نصف مليون وظيفة
الاثنين / 2 / ذو القعدة / 1447 هـ - 20:33 - الاثنين 20 أبريل 2026 20:33
صرح معالي الدكتور سعيد الصقري المستشار بمكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، خلال ملتقى «معا نتقدم» في نسخته الرابعة لعام 2026 أن الخطة الخمسية العاشرة أسهمت في توليد نحو 500 ألف فرصة عمل جديدة في القطاعين العام والخاص، فقد ارتفع عدد العاملين في القطاع الاقتصادي من نحو مليونين و200 ألف إلى مليونين و700 ألف.
وزارة الاقتصاد وقتها لم تستطع التنبؤ بهذا الرقم، فلم يتوقع أحد في الاقتصاد الكلي من الوزارة أن ينمو القطاع غير النفطي بنسبة 4.4%، ولم يقرأ أحد منهم أثر الحوافز المالية لخطة التحفيز الاقتصادي التي دعمها جلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه.
لقد عجزت البيانات اللحظية؛ حيث إن الاقتصاد الكلي كان يعاني من فجوة في البيانات الحية، والتوقعات كانت تبنى على مسوحات قديمة. فالنمو الذي حدث في قطاعات كالهيدروجين الأخضر والاقتصاد الرقمي كان أسرع من قدرة الوزارة على تحديث نماذجها التنبؤية. فالاقتصاد تحرك أسرع من البيروقراطية الإحصائية للوزارة! كانت الوزارة تقود بمرآة الرؤية الخلفية -بيانات الأزمة- بينما كان الواقع يتحرك بمحرك نفاث؛ تعاف سريع واستثمارات كبرى. كانت فجوة كبيرة بين التوقع والواقع، والأمر يُعد ثغرة في التخطيط الاستراتيجي.
كان التنسيق القطاعي غائبا؛ فوزارة الاقتصاد كانت تعمل بمعزل عن الواقع الميداني لوزارة العمل وجهاز الاستثمار. كانت هناك مشاريع تُقر وتُنفذ مثل الدقم واللوجستيات وغيرها، وتولد آلاف الوظائف، بينما الوزارة لا تزال تعتمد على نماذج لا ترصد أثر هذه المشاريع اللحظي على سوق العمل.
الوزارة تنبأت بنمو مالي وهو الناتج المحلي، ولم تحول هذا النمو إلى خارطة طريق للقوى العاملة لبعدها عن ديناميكية السوق. علمت أن الاقتصاد سينمو، لكنها لم تتنبأ بأن هذا النمو سيحتاج نصف مليون يد عاملة، فتركت السوق للعرض والطلب الذي يميل دائما للوافد الأرخص. ففاتت فرصة ترجمة النجاح الرقمي إلى نجاح اجتماعي.
من منظور التخطيط الوطني؛ هو ضعف استراتيجي. فما قيمة نمو يولد وظائف لا يستفيد منها المواطن إلا بنسبة ضئيلة. فالوزارة كانت تخطط لأرقام النمو وليس للمواطن. البعض ذكر مبرر عدم التنبؤ لكنه غير مقنع مهنيا؛ في علم الاقتصاد الحديث توجد أدوات مثل المصفوفات القطاعية قادرة على الإخبار بدقة «إذا استثمرت مليار ريال في الصناعة، فستولد عدد كذا وظيفة».
إن الحل في تكامل البيانات، فلا ينبغي لوزارة الاقتصاد أن تنتظر نهاية السنة لتعرف كم وظيفة تولدت؛ بل نظام تقني يربط السجل التجاري بـالتأمينات الاجتماعية بـوزارة العمل في لوحة تحكم واحدة (Dashboard).
الحقيقة الجيدة والجميلة أن الاقتصاد العماني قوي وقادر على توليد الفرص، فلا يجوز أن تكون ماكينة التوظيف الوطنية أبطأ بكثير من ماكينة النمو الاقتصادي.
إذا استمرت الوزارة في التعامل مع الاقتصاد كأرقام ونسب نمو محلي وإجمالي فقط دون ربطها المباشر بـتشغيل العماني، فقد نرى لا سمح الله عام 2030 تصريحا جديدا مماثلا.
إن العقل المخطط كان عاجزا عن ربط هذا النمو باحتياجات المواطن بشكل استباقي. الحقيقة أن الاقتصاد الذي أوجد 500 ألف وظيفة، استفاد منها فقط 127 ألف عماني، وأخذ حوالي ثلاثة أرباعها الوافدون هو اقتصاد ينمو لغير أصحابه.
الوزارة فرحت لأن الناتج المحلي نما، ولأن الشركات تحركت، لكنها نست أن دورها الأساسي هو «هندسة» هذا النمو ليكون لصالح تشغيل الشباب العماني. فإذا كانت وزارة الاقتصاد لا تعرف حجم الوظائف التي ستنتجها استثماراتها، فمن الذي يعرف.
وإذا كنا لا نعرف كم وظيفة سننتج، فنحن لا نملك خطة لتشغيل المواطنين فيها.
كانت الخطة العاشرة فرصة ذهبية لنقل آلاف العمانيين للقطاع الخاص في ذروة التعافي، وكان سيعد ذلك نجاحا مبهرا وعظيما لخطة قللت المديونية العامة، ونشطت الاقتصاد، وعملت أيضا بقوة لتشغيل العماني.
من المهم أن تتحدث الوزارة الآن عن صافي الوظائف الجديدة للمواطنين، مع ربط كل مشروع اقتصادي جديد بعدد العمانيين الذين سيتوظفون فيه «قبل» أن يبدأ.
المرسوم السلطاني السامي رقم 1/ 2026، والمرسوم الذي قرر التعديلات الهيكلية في القطاع الاقتصادي للبلاد، أعاد إلينا الأمل، لذا نرجو الكثير من وزارة الاقتصاد لصالح التخطيط الاقتصادي الاستراتيجي وتشغيل الشباب.