أفكار وآراء

نحو اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار

تهدف «رؤية عُمان 2040» إلى تحقيق اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والتقنية والابتكار، بأطر متكاملة وتنافسية عالية، مستوعب للثورات الصناعية، ويحقق الاستدامة المالية، بوصفه توجها استراتيجيا رئيسا ضمن أولوية التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية.

كما يتضمن توجه الأولوية رصد توجهات الاقتصاد العالمي الجديدة والمتغيرات والطفرات التقنية والثورات الصناعية، ويعمل على مواكبتها وتوطينها ضمن برامج سلطنة عُمان وخططها، في بيئة تقنية معرفية آمنة تكفل تحول الاقتصاد العماني نحو اقتصاد قائم على المعرفة والتقنية والابتكار، لتحقيق تنمية مستدامة وبيئة أعمال جاذبة وتعزيز تصدير الصناعات التقنية العمانية ذات القيمة الاقتصادية المضافة.

ووفقا لتقرير البنك الدولي (2021)، ومع التحولات التقنية والاقتصادية المتسارعة، برزت البيانات والمعرفة كمحركات أساسية للاقتصاد الحديث، ولم تعد الموارد التقليدية كالأرض ورأس المال وحدها كافية للنمو الاقتصادي.

ويشير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد، 2021)، على أن الاقتصاد القائم على المعرفة يرتكز على مجموعة من الركائز الرئيسة، من أبرزها رأس المال الفكري والبُنى الأساسية التقنية المتقدمة والابتكار والبحث والتطوير، إلى جانب البيئة المؤسسية الداعمة.

وبحسب تقرير صندوق النقد الدولي (2024)، يُعد الذّكاء الاصطناعيّ من أبرز مخرجات التحول الرقمي، إذ يعتمد على تحليل البيانات وتوظيفها، مع تأثيرات متزايدة في الاقتصاد وسوق العمل. ويشير تقرير البنك الدولي (2021) إلى أهمية الاستثمار في البُنى الأساسية التقنية والبيانات وتنمية رأس المال الفكري، في دعم الأداء الاقتصادي وتحسين نتائج التنمية، في حين تؤكد تقارير الأونكتاد (2021) أن تطوير القدرات المعرفية والتقنية وتوطين الصناعات التقنية أصبح عاملا محوريا في تقليص الفجوة التنموية. لذلك، فإن العلاقة بين الاقتصاد القائم على المعرفة والتقنية بما فيها الذّكاء الاصطناعيّ، هي علاقة تكاملية؛ إذ يعزز كلٌّ منهما الآخر ويسهمان معا في تشكيل اقتصاد قائم على المعرفة والتقنية والابتكار والتنافسية الرقمية.

وانطلاقا من هذا الترابط بين التحول الرقمي والاقتصاد القائم على المعرفة، تبرز مجموعة من المؤشرات التي تعكس حجم التأثير المتسارع لهذه التحولات والطفرات على الاقتصاد العالمي وسوق العمل.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي (2024) إلى أن نحو 40 % من الوظائف عالميا قد تتأثر بالذّكاء الاصطناعيّ، بدرجات متفاوتة بين الاستبدال والتكامل، في حين تشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد، 2019) إلى أن مساهمة الاقتصاد الرقمي تتراوح بين نحو 4.5 % و15.5 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2023) إلى التوسع المتزايد للاقتصاد الرقمي عالميا، ودوره المتنامي في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الإنتاجية. هذه المؤشرات تعكس واقعا جديدا تتداخل فيه التقنية مع الاقتصاد على نحو غير مسبوق، ما يفرض إعادة التفكير في نماذج التنمية والسياسات العامة على حد سواء.

وفي هذا السياق، تطور مفهوم العولمة من مجرد تكامل تجاري إلى منظومة رقمية قائمة على تدفق البيانات والخدمات عبر الحدود. فوفقا لتقرير البنك الدولي (2021)، أصبحت البيانات موردا اقتصاديا رئيسا يدعم النمو والتنمية في الاقتصاد الحديث. كما تسهم التقنيات الرقمية بما فيها الذّكاء الاصطناعيّ، في تسريع هذه التحولات من خلال تحسين كفاءة سلاسل الإمداد وتعزيز التجارة الإلكترونية وتمكين الشركات من الوصول إلى أسواق جديدة.

وتشير تقديرات معهد ماكنزي العالمي (2018) إلى أن الذّكاء الاصطناعيّ قد يضيف ما يصل إلى 13 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030. وفي هذا السياق، يؤكد أكوسيللا (2023) أن هذه التقنية لا تقتصر على تحسين العمليات الإنتاجية، بل تمثل محركا رئيسا للتحول الاقتصادي في ظل العولمة الرقمية، من خلال تعزيز الاعتماد على المعرفة والتقنية والبيانات.

كما أصبحت الدول التي تستثمر في الذّكاء الاصطناعيّ مثل: الولايات المتحدة والصين أكثر قدرة على تعزيز تنافسيتها العالمية، في حين تواجه الدول النامية تحديات في مواكبة هذا التحول.

غير أن هذا التحول لا يخلو من تداعيات على سوق العمل، إذ يطرح الذّكاء الاصطناعيّ تحديات تتعلق بمستقبل الوظائف والمهارات. فبحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي (2023)، من المتوقع استحداث نحو 69 مليون وظيفة مقابل اختفاء 83 مليون وظيفة بحلول عام 2027، بصافي فقدان يبلغ 14 مليون وظيفة.

ويصاحب ذلك تحول في الطلب نحو المهارات الرقمية والتحليلية، مقابل تراجع الوظائف الروتينية، مع ما قد يترتب على ذلك من تحديات تتعلق بفجوة المهارات. كما يشير تقرير الأونكتاد (2021) إلى أن الدول النامية تواجه تحديات متزايدة في اللحاق بالتطورات التقنية، ما لم تعزز استثماراتها في البنية الأساسية التقنية وتنمية المهارات والتعليم.

في مواجهة هذه التحديات، تبرز أهمية السياسات العامة والأطر التنظيمية والتشريعية في توجيه توطين الصناعات التقنية بما فيها الذّكاء الاصطناعيّ نحو تحقيق التنمية المستدامة. فالحكومات مطالبة بوضع استراتيجيات شاملة تشمل رفع مساهمة البحث والتطوير من الناتج المحلي الإجمالي كرافعة رئيسة لكافة القطاعات وتطوير التعليم وتعزيز الابتكار وتنظيم استخدام البيانات.

وتشير بيانات مرصد سياسات الذّكاء الاصطناعيّ التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2024) إلى أن أكثر من 70 دولة حول العالم اعتمدت استراتيجيات وطنية للذّكاء الاصطناعيّ، في إطار سعيها لتعزيز الابتكار ومواكبة التحولات الرقمية. كما يلعب التعاون بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات البحثية والأكاديمية دورا محوريا في بناء تقنية رقمية آمنة وشاملة وتوطينها.

ولا يمكن إغفال الأبعاد الأخلاقية المرتبطة بالتقنيات المتقدمة بما فيها الذّكاء الاصطناعيّ خاصة فيما يتعلق بالخصوصية والشفافية والتحيز الخوارزمي؛ فمع تزايد الاعتماد على البيانات تزداد المخاوف بشأن كيفية استخدامها ومن يملكها.

وهنا تبرز الحاجة إلى تعاون دولي تحت مظلة الأمم المتحدة لوضع معايير مشتركة تضمن الاستخدام المسؤول للذّكاء الاصطناعيّ. ويشير أكوسيللا (2023) إلى أهمية وجود أطر تنظيمية وأخلاقية تحكم استخدام الذّكاء الاصطناعيّ، بما يضمن تحقيق التوازن بين الابتكار والاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية. إن تحقيق اقتصاد قائم على المعرفة والتقنية والابتكار في سلطنة عُمان لم يعد خيارا تنمويا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات العالمية، ويتطلب ذلك تبني موجهات متكاملة تركز على رأس المال الفكري والتقنية والابتكار ضمن إطار مؤسسي مرن وقادر على التكيّف.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تبنّي سياسات وطنية منسجمة مع مستهدفات «رؤية عُمان 2040» ترتكز على تعزيز الاستثمار في التعليم النوعي مواكبا ومتكيّفا مع المتغيرات والطفرات والتحولات التقنية والاقتصادية المُتسارعة ورفع نسبة مساهمة البحث والتطوير من الناتج المحلي الإجمالي لسلطنة عُمان وتطوير البُنى الأساسية التقنية وتمكين ريادة الأعمال التقنية، إلى جانب توطين الصناعات التقنية وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات البحثية والأكاديمية.

كما يتطلب ذلك بناء وتحديث أطر تنظيمية وتشريعية مرنة تدعم الابتكار وتضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات، بما يُسهم في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والتقنية والابتكار قادر على تحقيق التنويع الاقتصادي والاستدامة والتنافسية.