سامي الشكيلي.. بحار يهوى الشراع ويعبر المحيطات حاملا علم الوطن أمام العالم
ارتبط بالبحر منذ الطفولة وألهمته رحلة "عُماني" حول العالم
الاثنين / 2 / ذو القعدة / 1447 هـ - 16:46 - الاثنين 20 أبريل 2026 16:46
حوار – عامر بن عبدالله الأنصاري
تُخرِّج البيئة العُمانية بطبيعتها المتنوعة أسماءً عُمانية تصل إلى العالمية بطموح عالٍ وإصرار متواصل وعملٍ جاد لا يتوقف عند مشروع محدد بعينه، ويُعدّ البحّار العُماني سامي بن هديب الشكيلي خير مثال على ذلك؛ فهو ابن البيئة البحرية، وارتباطه بالساحل ارتباط قديم، إذ طالما رافق والده في القوارب التراثية، ليبدأ شغفه برياضة الإبحار الشراعي منذ أن أبصر الحياة مبكرًا.
بدأ مسيرته الفعلية في الإبحار الشراعي بصورته العالمية منذ عام 2011، وانضم إلى منتخب عُمان للإبحار الشراعي ليصقل مهاراته المتراكمة منذ الصغر، حتى تمكن من تحقيق إنجازات دولية وكسر أرقاما قياسية عبر عبور المحيطات بقوة الرياح الصديقة للبيئة بعيدًا عن المحركات. وبعد توقف سباقات المحيطات في 'عُمان للإبحار'، أبى إلا أن يواصل المسير، ليلتحق بفرق خارج سلطنة عُمان تحقيقًا لحلمه وتلبيةً لشغفه الذي لا ينضب، مؤكدًا للعالم أن البحّار العُماني قادر على المنافسة عالميًا وتحقيق الإنجازات.
فيما يلي نقترب من أبرز تجاربه في عالم الإبحار الشراعي، والتي تناولتها وسائل إعلام غربية بوصفها إنجازات كبيرة وتجربة ملهمة، تعكس حجم القوة البدنية والنفسية والذهنية، فضلًا عن مهارات إدارة هذه القدرات في سبيل بلوغ الهدف وتحقيق الطموح.
•بداية.. حدثنا عن بداياتك في رياضة الإبحار الشراعي؟
- بدأت رحلتي مع الإبحار الشراعي عام 2011، وكان الحافز الأكبر بالنسبة لي هو وصول البحّار العُماني محسن البوسعيدي إلى ميناء السلطان قابوس عام 2009 بعد رحلته حول العالم، كان ذلك المشهد مصدر إلهام عميق لي، إذ رأيت نفسي في مكانه وشعرت بإحساس بطولي غريب، رغم أنني لم أكن قد سمعت من قبل عن مشروع عُمان للإبحار، وما عزز ذلك أني قد نشأتُ في بيئة بحرية، وكنت أمارس الإبحار في قوارب تراثية مع والدي، فتجذّرت الفكرة في ذهني بأن أصبح يومًا ما بحّارًا عالميًا.
هذه الرياضة صعبة للغاية، وتتطلب الصبر والمثابرة وعدم اليأس، والنظر دائمًا إلى الأمام، كما تحتاج إلى تقبّل مشقة الحياة في البحر، وتحدّي النفس والأفكار السلبية، والاستعداد لمواجهة التعب والبرد والحر والمطر والأمواج. ومع مرور هذه المراحل، يتكوّن داخلك شعور بالمسؤولية تجاه تمثيل وطنك، وكان انضمامي إلى سباقات المحيطات مصدر فخر كبير، خاصة في ظل الدعم الذي حظيت به الرياضة العُمانية من المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- إذ كان هدفي الدائم أن أردّ له هذا الدعم من خلال إنجازاتي وجهدي، وكان هذا الهدف دافعًا لي في أصعب اللحظات.
•كنت ضمن منتخب الإبحار الشراعي العُماني، ماذا أضافت لك تجربة الانضمام؟
-كانت تجربتي مع منتخب الإبحار الشراعي من أفضل التجارب في حياتي، أشكر مشروع عُمان للإبحار وكل من ساهم في نجاحه، فقد كان مشروعًا احترافيًا وأخلاقيًا وتعليميًا متكاملًا، لا يقتصر على تعليم الإبحار فقط، بل يعلّمك كيف تتحول من شخص عادي إلى محترف، وارتداء قميص المنتخب كان يمنحني شعورًا عميقًا بالمسؤولية تجاه اسم الوطن والمؤسسة وذاتي، وتعلمت خلال هذه التجربة الكثير من الجوانب الرياضية والثقافية والعمل الجماعي، إضافة إلى تطوير التفكير الإيجابي، كانت مرحلة مهمة في حياتي اكتسبت فيها الاحترافية، ومنها انطلقت نحو العالمية.
•ما أبرز التحديات التي واجهتك في سباقات المحيطات؟
- الإبحار في المحيطات، خاصة المحيط الأطلسي، يعد مغامرة وتحديًا كبيرًا بينك وبين الأمواج والعواصف، من أصعب المراحل التي مررت بها كانت في ديسمبر الماضي، خلال رحلة الإبحار من جزر الكاريبي إلى البرازيل، والتي استمرت أسبوعين دون توقف.
واجهنا أمواجًا بارتفاع 3 إلى 4 أمتار، ورياحًا سرعتها بين 30 و35 عقدة، وكنا ثلاثة أشخاص فقط على متن القارب، وكان الإبحار عكس اتجاه الرياح، وهو من أصعب أنواع الإبحار، حتى يُطلق عليه في بعض المصطلحات 'الإبحار إلى الموت' من شدة صعوبته، وفي هذه الظروف، يصبح النوم والأكل شبه مستحيلين بسبب فقدان التوازن، وقد تعرض القارب للتحطم ثلاث مرات متتالية بسبب شدة الأمواج، لكننا تمكنا من إصلاحه ومواصلة الرحلة حتى الوصول إلى خط النهاية.
•ما أعرفه أنك الآن تقيم خارج سلطنة عُمان لتواصل شغفك بالإبحار الشراعي عبر المحيطات.. بماذا تخطط؟
-نعم، أقيم خارج سلطنة عُمان منذ خمس سنوات، بعد توقف مشروع 'سباقات المحيطات' بسبب جائحة كورونا، كان ذلك خبرًا صادمًا بالنسبة لي، لكنني لم أستسلم، بل واصلت السعي نحو حلمي رغم التحديات والتضحيات، وضعت هدفي نصب عيني، وهو الاستمرار في تمثيل سلطنة عُمان والوصول إلى الاحتراف بجهدي الشخصي، دون الالتفات إلى الوراء، واليوم أفتخر بأنني أمثل وطني وعائلتي ونفسي في مختلف دول العالم، أما خططي المستقبلية، فهي خوض سباق حول العالم دون توقف، وعبور المحيطات الهندي والأطلسي والهادئ، حاملاً علم بلدي سلطنة عُمان، لإيصال رسالة بأن العُماني قادر على تحقيق الإنجازات العالمية.
•حققت إنجازات كثيرة كرياضي عُماني، ماذا يعني لك تمثيل سلطنة عُمان في هذه الرياضة؟
-حققت العديد من الإنجازات والميداليات والكؤوس خلال السنوات الخمس الماضية، في سباقات طويلة بأوروبا وجزر الكناري والكاريبي والمحيط الأطلسي، وكل هذه الإنجازات تجعلني أشعر بفخر واعتزاز كبيرين كوني عُمانيًا، ومن أوائل العرب والخليجيين الذين يحققون مثل هذه الإنجازات في هذا المجال، تمثيل سلطنة عُمان في المحافل الرياضية العالمية شرف عظيم ومسؤولية كبيرة أعتز بها.
•أحزنك خبر توقف سباقات المحيطات، وفي الوقت ذاته لا تنكر أنك استفدت من 'عُمان للإبحار'.. اليوم كيف تنظر إلى دعم مسيرتك الحالية من قبل 'عُمان للإبحار'؟
- أقولها متأسفا، في الوقت الحالي لا أجد دعمًا يُذكر من داخل سلطنة عُمان، سواء على المستوى الرياضي أو المؤسسي، ومنذ خروجي من مؤسسة 'عُمان للإبحار' قبل خمس سنوات، وأنا أواصل مسيرتي بشكل مستقل، ومع ذلك ما زلت أعتز بتمثيل اسم المشروع، لأنه يحمل شعار سلطنة عُمان، متطلعا أن أجد الدعم الذي يعزز مشواري العالمي في هذه الرياضة.
•ما أبرز الصعوبات التي تواجه البحّار العُماني في الاحتراف عالميًا؟
- من أبرز الصعوبات التي واجهت البحّار العُماني سابقًا، ضعف الثقة عندما كان يقود الفرق مدربون أو بحّارة محترفون من خارج سلطنة عُمان، إضافة إلى قلة الفرص المتاحة، الإبحار الشراعي رياضة تحتاج إلى دعم مادي ومعنوي كبيرين، وهي أيضًا رياضة مخاطرة، ومع كثرة التجارب يكتسب البحّار الخبرة ويصل إلى الاحتراف، وهذا ما سعيت لتحقيقه من خلال مسيرتي.
•ما أبرز إنجازاتك وميدالياتك، وأيها الأقرب إلى قلبك؟
- كما ذكرت هي كثيرة وعديدة، ومن أبرز إنجازاتي الفوز بالمركز الأول في سباق حول أيرلندا عام 2014 بالقارب العُماني، إضافة إلى كسر رقم قياسي جديد في سباق عبور المحيط الأطلسي مع فريق إيطالي عام 2025، وتبقى هذه الإنجازات الأقرب إلى قلبي لما تحمله من تحدٍ وتميز.
•كانت لك تجربة -تحدث عنها الإعلام الغربي- عن رحلة طويلة قمت بها مع بحّارين أجانب إلى القطب الجنوبي، حدثنا عن تلك الرحلة وكيف تجهّزتم لها نفسيًا وتقنيًا؟
- كانت آخر تجربة عالمية لي للإبحار من أقصى جنوب الأرجنتين، وهي أقرب نقطة مأهولة إلى القطب الجنوبي، وكانت تجربة استثنائية وسط الثلوج والبطاريق والحيتان، وأثارت اهتمامًا إعلاميًا واسعًا، لكونها من أوائل الرحلات الشراعية التي تصل إلى تلك المنطقة، كانت الرحلة شديدة الصعوبة بسبب الرياح القوية وانخفاض درجات الحرارة التي وصلت إلى ما دون 12 درجة تحت الصفر، إضافة إلى ضعف الرؤية، استعددنا لهذه الرحلة لمدة عام كامل، نفسيًا وبدنيًا، بقيادة ربان القارب، وضم الفريق سبعة بحّارة، من بينهم بحّار أمريكي متمرس في الإبحار بالمناطق القطبية، وبعد عودتنا إلى أوروبا، حظينا باستقبال إعلامي واسع، وكان ذلك مصدر فخر كبير لي كعُماني رفعت اسم بلدي في المحافل الدولية، ومن المقرر تكريمنا في حفل سنوي بإيطاليا.
•ما أصعب التحديات التي واجهتكم في طريقكم إلى القارة القطبية الجنوبية؟
-أصعب التحديات تمثلت في الظروف المناخية القاسية، من رياح عاتية ودرجات حرارة منخفضة جدًا، إضافة إلى الجليد الذي كان يعيق الحركة ويؤثر على توازن القارب، كما أن قصر ساعات النهار، حيث لا يتجاوز الضوء سوى بضع ساعات، شكّل ضغطًا نفسيًا وبدنيًا كبيرًا على الفريق، فضلًا عن الأعطال الفنية التي واجهتنا خلال الرحلة.
•أخيرا.. ما هي رسالتك التي توجهها من خلال جريدة عُمان؟
- أهدي إنجازاتي والمراكز التي حصلت عليها وهذا الفخر والاعتزاز إلى مولاي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - سائلاً الله أن يوفقه لما فيه خير الوطن، كما أتمنى من الشارع الرياضي العُماني الالتفات إلى الإنجازات العُمانية، وتقديم الدعم الذي يستحقه الرياضي العُماني المحترف، ليواصل تمثيل السلطنة بأفضل صورة في المحافل الدولية.