فيلم البئر.. الناجون من فناء الأرض يبحثون عن الماء
الاحد / 1 / ذو القعدة / 1447 هـ - 19:12 - الاحد 19 أبريل 2026 19:12
طاهر علوان -
لا شك أن هنالك كثيرا من الأفلام التي عالجت إشكالية ما بعد فناء الأرض وكانت في مجملها تعرض صورة الناجين من الكارثة وصراعهم من أجل البقاء وما يكابدونه من أجل ذلك، وغالبا ما يقدمون وهم محاصرون في غابة أو مبنى مهجور أو صحراء ممتدة أو بيئة جبلية وعرة.
خلال ذلك سوف يتم طرح إشكالية الانهيار العظيم ولماذا وقع وهنا سوف يتم حصره في أسباب أو عوامل محدودة وهي أما ثورة الطبيعة كالفيضانات والزلازل والتسونامي أو تفشي الأوبئة والأمراض أو الحروب الطاحنة.
في هذا الفيلم للمخرج الكندي هيربيرت دايفيس سوف نكون مع صورة الناجين وهم مجموعات مبعثرة وسط الغابات ولأسباب غير واضحة فإنها تعاني جميعا من شح المياه بسبب تلوث مصادر المياه بالكامل وتحول كأس الماء إلى قضية حياة أو موت إلى درجة أن تتقاتل الجماعات الصغيرة فيمنا بينها من أجل البقاء.
وبوصفه فيلما ينتمي إلى نوع تلك الأفلام التي تعالج إشكالية ما بعد نهاية العالم فإنه يرصد الأثر الإنساني للانهيار البيئي، وندرة الموارد، وتفكك المجتمعات وهو في الواقع امتداد لمسيرة المخرج نحو السرد الروائي، بعد أفلام وثائقية من بينها الفيلم القصير «هاردوود» (2005) الذي سبق ورشح لجائزة الأوسكار بينما يُقارب هذا الفيلم في تصويره الدرامي الديستوبي رواية «الطريق» لجون هيلكوت وربما فيلم «ماد ماكس»، حيث تُضفي قصته الكئيبة وإيقاعه البطيء طابعا مختلفاً.
يقدم الفيلم منذ مشاهده الأولى سارة -تقوم بالدور الممثلة الشابة شايلين ديكسون- وهي تعيش مع والديها إليشا تقوم بالدور -الممثلة جوان بولاند وباول- يقوم بالدور الممثل أرنولد بينوك، في وسط غابة قريبة من بئر جوفية سرية ونقية، ولا تزال مصدرا ثمينا للمياه النظيفة. تعيش العائلة بحذر شديد من قدوم غرباء قد يعتدون على حياتهم أو يسلبونهم مصدر الحياة الوحيد، وهو البئر أو ينقلون إليهم الوباء، وخلال ذلك يوظف المخرج الاستذكارات المتعددة لعرض جوانب من الحياة السابقة السعيدة كالمعتاد التي كانوا يعيشونها في الماضي.
تحمي الأسرة نفسها بكثير من الفخاخ ووسائل الإنذار البسيطة وذلك خوفا من تسلل الغرباء وهو ما سوف يحصل فعلا.
عندما يقع جيمي -يقوم بالدور الممثل إدريس سانوجو، في أحد تلك الفخاخ عند محاولته التسلل إلى منزل العائلة المتهالك، وهو شاب يبحث عن ملجأ، ويظهر فيما بعد أنه ابن شقيق باول المفقود. يظل إليشا وباول حذرين من الوافد الجديد، لكن سارة تنجذب إليه. عندما يتعطل البئر الجوفي، تغادر سارة مع جيمي بحثًا عن المعدات اللازمة لإصلاحه وهنا سوف ننتقل إلى مساحة سردية أخرى من الفيلم عندما يكون انتقال جيمي وسارة إلى أماكن نائية سببا في اكتشاف حياة جماعات أخرى تصارع من أجل البقاء هي الأخرى.
وفي هذا الصدد يتحدث الناقد آلان هانتر في موقع سكرين ديلي عن هذا الفيلم قائلا:
«تتميز أعمال المخرج ديفيس بلمستها الوثائقية ويبرز الأكثر شهرة منها مثلا فيلم «عمالقة أفريقيا» (2016) و«الجليد الأسود» (2022) الفائز بجائزة اختيار الجمهور في مهرجان تورنتو، بوعي اجتماعي عميق، إذ تتناول عموم أفلامه قضايا مثل العنصرية والظلم وعدم المساواة، وهي قضايا مماثلة تتخلل أحداث «البئر». حيث تدور أحداث الفيلم في مستقبل قريب، فيقضي فيروس ينتقل عبر الماء على عدد كبير من السكان. ينقسم الناجون إلى قسمين: أولئك المحتجزون في مخيمات اللاجئين شديدة الحراسة، وأولئك الذين يعيشون في مجتمعات صغيرة متناثرة. ويضفي ديفيس ومدير التصوير ستيوارت جيمس كاميرون على الفيلم طابعا مألوفًا لكنه مقنع، مُصوِّرا مجتمعات في محنة. تُشير صور الغابات الشاحبة ّ والمصانع المتهالكة الصدئة والأنهار الجافة إلى مستقبل قاتم، بينما تُوحي مسارات الغابات الخريفية المُغطاة بالأوراق والنباتات بأن الطبيعة تستعيد أرضًا دمرها الإنسان».
تمضي هذه الدراما الفيلمية إلى نهاياتها في نوع من الاستكشاف المحايد الذي يتجلى من خلال قيام سارة وجيمي بالبحث عن ناجين آخرين وفي النهاية يهتديان إلى التجمع الصغير الذي هرب منه. حيث يعيش الناجون هناك، بمن فيهم واندا - تقوم بالدور الممثلة ناتاشا مومبا، وطفلها حديث الولادة، تحت حكم امرأة بيضاء مسنة، وبالطبع وكالمعتاد في مثل هذه الأجواء والظروف سوف تتجلى نزعات التفرد والسيطرة والأنانية وكل ذلك في نطاق الصراع من أجل البقاء في بيئة هي لوحدها كافية الجعل الإنسان يعيش في عزلة كاملة ويذود عن نفسه بما تتاح له من وسائل.
ذلك النوع من السرد الفيلمي يذهب بنا مع انتصاف الزمن الفيلمي إلى نوع من الرثاء والمناجاة مع الطبيعة من وجهة نظر سارة وكيف انقطعت تلك الاستمرارية الممثلة في دورة الطبيعة والتحام الإنسان بها، وكل ذلك من خلال حوارات سارة مع نفسها وهي تناجي ما كان، من خلال صورة الجاذبية التي هي جزء من فاعلية الالتحام بالأرض وبالمياه وحيث تظهر لقطات للبحار وللغابات، ثم للإنسان الغاطس في وسط البحيرات وإذا كلها جميعا تتخلى عن أدوارها ويعيش الكائن في عزلة كاملة ويصبح دول الماء جزءا أساسيا من ديمومة الحياة.
يربط الفيلم تدريجيا مصائر الشخصيات الرئيسية ببعضها في كونها تواجه التحدي المشترك من أجل البقاء. وهنا توظف الموسيقى التصويرية، من تأليف كريس ديركسن، لخلق توتر متصاعد لكن في المقابل لا يسير الإيقاع الفيلمي في ذات المسار المتصاعد بل انه يمكث في مساحته التأملية الخالصة مع بقاء بعض عناصر القصة غامضة أو غير مقنعة إذ بقيت الأحداث محصورة في نطاق ضيق وهو ما أشرنا إليه من إشكالية نزعة البقاء على قيد الحياة وسط شح مصادر البقاء على قيد الحياة.
واقعيا يوظف المخرج مفردة البثر بشكل رمزي ملفت للنظر فهو ليس إلا ذلك القاع المجهول الذي صار ملاذا للبشر في عثورهم على ما يديم حياتهم من ماء فكيف وقد تسللت إليه السموم والمياه الملوثة وهو الأمر الذي يثير هلع الجميع ويجعلهم يبحثون عن بديل وهو الدافع المحرك والحبكة الثانوية التي دفعت بسارة إلى أن تذهب بعيدا لاقتفاء أثر تلك العوالم المجهولة لبشر متناثرين يائسين يعيشون وهم يحسبون أيامهم في وسط تلك العزلة والانقطاع الشامل عن وسائل الحياة.
إخراج: هيربيرت دايفيس
سيناريو: مايكل كابليبو
تمثيل : شيلن ديكسون، جوان بولاند، أرنولد بينوك، شيلا مكارثي
مدير التصوير: ستيوارت كاميرون
مونتاج: هيربيرت دايفس