الإرهاب الإسرائيلي السيكوباثي في لبنان
الاحد / 1 / ذو القعدة / 1447 هـ - 21:46 - الاحد 19 أبريل 2026 21:46
ترجمة: بدر بن خميس الظفري -
في الثامن من أبريل، شنّ الجيش الإسرائيلي عملية «الظلام الأبدي» التي تحمل اسما كارثيا ضد لبنان، وكانت نتائجها مروعة كما هو متوقع.
ففي غضون عشر دقائق فقط، قصفت إسرائيل أكثر من مائة موقع في أنحاء البلاد، ما أسفر عن مقتل أكثر من ثلاثمئة شخص وإصابة ما لا يقل عن ألف وخمسمائة وخمسين آخرين.
وجاءت هذه المجزرة في خضم وقف إطلاق النار الإقليمي الذي دخل حيز التنفيذ ظاهريا بعد خمسة أسابيع من حرب مدمرة شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
وبالطبع، إسرائيل تُعرف بعدم التزامها بوقف إطلاق النار، وخاصة عندما يتعلق الأمر بلبنان. ففي غضون سبعة أشهر فقط مما يُسمى بوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان في نوفمبر 2024، لم تكتفِ إسرائيل بمواصلة احتلال أراض في جنوب لبنان، بل واصلت أيضا شن غارات جوية منتظمة على البلاد، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن مئتين وخمسين شخصا. ومنذ ذلك الحين، لم يزدد الوضع إلا سوءا.
منذ إعلان وقف إطلاق النار الإسرائيلي اللبناني مجددا في 16 أبريل، ولمدة عشرة أيام هذه المرة، لم يتردد الإسرائيليون -كعادتهم- في انتهاكه بقصف قرى لبنانية متفرقة في الجنوب.
وفي استعراضهم الشيطاني الأسبوع الماضي، غيّرت إسرائيل أسلوبها المعتاد، فقصفت لبنان قصفا شاملا بدلا من حصر تدميرها في مناطق طائفية محددة، وتحديدا المناطق ذات الأغلبية الشيعية التي تُصوَّر في الخطاب الأمريكي الإسرائيلي المُبسَّط على أنها «معاقل حزب الله».
لنأخذ مثالا على ذلك صديقا لي من أصل لبناني فلسطيني يسكن في مبنى سكني ليس ببعيد عن الجامعة الأمريكية في بيروت. في ظلّ العنف الإسرائيلي المعتاد، كان التركيب السكاني لحيّه يجعله منطقة محظورة تماما على أيّ هجوم. لكن في «الأربعاء الأسود»، أصبح المبنى هدفا لهجوم «الظلام الأبدي»، الذي أسفر، بحسب التقارير، عن مقتل طفل وخمس نساء، من بينهنّ عاملة منزلية من سريلانكا. وبحسب صديقي، انتقل الضحايا إلى المبنى بعد فرارهم من منازلهم في جنوب لبنان إثر العدوان الإسرائيلي عام 2024.
لم تُخفِ إسرائيل هدفها المتمثل في تأجيج الفتنة الطائفية في لبنان وترويع المجتمعات اللبنانية لإجبار اللاجئين الشيعة على طردهم هربا من الإرهاب الإسرائيلي، ويبدو أن الهجوم على مبنى صديقي يتماشى تماما مع هذه الاستراتيجية.
لنتذكر غزو إسرائيل لجارتها الشمالية عام 1978، والذي حمل اسما أقل درامية بكثير، عملية الليطاني، لكنه أودى بحياة أكثر من ألف شخص في غضون أيام قليلة، فضلا عن كونه بداية احتلال وحشي دام 22 عاما للجزء الجنوبي من البلاد. ثم جاء غزو عام 1982، الذي أودى بحياة عشرات الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين، وأدى إلى ظهور حزب الله، الذي وُصفت مقاومته لإسرائيل فورا بـ«الإرهاب»، وهو ما برر ترويع إسرائيل للبنان إلى الأبد.
وفي مذكراتها عن الحرب الأهلية اللبنانية، «شظايا بيروت»، تصف جان سعيد مقدسي، الباحثة الفلسطينية وشقيقة الراحل إدوارد سعيد، القصف الإسرائيلي المتواصل لبيروت في 12 أغسطس 1982، على الرغم من وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ رسميا في ذلك اليوم نفسه: «كأنَّ الإسرائيليين قد بلغوا ذروة كراهية عنيفة؛ نزعة جنونية مدمرة للقتل، لإبادة كل كائن حي، لعدم إبقاء شيء قائم، لمحو المدينة». وربما كانت هذه مقدمة لـ«الظلام الأبدي».
وتطول قائمة النوبات الجنونية. منها مجزرة إسرائيل عام 1996 التي راح ضحيتها 106 مدنيين كانوا يحتمون بمجمع للأمم المتحدة في قرية قانا -لا ينبغي الخلط بينها وبين مجزرة إسرائيل عام 2006 التي راح ضحيتها مدنيون في القرية نفسها-.
وقعت هذه الحادثة الأخيرة في سياق حرب إسرائيل التي استمرت 34 يوما، في شهري يوليو وأغسطس من ذلك العام، والتي أودت بحياة ما يُقدّر بـ1200 شخص. وباستثناء قصف مطار بيروت والجسور والطرق السريعة الرئيسية، حصر الجيش الإسرائيلي معظم جنونه في «معاقل حزب الله»، فسوّى العديد من قرى جنوب لبنان بالأرض، وحوّل حي الضاحية جنوب بيروت إلى منطقة مليئة بالفوهات.
وفي تأمله لهذا المشهد، ردد الروائي اللبناني إلياس خوري صدى مشاعر الرعب والقلق التي انتابت سعيد مقدسي إزاء قدرة إسرائيل على الإبادة: «إنه دمار شامل. دمار شامل لم ترَ مثله من قبل... أنقاض تمتد إلى الأفق، تتحدى السماء. النجوم ترتجف، وكذلك عيون الناس. كل شيء يرتجف ويتلألأ، كل شيء معلق في الهواء». بعد شهر من انتهاء الحرب، سافرتُ أنا وصديقتي من تركيا عبر سوريا إلى لبنان، حيث أمضينا شهورا نتنقل بين الأنقاض. ووفقا لتقاليد الضيافة اللبنانية الأصيلة، كنا نتنقل باستمرار، ونتجول في أرجاء البلاد، ونعود إلى منازل الناس؛ حيث تُطعمنا أمهاتهم وتؤوينا ليلا، وتغدق علينا بشتى أنواع الهدايا - بما في ذلك ساعة حائط ضخمة تحمل شعار حزب الله، والتي كانت بمثابة دعامة طريفة لرحلتنا عائدين إلى تركيا-.
بعد عشرين عاما، يجد لبنان نفسه مرة أخرى تحت رحمة سعي إسرائيل المحموم نحو الدمار الشامل، وهذه المرة مدفوعة بجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في قطاع غزة؛ حيث تستمر المجازر بوتيرة متسارعة رغم وقف إطلاق النار المزعوم الذي تم التوصل إليه في أكتوبر الماضي.
وفي أعقاب موجة الكراهية العنيفة الأخيرة، يبقى أن نرى ما هي الحيل الإرهابية الأخرى التي تُخبئها إسرائيل. ففي النهاية، لا يُطلق على عملية اسم «الظلام الأبدي» إذا كان المرء ينوي إنهاءها قريبا. يُضاف إلى كل هذا عادة إسرائيل الدائمة في نشر طائرات حربية وطائرات مسيّرة لانتهاك المجال الجوي اللبناني، حتى في فترات «السلام» النسبي، وإصدارها المتكرر لأصوات اختراق حاجز الصوت في سماء لبنان كوسيلة لترويع السكان.
والآن، مع وجود عدد لا يُحصى من الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض، ونزوح أكثر من مليون شخص، والاستيلاء على الأراضي في جنوب لبنان، يبدو المستقبل قاتما للغاية.
بيلين فرنانديز كاتبة عمود في قناة الجزيرة ومؤلفة كتاب «فجوة دارين: رحلة مراسل عبر مفترق الطرق المميت للأمريكتين».
الترجمة عن موقع ميدل إيست آي.