التدريب.. بين الربحية وصنع الأثر
الاحد / 1 / ذو القعدة / 1447 هـ - 21:46 - الاحد 19 أبريل 2026 21:46
لا يخفى أن كثيرا من العاملين في سلك التدريب يرفعون شعار «صنع الأثر»، ويؤكدون في أحاديثهم وتعريفاتهم المهنية أن غايتهم تتجاوز تقديم المحتوى إلى إحداث الفرق في الأفراد والمؤسسات.
غير أن الواقع يكشف في أحيان كثيرة عن فجوة بين ما يُقال وما يُمارس؛ إذ يتحول التدريب لدى بعضهم إلى مساحة يحكمها منطق الربح السريع، أو السعي إلى الانتشار، أو التوسع في الظهور، أكثر من كونه رسالة تُبنى على العلم والقيم والمسؤولية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التذكير بما ينبغي أن يكون عليه التدريب إذا أُريد له أن يكون أداة بناء لا مجرد نشاط استهلاكي عابر. وأود الإشارة هنا إلى بعض النقاط:
- أولا: الأثر قبل العائد
ينبغي أن يكون الهدف الأول للتدريب هو رفع كفاءة الإنسان، وتحسين أدائه، وتمكينه من ممارسة دوره بوعي واقتدار، لا أن يكون العائد المادي هو المحرك الأعلى والغاية النهائية. فحين يصبح الربح هو البوصلة الوحيدة، يفقد التدريب كثيرا من روحه، ويتحول إلى منتج سريع التداول، قليل العمق، محدود النفع.
أما حين يُقدَم الأثر بوصفه الأولوية، فإن المدرب يسأل نفسه: ماذا سيتغير في المتدرب؟ وما الفارق الذي سيظهر في أدائه بعد هذه التجربة؟ هل أنا مصداق حقيقي للآية «وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ»
- ثانيا: القيم هي المحرك الأساس للعملية التدريبية
لا يكفي أن يمتلك المدرب معرفة أو مهارة في الإلقاء، بل لا بد أن تكون القيم حاضرة في جميع مراحل التدريب؛ من تشخيص الاحتياج، إلى تصميم البرنامج، إلى التنفيذ، ثم التقييم.
فـالنزاهة تظهر حين لا يقدم المدرب برنامجا يعلم أن الجهة أو الأفراد لا يحتاجونه فعلا. والإتقان يظهر حين يراجع مادته بعناية، ويحدّث أمثلته، ويبحث في المستجدات، ويقضي ساعات أطول في التحضير إن اقتضى الأمر.
والمسؤولية تظهر حين يشعر أن احترام المتدرب يبدأ من احترام وقته وعقله واحتياجه الحقيقي، لا من مجرد ملء الساعات أو إتمام العقد.
- ثالثا: المعيار الحقيقي هو الكفاءة لا الانتماءات الشكلية
من الضروري أن يكون السعي في اختيار المدربين موجها نحو أصحاب الكفاءة الحقيقية؛ أولئك القادرين علميا، المطلعين باستمرار، الذين يحدّثون معارفهم وأدواتهم بصورة متواصلة. ولا ينبغي أن يكون البلد، أو العمر، أو الجهة، أو الخلفية الشكلية، هو المعيار الحاكم في الاختيار؛ فالمعيار الأجدر بالاعتبار هو عمق المعرفة، وحداثة الاطلاع، والقدرة على تحويل الفكرة المعقدة إلى معنى واضح قابل للفهم والتطبيق.
- رابعا: الشهرة ليست دليلا كافيا على الجودة
من الأخطاء الشائعة في عالم التدريب أن تُجعل الشهرة معيارا للجودة، وكأن كثرة الظهور، أو عدد المتابعين، أو تكرار الاسم في المنصات، دليل كافٍ على القيمة العلمية والعملية.
والحقيقة أن الشهرة قد تسبق المعرفة، وقد تلمع الصورة بينما يظل المحتوى هشا أو سطحيا. ولذلك فإن المعيار الذي ينبغي أن يُقدَم هو عمق المعرفة، ورصانة الطرح، والقدرة على الإضافة الحقيقية، لا مجرد البريق الإعلامي.
- خامسا: الحاجة إلى التخصص لا العمومية المفرطة
إن من التوجهات المهمة في التدريب اليوم أن ينتقل من العمومية الواسعة إلى التخصص الأعمق؛ فلم يعد مقنعا أن يكون المدرب متحدثا في كل شيء، من القيادة إلى الاستراتيجية إلى الابتكار إلى السياسات إلى الثقافة المؤسسية، من غير عمقٍ حقيقي في أيٍ منها.
إن الحاجة اليوم أكبر إلى المدرب المتخصص في مجالات مثل القيادة، أو إدارة التغيير، أو السياسات العامة، أو التطوير المؤسسي، أو الاتصال القيادي، أو بناء فرق العمل. فالتخصص لا يرفع فقط جودة المعرفة، بل يعزز كذلك قابلية التطبيق، ويزيد من مصداقية التدريب وأثره.
- سادسا: دور المدرب لا ينتهي بانتهاء التدريب
من المهم أن يُفهم أن التدريب ليس لحظة تنتهي بخروج المشاركين من القاعة، بل هو عملية يفترض أن تمتد إلى ما بعد الجلسة أو البرنامج. فالمتابعة، وقياس التطبيق، وتقديم التغذية الراجعة، وتصميم وسائل التعزيز بعد التدريب، كلها جزء من مسؤولية المدرب أو الجهة التدريبية.
فالقضية ليست في مجرد وجود أثر لحظي أو انطباع إيجابي سريع، بل في عمق الأثر، وفي مدى تحوله إلى ممارسة، وسلوك، وأداء متجدد داخل بيئة العمل.
وفي المحصلة، فإن التدريب الحقيقي لا ينبغي أن يُختزل في الربح، ولا أن يُقاس فقط بالانتشار، بل يُوزن بقدر ما يصنع من فرق، وبقدر ما يبني من كفاءة، وبقدر ما يتركه من أثر ممتد في الأفراد والمؤسسات. وكلما عاد التدريب إلى جوهره القيمي والمعرفي، اقترب من رسالته، وابتعد عن أن يكون مجرد نشاط شكلي يستهلك الوقت والموارد دون تحول حقيقي؛ ففيما ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وسلم): «إن الله كتب الإحسان على كل شيء».
أحمد محمود اللواتي مدير برامج في الأكاديمية السلطانية للإدارة