أفكار وآراء

أوروبا بين الحاجة إلى أمريكا والرغبة في الاستقلال


ترجمة: نهى مصطفى -

أمضى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السنة الأولى من ولايته الثانية في فرض تعريفات جمركية باهظة على البضائع الأوروبية، والتلاعب بفكرة سحب القوات الأمريكية من أوروبا، والتهديد بـ«السيطرة» على أراضٍ أوروبية، ما جعل القادة الأوروبيين في حاجة ماسة إلى تقليل اعتمادهم الاقتصادي والعسكري على الولايات المتحدة.

تعد الولايات المتحدة اليوم أكبر سوق تصدير لأوروبا، وتستحوذ على أكثر من 20% من الصادرات الأوروبية في عام 2026، فضلًا عن أنها المورد الرئيسي لرأس المال المخاطر للمشاريع التجارية الجديدة في القارة، ومصدر القدرات العسكرية الضرورية لردع روسيا.

هناك أسباب وجيهة للتفاؤل بإمكانية تقليل الحكومات الأوروبية لاعتمادها العسكري: فالإنفاق الدفاعي آخذ في الارتفاع، خاصة في دول شمال وشرق أوروبا، كما أن أوروبا تمول دفاع أوكرانيا ضد روسيا، وتسعى في الوقت نفسه إلى مزيد من التكامل مع قطاع الصناعات العسكرية الأوكرانية المتنامي. لكن تقليل انكشاف أوروبا الاقتصادي والتكنولوجي سيكون أكثر صعوبة بكثير.

تستطيع الحكومات الأوروبية التخلص التدريجي من السلع والخدمات والعملة الأمريكية في القطاع العام، وتقييد أو حظر استخدامها في القطاع الخاص، ما يحد من فرص الإدارة الأمريكية في استغلال التبعية الأوروبية كسلاح.

لكن لإقناع الشركات الخاصة بالتقليل من اعتمادها على العملة الأمريكية، وأنظمة الدفع المالي، والتجارة، والتكنولوجيا، ستحتاج الحكومات الأوروبية إلى توفير بدائل أوروبية لا تقل ملاءمةً وفعاليةً من حيث التكلفة وتطورًا تكنولوجيًا عن المنتجات الأمريكية.

هذه البدائل غير متوفرة حاليًا، ويتطلب توفيرها بسرعة من قِبل أوروبا تقديم تنازلات باهظة التكاليف: التضحية بالنمو الاقتصادي ومكاسب الإنتاجية، أو الاعتماد على موردين آخرين، لا سيما في الصين. وبدون مسار مقنع للتخلص من الاعتماد على الولايات المتحدة، وهو المسار الذي سلكته أوروبا بالفعل للتخفيف من اعتمادها العسكري، لن يكون أمام القارة خيار سوى قبول العلاقة الاقتصادية عبر الأطلسي على حالها إلى حد كبير في المستقبل المنظور.

تشعر الحكومات الأوروبية بقلق متزايد إزاء الدور المهيمن للدولار الأمريكي في النظام المالي العالمي، نظرًا لاستعداد الإدارات الأمريكية المستمر لاستخدام السيولة الدولارية كسلاح في العقوبات. إلا أن قدرتها على الحد من هيمنة الدولار محدودة، على الأقل في المدى القريب.

جدد البنك المركزي الأوروبي جهوده لتعزيز اليورو، بما في ذلك توسيع نطاق اتفاقيات مقايضة العملات وإعادة الشراء مع البنوك المركزية الأخرى، لكن الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى التكامل السياسي والمالي اللازم لإنشاء سوق ديون عميقة وسيولة تجعل اليورو بديلًا جذابًا للدولار لدى المستثمرين العالميين.

في الوقت الراهن، تمنع سهولة المعاملات العابرة للحدود بالدولار وانتشاره العالمي معظم الجهات الفاعلة في القطاع الخاص من التحول إلى عملات أخرى.

ليس من المرجح أن تتمكن الدول الأوروبية بسهولة من الحد من استخدام أنظمة الدفع الأمريكية العابرة للحدود في اقتصاداتها التي تتجه نحو التعاملات غير النقدية؛ إذ تستحوذ فيزا وماستركارد على ما يقارب ثلثي معاملات البطاقات في منطقة اليورو.

ويؤدي هيمنة الولايات المتحدة والدولار الأمريكي على تقنيات العملات الرقمية المستقرة والرموز الرقمية الجديدة إلى تعميق هذا الاعتماد. تكافح أوروبا لتطوير تقنيات الدفع الخاصة المحلية التي قد تنافس التي تقدمها الشركات الأمريكية، ولدمج التحويلات الرقمية الخاصة بكل دولة، والدفع داخل المتاجر، وبدائل التجارة الإلكترونية.

ونتيجة لذلك، لا توجد حاليًا تقنية أوروبية مماثلة يمكنها أن تحل محل أنظمة الدفع الأمريكية.

ربما يتغير هذا الوضع في المستقبل: يعمل البنك المركزي الأوروبي على تطوير يورو رقمي للمعاملات التجارية، ويوفر وسيلة آمنة للشركات الخاصة والمؤسسات المالية لتسوية المعاملات القائمة على تقنية البلوك تشين.

قد تمهد هذه المشاريع مجتمعةً الطريق لنظام دفع أوروبي مستقل عابر للحدود، ولكن من غير المتوقع أن يكون هذا النظام جاهزًا للاستخدام قبل نهاية هذا العقد.

من ناحية أخرى، يعتمد نحو 25% من مزيج الطاقة في أوروبا على الغاز الطبيعي، وهو ما قد يزيد اعتمادها على الولايات المتحدة لا العكس.

قبل الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في مطلع 2022، كانت خطوط الأنابيب الروسية توفر ما بين 40 و45% من واردات أوروبا، لكن الاتحاد الأوروبي خفض هذه الواردات بنحو 75% خلال السنوات التالية.

ولم يكن ذلك ممكنًا دون التوسع الكبير في استيراد الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، الذي ارتفع أكثر من أربع مرات بين 2022 و2025، وساهم، حتى اندلاع الحرب في إيران هذا العام، في تهدئة أسعار الغاز بعد الارتفاع الحاد في 2022 و2023. واليوم، تعد الولايات المتحدة والنرويج أبرز موردي الغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي.

وافقت دول الاتحاد الأوروبي على إنهاء ما تبقى من واردات الغاز الروسي بحلول أواخر 2027، ما يرجح زيادة أهمية الإمدادات الأمريكية. ويواجه الاتحاد ضرورة إيجاد بدائل سريعة لتفادي ارتفاع الأسعار.

ويمكن تعويض جزء من النقص عبر خطوط الأنابيب من النرويج أو الجزائر أو شرق المتوسط، لكن الحصة الأكبر ستأتي من الغاز الطبيعي المسال.

ويزداد التحدي تعقيدًا مع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط؛ إذ إن أي ضرر دائم يلحق بمنشآت الغاز القطرية سيدفع أوروبا إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الواردات الأمريكية. وباختصار، سيقود التخلي عن الغاز الروسي إلى ترسيخ هذا الاعتماد.

تدرك واشنطن حساسية وضع الطاقة الأوروبي؛ فقد تضمنت اتفاقية تيرنبيري، التي تفاوض عليها الاتحاد مع إدارة ترامب العام الماضي، بنودًا تتيح زيادة استيراد الغاز الطبيعي المسال ومصادر الطاقة الأحفورية من الولايات المتحدة، مقابل تحديد سقف للرسوم الجمركية على الصادرات الأوروبية عند 15%.

وخلال مناقشة التصديق على الاتفاقية في مارس، لمح السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوروبي، أندرو بوزدر، إلى أن مستقبل الإمدادات قد يتأثر في حال عدم إقرارها، مشيرًا إلى وجود مشترين آخرين.

ورغم القلق الأوروبي من هذا الضغط الضمني، من المرجح أن تمضي بروكسل في الموافقة على الاتفاقية حفاظًا على مصالح الشركات واستقرار العلاقات عبر الأطلسي.

منذ عام 2016 على الأقل، تسببت السياسات الحمائية الأمريكية في اضطراب التجارة عبر الأطلسي، مع تقلب الرسوم الجمركية الفعلية والمهددة في قطاعات رئيسية مثل السيارات والأدوية وأشباه الموصلات.

وأسهم فرض رسوم مرتفعة على واردات الصلب والألومنيوم والنحاس من الاتحاد الأوروبي في زيادة تكاليف الإنتاج داخل الولايات المتحدة، وخلق بيئة أعمال تتسم بعدم اليقين. ومع غياب رؤية واضحة لمسار التعريفات مستقبلا، لجأت شركات أوروبية وأمريكية إلى تأجيل استثمارات جديدة رغم دعوات واشنطن لتعزيزها.

ومن المتوقع أن تسهم المصادقة النهائية على اتفاقية تيرنبيري، التي تثبت الرسوم على مجموعة واسعة من السلع الأوروبية، في استقرار نسبي للتجارة عبر الأطلسي. وفي الوقت نفسه، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تنويع شراكاته عبر إبرام اتفاقيات تجارة حرة مع أطراف أخرى، مستفيدا من تراجع الدور الأمريكي في النظام التجاري القائم على القواعد. وقد أبرمت بروكسل بالفعل اتفاقيات مع أستراليا والهند وإندونيسيا وتكتل ميركوسور، ما يفتح أسواقا تضم أكثر من ملياري مستهلك، ويمنح الشركات الأوروبية ميزة تنافسية أمام نظيراتها الصينية.

ورغم ذلك، لا تكفي هذه الخطوات لتقليص الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة بشكل ملموس. ففي عام 2024، بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي إليها نحو 920 مليار دولار، متجاوزة بكثير صادراته إلى إلى أستراليا (40 مليار دولار)، والهند (81 مليار دولار)، وإندونيسيا (16 مليار دولار)، وتكتل ميركوسور (31 مليار دولار).

كما تظل الولايات المتحدة وأوروبا أكبر وجهتين متبادلتين للاستثمار، ومصدر الجزء الأكبر من أرباح الشركات متعددة الجنسيات.

صحيح أن توسيع شبكة الشركاء سيسهم تدريجيا في تنويع التجارة وتعزيز أمن الإمدادات، لكن حجم الترابط الاقتصادي عبر الأطلسي يجعل من الصعب تقليص أهميته في المستقبل القريب.

تواجه أوروبا خطر استمرار هيمنة شركات التكنولوجيا وخدمات الإنترنت الأمريكية الكبرى؛ فقد أخفقت في البدايات في بناء شركات قادرة على منافسة عمالقة مثل أمازون وجوجل وميتا ومايكروسوفت، وأصبحت اليوم تعتمد على خدماتهم في كثير من الأنشطة الاقتصادية والحكومية، مع احتمال أن تظل مستهلكًا رئيسيًا للتكنولوجيا المتقدمة بدلًا من منتج لها مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي.

وتسعى حزمة السيادة التكنولوجية التي تعتزم المفوضية الأوروبية طرحها إلى تقليص هذا الاعتماد، خاصة في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، لكن تحقيق ذلك يتطلب استثمارات كبيرة قد تتحملها الحكومات أو الشركات، بما قد يحد من قدرتها على المنافسة.

ويحمل هذا الاعتماد أبعادًا سياسية متزايدة الحساسية؛ فقد بدأت بعض الحكومات اتخاذ خطوات لتقليصه، مثل توجه فرنسا إلى بدائل محلية، وتحول مؤسسات أوروبية إلى البرمجيات مفتوحة المصدر.

كما شددت الجهات التنظيمية قيودها على شركات التكنولوجيا الأمريكية عبر قواعد المنصات الرقمية وسياسات المنافسة، وهي إجراءات تحظى بدعم شعبي رغم ما تسببه من توتر مع واشنطن.

ومع ذلك، لا يعني هذا التوجه تراجع الهيمنة الأمريكية فعليًا. فشركات مثل أمازون وجوجل ومايكروسوفت تسيطر على نحو ثلثي سوق الحوسبة السحابية في أوروبا، وتعتمد غالبية الشركات الأوروبية على برمجيات أمريكية، كما تحتفظ هذه الشركات بدور محوري في الأمن السيبراني.

وفي المقابل، تواجه الشركات الأوروبية الناشئة، مثل شركة الذكاء الاصطناعي الفرنسية ميسترال، تحديات كبيرة، أبرزها ارتفاع التكاليف وصعوبة منافسة المنتجات الأمريكية الراسخة، فضلًا عن مزايا الحجم وانتشار الاستخدام.

وفي ظل التوترات السياسية، بدأت الحكومات الأوروبية تأخذ في الحسبان احتمال تراجع الدعم الأمريكي في مجالات الدفاع والأمن، إلا أن القطاع الخاص لا يزال يتصرف وفق توقعات أقل تشاؤمًا، ما يقلل الحافز للبحث عن بدائل مكلفة.

وطالما ظل احتمال عودة الاستقرار في العلاقات عبر الأطلسي قائمًا، ستتردد الشركات في تغيير سلاسل الإمداد أو التخلي عن التكنولوجيا الأمريكية.

ورغم ذلك، لا تخلو أوروبا من خيارات لتقليص اعتمادها، مثل تطوير أنظمة دفع رقمية قائمة على اليورو، وتعزيز الابتكار المحلي، وتوسيع اتفاقيات التجارة الحرة.

غير أن الحفاظ على التنافسية والنمو يفرض مقاربة واقعية، تجعل القارة مستمرة في الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية بدرجات قريبة من الوضع الحالي في المدى القريب.

لا يعكس استمرار أوروبا في استخدام السلع والخدمات والتكنولوجيا الأمريكية مجرد اعتماد أحادي، بل إدراكًا بأن السوق الأوروبية تدر أرباحًا كبيرة للشركات الأمريكية في قطاعات رئيسية، وأن لهذه الشركات مصلحة قوية في الحفاظ على متانة العلاقة عبر الأطلسي. وفي هذا السياق، لا يعد الاعتماد الاقتصادي مصدر القلق الأكبر، مقارنة بالاعتماد العسكري. فقد بدأت أوروبا بالفعل في معالجة أبرز مخاوفها، والمتمثلة في احتمال تراجع الدعم الأمريكي في حال مواجهة مستقبلية مع روسيا، عبر تعزيز قدراتها الدفاعية ودعم أوكرانيا. ومع تراجع هذا القلق النسبي، يبدو الإبقاء على العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة دون تغيير خيارًا مقبولًا.

جاكوب كيركجارد زميل أول في معهد بروجيل، متخصص في الاقتصاد الدولي، وسياسة الصناعات الدفاعية، والديموغرافيا، والهجرة، وأسواق العمل، والاستثمار

الترجمة عن Foreign Affairs