهو مزيج من النفط والأمطار، على شوارع طهران عقب الضربات الإسرائيلية التي استهدفت عدة منشآت نفطية خلال عطلة نهاية الأسبوع؛ إذ تسببت الحرائق في المنشآت في انتشار دخان أسود كثيف فوق العاصمة، التي يقطنها نحو عشرة ملايين نسمة، ما دفع جمعية الهلال الأحمر الإيرانية إلى تحذير السكان بالبقاء في منازلهم لتجنب الملوثات السامة في الهواء. وأبلغ بعض السكان المحليين عن معاناتهم من الصداع وصعوبة التنفس.

وقال زونجبو شي أستاذ الكيمياء الحيوية للغلاف الجوي في جامعة برمنجهام البريطانية: إن الدخان احتوى على الأرجح على ملوثات، «بما في ذلك الجسيمات الدقيقة وثاني أكسيد الكبريت، بالإضافة إلى مركبات عضوية متطايرة سامة ونواتج احتراق خطرة أخرى». وأضاف شي أن هذه الجسيمات قادرة على اختراق الرئتين بعمق، وترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، لا سيما بين الأطفال الرّضّع وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة.

وإلى جانب التلوث الهوائي المباشر، يحذر الخبراء من أن المواقع العسكرية ومواقع الطاقة التي تتعرض للقصف يمكن أن تخلف وراءها تلوثًا يستمر في البيئة لسنوات. وأفادت منظمة منظمة «مرصد النزاعات والبيئة» أنه عند قصف المنشآت النفطية، كما حدث في إيران ودول خليجية أخرى، قد تنطلق منها سحب من الملوثات السامة التي قد تنتشر إلى المجتمعات المجاورة وتتراكم على الطرق والأسطح والتربة والأراضي الزراعية.

كما أن الهجمات على المواقع العسكرية، مثل منصّات الصواريخ، قد تكون بالغة الخطورة؛ إذ تنشر الحرائق والانفجارات ملوثات سامة كالوقود والمعادن الثقيلة والمواد البيرفلورية ومتعددة الفلور والمتفجرات. وقد تبقى بعض هذه المواد لفترة طويلة بعد توقف القتال.

فعلى سبيل المثال، مادة (تي. إن.تي)، المستخدمة في الذخائر والمصنفة من قبل وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) كمادة مسرطنة محتملة للإنسان، قد تبقى في التربة، مما يضر بالنباتات وصحة الإنسان. ومع ذلك، يبقى تقييم حجم التلوث صعبًا دون إجراء اختبارات ميدانية.

وقال وير: «هناك تقصير كبير في الشفافية، وعدم الموثوقيّة بشأن محتويات هذه المواقع التي تعرضت للقصف». نعلم بشكل عام أنها قد تحتوي على مواد عسكرية، بعضها سام مثل وقود الصواريخ، لكننا لا نملك تفاصيل أو بيانات محددة حول محتوياتها وما تم تدميره. لا يملك فريق وير سوى صور الأقمار الصناعية وخرائط أضرار الرادار ووسائل التواصل الاجتماعي والتقارير الإخبارية لتقييم المخاطر البيئية المحتملة عن بُعد.

أنظمة البيئة البحرية في خطر

تزيد الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على البحرية الإيرانية، وغارات طهران على السفن التي تحاول عبور مضيق هرمز، من خطر التسرب النفطي. يضم الخليج العربي شعابًا مرجانية واسعة ونظمًا بيئية بحرية مهمة، مثل مروج الأعشاب البحرية التي توفر موائل للأسماك، ومحار اللؤلؤ، والسلاحف الخضراء، وثاني أكبر تجمع في العالم لحيوان الأطوم المهدد بالانقراض. كما تعتمد مجتمعات الصيد على المأكولات البحرية في هذه المياه.

قال وير: «هذا بُعدٌ لا نراه بالضرورة بكثرة في معظم النزاعات. كما شهدنا هجمات إسرائيلية على عدد من المواقع الساحلية، حيث يرتفع احتمال دخول الملوثات إلى البيئة الساحلية». كما أعلنت الولايات المتحدة أنها قصفت أكثر من 60 سفينة إيرانية خلال القتال. وأوضح وير أن السفن الغارقة قد تُصبح مصادر تلوث طويلة الأمد إذا تسرب الوقود والمواد الخطرة الأخرى إلى المياه المحيطة. وأضاف أن فرقاطة إيرانية تعرضت لهجوم طوربيدي خلال النزاع تُسرّب الآن بقعة نفطية تمتد كيلومترات قبالة سواحل سريلانكا. وأشار وير إلى أن «الخليج العربي ليس وحده المُعرّض للخطر، بل امتدت هذه الآثار البيئية لتشمل سريلانكا أيضًا».

للحرب بصمة كربونية هائلة

ومن الطرق الأخرى التي قد تمتد بها التداعيات البيئية إلى ما وراء مناطق النزاع الكميات الهائلة من انبعاثات الكربون المسببة للاحتباس الحراري الناتجة عن الحروب. فعلى سبيل المثال، أنتجت السنوات الثلاث الأولى من الحرب الروسية الأوكرانية ما لا يقل عن 230 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وفقًا لمبادرة محاسبة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الحروب، وهي منظمة غير ربحية. وهذا يعادل تقريبًا إجمالي الانبعاثات السنوية للمجر والنمسا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا مجتمعة.

تستهلك الجيوشُ كميات هائلة من الوقود الأحفوري. ولو كانت جيوش العالم دولة واحدة، لكانت رابع أكبر دولة في العالم من حيث البصمة الكربونية، إذ تُسهم بنحو 5.5% من الانبعاثات العالمية. ومع ذلك، لا يُلزم القانون الدول بإدراج الانبعاثات العسكرية ضمن إجمالي الانبعاثات الوطنية التي تُبلغ عنها كجزء من التزاماتها بالحد من الاحتباس الحراري بموجب اتفاقية باريس للمناخ.

يقول وير: «عندما يتعلق الأمر بالآثار البيئيّة للحرب، غالبًا ما ينصب التركيز على الجوانب المحسوسة». وأضاف: «إننا نرى الحرائق، والانفجارات، والحفر، وتحركات المركبات العسكرية، وملايين الكيلومترات من كابلات الألياف الضوئية الممتدة فوق الغابات وعلى طول خطوط المواجهة - كما نشهد في أوكرانيا حاليًا».

التعافي في أعقاب الحرب

كانت إيران تواجه بالفعل ضغوطًا بيئية شديدة، بما في ذلك نقص مزمن في المياه، وتفاقم تلوث الهواء، وتدهور النظم البيئية الرئيسية، وهو ما تفاقم بسبب تغير المناخ وسوء إدارة الدولة. وتزيد الحرب حدة هذه التحديات. وأشار وير إلى أن الصراع غالبًا ما يتبعه ضعف في الحوكمة؛ حيث تتراجع حماية البيئة إلى المرتبة الثانية في مراحل الانتقال من الحرب إلى السلام.

ويعتقد وير أن هذا هو الحال على الأرجح في إيران، وهي دولة وصفها بأنها «عادةً ما تتسم بالسرية والانغلاق فيما يتعلق بالبيئة وتدهورها». وأضاف وير أنه إذا استمر النظام الإيراني في السلطة، فليس من الواضح مدى شفافيته بشأن الحاجة إلى عمليات التنظيف، أو حجم الدعم الذي سيقدمه المجتمع الدولي.

يضيف وير: «نشهد أضرارًا بيئية جسيمة، ولكن من المحتمل أيضًا أن نفتقر إلى الشفافية في هذا الشأن مستقبلًا، وأن تكون قدراتنا محدودة للغاية فيما يتعلق بتنظيف أو إدارة أي أضرار ناجمة».

ناتالي مولر صحفية متعددة الوسائط، متخصصة في شؤون البيئة والشؤون الجارية من سيدني، أستراليا. وهي منتجة في بودكاست «On the Green Fence» المتعلق بالبيئة التابع لمؤسسة دويتشه فيله، وتعمل أيضًا كاتبة ومحررة في فريق الأخبار في المؤسسة.

الترجمة عن موقع دويتشه فيله.