قَص .. حطَّت الغربان على رؤوس الجميع
الاحد / 1 / ذو القعدة / 1447 هـ - 19:12 - الاحد 19 أبريل 2026 19:12
1. نشوء وارتقاء
جاءت الضَّواري الشَّرسة، من سُلالات وعائلات منقرضة، وأنواع موجودة في عالم اليوم، من حيث لا يعلم أحد. شيَّدت الضَّواري بيوتها بين المنازل المتباعدة في حيِّنا الفسيح الذي توجد فيه الكثير من قطع الأراضي الشَّاغرة، والتي كان بعضنا يفكر في استصلاحها زراعيَّاً أو استثمارها تجاريَّاً، حتى أصبحت بيوت الضَّواري أكثر وأكبر من منازلنا.
أخذت تلك الضَّواري تتناسل بصورة حثيثة، وصارت تنافسنا وتتقدَّم علينا في الدَّور في البقَّالات والمطاعم والمخابز، ثم اشتد عودها أكثر فصارت تهاجمنا في الليل فتلتهم من تلتهم، وتقتل من تقتل، وتجرح من تصيب. وبعد ذلك صارت تبغتنا في ظلمة الليل ورابعة النهار أيضاً. وهكذا فقد لجأنا إلى الاستغاثة بالجهات المسؤولة في البلاد، متقدمين بشكوى شديدة اللهجة طلباً للأمن والحماية.
قالت تلك الجهات إنها معنيَّة إلى أبعد حد ممكن بالأمر، ولا تريد لنا سوءاً أو مكروهاً، خاصة مع توكيد أنها قلقة إزاء تناقص أعداد المواطنين الأصليين، وانقلاب المعادلة الديموغرافيَّة لصالح الضَّواري. وأضافت تلك الجهات أنها تبحث الأمر مع الفنيين والخبراء من ذوي الاختصاص، وتُدرِّب فرقاً من القنَّاصة المحترفين، وغير ذلك مما يستلزمه الأمر، فعلينا ألا نقلق أكثر مما ينبغي.
وبعد ذلك عدنا جميعاً إلى الغابة.
2. Home
عدت في الغبش إلى بيتنا الواقع على طرف الوادي.
كانت الدِّيكة تصقع، والكلاب تنبح، والأبقار تخور، وعتبة البيت لم تعد موجودة. هالني أن جدرانه أصبحت زجاجيَّة بعد أن كانت طينيَّة بحيث أني رأيت أمي قبل أن أدخل إلى البيت. لم تكن أمي كفيفة النظر لكنها أصبحت كذلك الآن، وهي أول من رأيته للمرَّة الثانية إثر دخولي إلى الحوش بلا استئذان. كانت تتلمس طريقها بعصاها في الفراغ كأنما تحاول تجنُّب الاصطدام بشيء أمامها. ومن الغرفة الكبيرة في طرف البيت خرج إخوتي وأخواتي الذين يصغرونني في السِّن، ولم يكبروا يوماً واحداً بثيابهم القديمة نفسها، وكأنهم صور فوتوغرافيَّة كبيرة بالأسود والأبيض، منذ أن رأيتهم للمرة الأخيرة قبل عشر سنوات. تسمَّرتُ أمامهم، فصاروا ينادونني باسمي بصوت جماعي في خوف ورجاء.
وأنا من المفروض أن أذهب في صباح الغد حسب موعد مسبق إلى عيادة طبيب عيون واقعة على Sunset Boulevard.
3. إدغَر ألن بو
كان الوقت عصراً. وفي الخيمة السَّوداء العملاقة المنصوبة سرادق كبير مُقاما على طرف البلدة، كان الجميع من أهل المكان أو القادمين إليه من الأنحاء المجاورة أو البعيدة، منهمكين في التهام الطعام اللذيذ المكون من الرز واللحم والسَلَطات والألبان، وتلمظ العصائر المعلَّبة والمشروبات الغازيَّة، ورشف المياه من قنانٍ بلاستيكيَّة صغيرة، والاستماع إلى التلاوة المُشَنِّفَة من الذِّكر الحكيم. وفي كل هذا كانوا سادرين في الجهر بذِكر مكارم ومناقب الهالك الذي لقي حتفه في حادث سيَّارة وهو - كما قيل - في طريق عودته من تهريب شحنة من المخدرات، وكانوا يهمسون لبعضهم البعض، ويبتسمون، ويضحكون. وكانوا يقولون إن كل إنسان سيموت في نهاية الأمر.
أما بعضهم فقد كان يحتسي أصناف الخمرة وهم يقهقهون في السَّيارات المُكَيَّفة التي تطوِّق السرادق، أو تقف على مساحة ليست بعيدة منه، وذلك مراعاةً منهم لأهل الهالك، والوازع الديني، والأصول، والأعراف، والعادات، والتقاليد. والحقيقة هي أن ذلك الرَّهط من شاربي الخمر إنما يدأبون على ذلك في الأفراح والأتراح.
ثم حطَّت الغربان على رؤوس الجميع.
4. ثلج
على وقع صرير عجلات الكراسي الطبيَّة المتحركة، ظهرت الأميرة الشَّابة الجميلة التي نسيتُ اسمها برفقة زوجها الأمير الشاب الوسيم الذي نسيتُ اسمه أيضاً. وكان هذا قد أصيب بجلطة دماغية أدَّت إلى شلل كامل في نصفه الأعلى إضافة إلى فقدان القدرة على الكلام. كانت الأميرة الشَّابة الجميلة تدفع، وهي مرتدية ثياباً أنيقة وبسيطة، زوجها الأمير الشَّاب الوسيم على مقعد ذي عجلتين في أروقة المصحَّة في أوقات الاستراحة والنزهة. وبدوري كنت أدفع أمي على مقعدها ذي العجلتين في الممرات والأوقات نفسها. لم نكن نقيم مع مريضينا في الجناح ذاته، بينما الثلج يهطل على ألمانيا، ونحن نتبادل ابتسامات ذوق ومجاملة لبعضنا البعض حين نتصادف في الممرات، وقد كان ذلك شعوراً طيباً لمن يرافق والدته العجوز الميؤوس من حالتها تماماً.
في أحد تصادفاتنا، أثناء تحية شفهيَّة قصيرة أوقفتْ فيها الكرسي المتحرك، واستوثقت من هويتي، طلبت مني الأميرة إحضار ما قد يتوافر لدي من إصداراتي، والحضور للقائها في حجرة المُرافِق الموصولة بباب إلى غرفة المريض، وذلك بعد إطفاء الأضواء لدى موعد النوم في المساء التَّالي.
حيَّرني الأمر قليلاً، فأنا لستُ من نوع الكُتَّاب الرائجين الذين يمكن أن تعرفهم أميرة من المستبعد أن تذهب اهتماماتها إلى ما وراء الذَّهب، والفضَّة، والشِّعر النبطي الجيد أو الرديء. غير أني ذهبت في وقت الموعد، وفتحت لي الأميرة الباب وهي تقول عبارات الترحيب التقليدية في ثقافتنا.
جلسنا على مقعدين متقابلين في غرفة المُرافق للمريض ذات الأثاث العملي البسيط. سألتني مبتسمة: «هل الكتب فيها إهداؤك موقّعاً»؟ رددت مبتسماً ومرتبكاً أيضاً: «لا، ليس بالضبط! في الحقيقة، لم أكن أتوقع أنك تريدين إهداءات موَّقعة»! فتحت حقيبة يدها التي تناولت منها قلماً، وقالت مبتسمة: «تفضَّل»!
بعدها سألتني بطريقة بدت عفويَّة، وآمرة، ومغناجاً في الوقت نفسه: «ألا تريد هديَّة مني»؟! رددتُ مرتبكاً: «أنا أثق في تقديرك وذوقك»! نهضت من مقعدها، وفتحت دفَّة الدولاب المجاور المحفور في الحائط، وأخذت منه باقة ورد كبيرة قدَّمتها لي وهي واقفة وأنا جالس، ثم قبَّلتني، وهي منحنية نحوي، على شفتيَّ قُبلة سريعة.
توفيت أمي، ومات زوج الأميرة. لم أعد أعرف شيئاً عن الأميرة الجميلة، ولا يزال هناك صرير عجلات كرسيين طبيين متحركين يملأ أروقة المصحَّة الألمانيَّة في الشِّتاء.
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني